Atwasat

استانبول... مرة أخرى

جمعة بوكليب الخميس 21 نوفمبر 2024, 12:53 مساء
جمعة بوكليب

الذين‭ ‬منا‭ ‬يعشقون‭ ‬المدن‭ ‬القديمة،‭ ‬لا‭ ‬لوم‭ ‬عليهم‭ ‬ولا‭ ‬عتاب‭ ‬يطالهم،‭ ‬فالعشق‭ ‬فنون‭ ‬وجنون‭ ‬جميل‭. ‬إلا‭ ‬أنهم،‭ ‬في‭ ‬أغلب‭ ‬الحالات،‭ ‬محرومون‭ ‬منها،‭ ‬ومجبورون‭ ‬على‭ ‬زيارتها‭ ‬في‭ ‬كتب‭ ‬التاريخ‭ ‬وأرفف‭ ‬الآراشيف،‭ ‬وصالات‭ ‬المتاحف،‭ ‬وألبومات‭ ‬الصور‭ ‬القديمة‭. ‬إذ‭ ‬باستثناء‭ ‬الأسماء،‭ ‬لا‭ ‬يبقى‭ ‬في‭ ‬العادة‭ ‬من‭ ‬المدن‭ ‬القديمة‭ ‬شيء‭. ‬مكانها‭ ‬تحل‭ ‬مدن‭ ‬أخرى‭ ‬مختلفة‭. ‬طرابلس‭ ‬اليوم،‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال‭ ‬لا‭ ‬الحصر،‭ ‬لا‭ ‬علاقة‭ ‬لها‭ ‬بتلك‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬وتلاشت‭ ‬مختفية‭ ‬في‭ ‬الزمن‭. ‬هذا‭ ‬من‭ ‬جهة‭.‬

من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى،‭ ‬القاعدة‭ ‬المرتبطة‭ ‬بتلاشي‭ ‬المدن‭ ‬القديمة،‭ ‬مثل‭ ‬أي‭ ‬قاعدة‭ ‬أخرى،‭ ‬لها‭ ‬استثناء‭. ‬وهذا‭ ‬يقودنا‭ ‬بعيداً‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬إلى‭ ‬مدينة‭ ‬القسطنطينية‭ ‬عاصمة‭ ‬الامبراطورية‭ ‬الرومانية‭ ‬الشرقية‭. ‬القسطنطينية‭ ‬البيزنطية‭ ‬أضحت‭ ‬مدينة‭ ‬تركية،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬فتحها‭ ‬السلطان‭ ‬العثماني‭ ‬محمد‭ ‬الفاتح،‭ ‬وصار‭ ‬اسمها‭ ‬استانبول‭.‬

استانبول‭ ‬اثنتان‭: ‬عثمانية‭ ‬سلطانية،‭ ‬كانت‭ ‬مقر‭ ‬الباب‭ ‬العالي‭. ‬وأخرى‭ ‬أتاتوركية‭ ‬علمانية،‭ ‬حفر‭ ‬وثبت‭ ‬أساساتها‭ ‬ضابط‭ ‬في‭ ‬الجيش‭ ‬السلطاني‭ ‬العثماني‭ ‬أسمه‭ ‬مصطفى‭ ‬كمال‭ ‬أتاتورك‭.‬

لكنك‭ ‬حين‭ ‬تزورها،‭ ‬للمرة‭ ‬الأولى‭ ‬أو‭ ‬العاشرة‭ ‬لا‭ ‬فرق،‭ ‬تجد‭ ‬مدينتين‭ ‬متجاورتين‭ ‬تعيشان‭ ‬معاً‭ ‬في‭ ‬سلام‭ ‬وأمان‭. ‬وكأنهما‭ ‬بعد‭ ‬طول‭ ‬مقام،‭ ‬تناسيا‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬مستفحلاً‭ ‬بينهما‭ ‬من‭ ‬تباغض‭ ‬وكراهية‭ ‬وعداء‭. ‬أو‭ ‬تكفل‭ ‬الزمن‭ ‬بتضميد‭ ‬الجراح،‭ ‬واستئصال‭ ‬العداوة‭. ‬التجاور‭ ‬واقعياً‭ ‬لا‭ ‬يبان‭ ‬منه‭ ‬حبٌّ،‭ ‬لكنه‭ ‬لا‭ ‬يخلو‭ ‬من‭ ‬احترام‭. ‬وقائم‭ ‬على‭ ‬مبدأ‭ ‬تجسد‭ ‬في‭ ‬مثل‭ ‬قديم‭ ‬يقول‭: ‬‮«‬سلامتك‭ ‬يا‭ ‬جاري،‭ ‬أنت‭ ‬في‭ ‬دارك‭ ‬وأنا‭ ‬في‭ ‬داري‮»‬‭.‬

يمكنك‭ ‬بسهولة‭ ‬أن‭ ‬تقتفي‭ ‬أثر‭ ‬استانبول‭ ‬السلطانية‭ ‬القديمة‭ ‬معمارياً،‭ ‬في‭ ‬ذاكرة‭ ‬وملامح‭ ‬مناطقها‭ ‬العديدة،‭ ‬وفي‭ ‬شوارعها‭ ‬وأزقتها‭. ‬استانبول‭ ‬الجديدة،‭ ‬أو‭ ‬استانبول‭ ‬الجمهورية‭ ‬لم‭ ‬تستطع،‭ ‬رغم‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬فعلته،‭ ‬بلع‭ ‬استانبول‭ ‬السلطانية،‭ ‬أو‭ ‬محوها‭. ‬وما‭ ‬تبقى‭ ‬من‭ ‬الأخيرة‭ ‬صامداً‭ ‬متحدياً‭ ‬الزمن،‭ ‬يقف‭ ‬اليوم‭ ‬شاهداً‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬يوماً‭ ‬ما‭ ‬امبراطورية‭ ‬عظيمة،‭ ‬تمكنت‭ ‬جيوشها‭ ‬وأساطيلها‭ ‬البحرية‭ ‬من‭ ‬فرض‭ ‬هيمنتها‭ ‬وسيطرتها‭ ‬على‭ ‬أمم‭ ‬كثيرة،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬أخفقت‭ ‬استانبول‭ ‬الأتاتوركية‭ ‬في‭ ‬تحقيقه‭. ‬لا‭ ‬أذكر‭ ‬على‭ ‬وجه‭ ‬الدقة‭ ‬مَنْ‭ ‬مِن‭ ‬قادة‭ ‬العالم‭ ‬المشهورين‭ ‬قال‭: ‬‮«‬لو‭ ‬كان‭ ‬العالم‭ ‬دولة‭ ‬واحدة،‭ ‬لكانت‭ ‬استانبول‭ ‬عاصمته‮»‬‭.‬

لاستانبول،‭ ‬بشقيها‭ ‬القديم‭ ‬والحديث،‭ ‬السلطاني‭ ‬والأتاتوركي،‭ ‬نكهة‭ ‬شرقية‭ ‬مميزة‭. ‬ورغم‭ ‬علمانيتها‭ ‬الدستورية؛‭ ‬فإن‭ ‬مآذن‭ ‬جوامعها‭ ‬العالية‭ ‬والنحيفة‭ ‬وقبابها‭ ‬تؤكد‭ ‬على‭ ‬هوية‭ ‬إسلامية‭. ‬وبازارتها‭ ‬القديمة‭ ‬ما‭ ‬زالت‭ ‬تنافس‭ ‬بشدة‭ ‬ما‭ ‬استجد‭ ‬في‭ ‬محيطها‭ ‬من‭ ‬مولات‭ ‬وأسواق‭ ‬تجارية‭ ‬حديثة‭. ‬وفي‭ ‬قلب‭ ‬الزائر‭/ ‬الغريب،‭ ‬ينبثق‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬سؤال‭ ‬يومياً،‭ ‬وهو‭ ‬يتجول‭ ‬متسكعاً،‭ ‬صباحاً‭ ‬ومساء،‭ ‬أمام‭ ‬بحر‭ ‬بوسفورها،‭ ‬يراقب‭ ‬صيادي‭ ‬الأسماك‭ ‬يلقون‭ ‬بسنانيرهم‭ ‬في‭ ‬مياهه،‭ ‬كما‭ ‬كان‭ ‬يفعل‭ ‬الصيادون‭ ‬من‭ ‬قبلهم‭.‬

تغيرت‭ ‬المدينة،‭ ‬وتغير‭ ‬البشر،‭ ‬فهل‭ ‬لحق‭ ‬التغيُّر‭ ‬الأسماك‭ ‬في‭ ‬البوسفور؟

شيء‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬المدينة‭ ‬المهيبة‭ ‬والصامدة‭ ‬في‭ ‬وجه‭ ‬الزمن،‭ ‬يجعلني‭ ‬أحرص‭ ‬على‭ ‬العودة‭ ‬إليها‭. ‬شيء‭ ‬ما‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬أستطيع‭ ‬أن‭ ‬أشير‭ ‬إليه‭ ‬بأصبع،‭ ‬أو‭ ‬أضع‭ ‬بثقة‭ ‬يداً‭ ‬عليه‭. ‬هو‭ ‬أقرب‭ ‬ما‭ ‬يكون‭ ‬في‭ ‬الشبه‭ ‬بالتعرف،‭ ‬على‭ ‬عَجَلٍ،‭ ‬وصدفةً،‭ ‬بامرأة‭ ‬في‭ ‬طريق‭ ‬ومفارقتها‭ ‬بحسرة،‭ ‬على‭ ‬عَجَلٍ‭ ‬أيضاً‭. ‬عقبها،‭ ‬تظل‭ ‬تحاول‭ ‬استعادة‭ ‬تفاصيل‭ ‬ملامح‭ ‬وجهها،‭ ‬وابتسامتها،‭ ‬ورشاقة‭ ‬جسدها‭ ‬وإيقاع‭ ‬حديثها‭. ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يحفزك‭ ‬على‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬نفس‭ ‬المكان‭ ‬ثانية،‭ ‬على‭ ‬أمل‭ ‬الظفر‭ ‬بنظرة‭ ‬أخرى،‭ ‬تمكنك‭ ‬من‭ ‬رصد‭ ‬ملامحها‭ ‬عن‭ ‬قرب‭ ‬وبتأن‭. ‬لكنك‭ ‬لا‭ ‬تحظى‭ ‬باللقاء،‭ ‬وفي‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته‭ ‬ترفض‭ ‬يداك‭ ‬التفريط‭ ‬في‭ ‬حبل‭ ‬الأمل‭. ‬هل‭ ‬هذا‭ ‬ما‭ ‬أفعله‭ ‬أنا‭ ‬في‭ ‬علاقتي‭ ‬بمدينة،‭ ‬بقدم‭ ‬في‭ ‬آسيا‭ ‬وأخرى‭ ‬في‭ ‬أوروبا،‭ ‬تمتد‭ ‬جذورها‭ ‬عميقاً‭ ‬في‭ ‬تربة‭ ‬التاريخ‭ ‬وذاكرته؟

استانبول‭ ‬مدينة‭ ‬لم‭ ‬أعرف‭ ‬بعد،‭ ‬رغم‭ ‬تعدد‭ ‬الزيارات،‭ ‬أي‭ ‬الطرق‭ ‬وأقربها‭ ‬تقود‭ ‬إلى‭ ‬قلبها،‭ ‬رغم‭ ‬أني‭ ‬أسمع‭ ‬بوضوح،‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬زيارة‭ ‬إليها،‭ ‬دقات‭ ‬نبضاته‭.‬

ها‭ ‬هو‭ ‬نداؤها‭ ‬يأتيني‭ ‬همساً‭ ‬عبر‭ ‬المسافات،‭ ‬فلا‭ ‬أتردد‭ ‬في‭ ‬الاستجابة‭ ‬إليه‭. ‬أخرج‭ ‬حقيبة‭ ‬ملابسي‭ ‬من‭ ‬مكمنها‭ ‬في‭ ‬الخزنة‭. ‬أنفض‭ ‬عنها‭ ‬ما‭ ‬تراكم‭ ‬فوقها‭ ‬من‭ ‬غبار‭. ‬وأبدأ‭ ‬في‭ ‬تجميع‭ ‬ووضع‭ ‬ما‭ ‬أحتاجه‭ ‬من‭ ‬ملابس‭ ‬داخلها،‭ ‬وحين‭ ‬أنتهي‭ ‬من‭ ‬ذلك،‭ ‬أشعر‭ ‬بتحرك‭ ‬البوصلة‭ ‬في‭ ‬داخلي‭ ‬إلى‭ ‬اتجاه‭ ‬عرفته‭ ‬وخبرته‭ ‬وأحببته‭. ‬ويبدأ‭ ‬إيقاع‭ ‬دقات‭ ‬قلبي‭ ‬في‭ ‬زيادة‭ ‬سرعته،‭ ‬فأدرك‭ ‬أن‭ ‬استانبول،‭ ‬بشقيها‭ ‬السلطاني‭ ‬والأتاتوركي،‭ ‬قد‭ ‬فتحت‭ ‬أبوابها‭ ‬وذراعيها‭ ‬لي،‭ ‬وفي‭ ‬انتظار‭ ‬وصولي‭.‬

صبيحة‭ ‬يوم‭ ‬السفر،‭ ‬أراني‭ ‬مرتبكاً‭ ‬وفرحاً‭ ‬في‭ ‬آن‭ ‬معاً،‭ ‬فينتابني‭ ‬إحساس،‭ ‬بأنني‭ ‬رغم‭ ‬ثقل‭ ‬حملي‭ ‬من‭ ‬السنين،‭ ‬أتصرف‭ ‬مثل‭ ‬عاشق‭ ‬مراهق‭ ‬على‭ ‬أمل‭ ‬لقاء‭ ‬مرتقب،‭ ‬يتمنّى‭ ‬ألا‭ ‬يخذله‭ ‬لسانه‭ ‬لدى‭ ‬اللقيا‭.‬



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»