الذين منا يعشقون المدن القديمة، لا لوم عليهم ولا عتاب يطالهم، فالعشق فنون وجنون جميل. إلا أنهم، في أغلب الحالات، محرومون منها، ومجبورون على زيارتها في كتب التاريخ وأرفف الآراشيف، وصالات المتاحف، وألبومات الصور القديمة. إذ باستثناء الأسماء، لا يبقى في العادة من المدن القديمة شيء. مكانها تحل مدن أخرى مختلفة. طرابلس اليوم، على سبيل المثال لا الحصر، لا علاقة لها بتلك التي كانت وتلاشت مختفية في الزمن. هذا من جهة.
من جهة أخرى، القاعدة المرتبطة بتلاشي المدن القديمة، مثل أي قاعدة أخرى، لها استثناء. وهذا يقودنا بعيداً في التاريخ إلى مدينة القسطنطينية عاصمة الامبراطورية الرومانية الشرقية. القسطنطينية البيزنطية أضحت مدينة تركية، بعد أن فتحها السلطان العثماني محمد الفاتح، وصار اسمها استانبول.
استانبول اثنتان: عثمانية سلطانية، كانت مقر الباب العالي. وأخرى أتاتوركية علمانية، حفر وثبت أساساتها ضابط في الجيش السلطاني العثماني أسمه مصطفى كمال أتاتورك.
لكنك حين تزورها، للمرة الأولى أو العاشرة لا فرق، تجد مدينتين متجاورتين تعيشان معاً في سلام وأمان. وكأنهما بعد طول مقام، تناسيا ما كان مستفحلاً بينهما من تباغض وكراهية وعداء. أو تكفل الزمن بتضميد الجراح، واستئصال العداوة. التجاور واقعياً لا يبان منه حبٌّ، لكنه لا يخلو من احترام. وقائم على مبدأ تجسد في مثل قديم يقول: «سلامتك يا جاري، أنت في دارك وأنا في داري».
يمكنك بسهولة أن تقتفي أثر استانبول السلطانية القديمة معمارياً، في ذاكرة وملامح مناطقها العديدة، وفي شوارعها وأزقتها. استانبول الجديدة، أو استانبول الجمهورية لم تستطع، رغم كل ما فعلته، بلع استانبول السلطانية، أو محوها. وما تبقى من الأخيرة صامداً متحدياً الزمن، يقف اليوم شاهداً على ما كان يوماً ما امبراطورية عظيمة، تمكنت جيوشها وأساطيلها البحرية من فرض هيمنتها وسيطرتها على أمم كثيرة، الأمر الذي أخفقت استانبول الأتاتوركية في تحقيقه. لا أذكر على وجه الدقة مَنْ مِن قادة العالم المشهورين قال: «لو كان العالم دولة واحدة، لكانت استانبول عاصمته».
لاستانبول، بشقيها القديم والحديث، السلطاني والأتاتوركي، نكهة شرقية مميزة. ورغم علمانيتها الدستورية؛ فإن مآذن جوامعها العالية والنحيفة وقبابها تؤكد على هوية إسلامية. وبازارتها القديمة ما زالت تنافس بشدة ما استجد في محيطها من مولات وأسواق تجارية حديثة. وفي قلب الزائر/ الغريب، ينبثق أكثر من سؤال يومياً، وهو يتجول متسكعاً، صباحاً ومساء، أمام بحر بوسفورها، يراقب صيادي الأسماك يلقون بسنانيرهم في مياهه، كما كان يفعل الصيادون من قبلهم.
تغيرت المدينة، وتغير البشر، فهل لحق التغيُّر الأسماك في البوسفور؟
شيء ما في تلك المدينة المهيبة والصامدة في وجه الزمن، يجعلني أحرص على العودة إليها. شيء ما قد لا أستطيع أن أشير إليه بأصبع، أو أضع بثقة يداً عليه. هو أقرب ما يكون في الشبه بالتعرف، على عَجَلٍ، وصدفةً، بامرأة في طريق ومفارقتها بحسرة، على عَجَلٍ أيضاً. عقبها، تظل تحاول استعادة تفاصيل ملامح وجهها، وابتسامتها، ورشاقة جسدها وإيقاع حديثها. الأمر الذي يحفزك على العودة إلى نفس المكان ثانية، على أمل الظفر بنظرة أخرى، تمكنك من رصد ملامحها عن قرب وبتأن. لكنك لا تحظى باللقاء، وفي الوقت ذاته ترفض يداك التفريط في حبل الأمل. هل هذا ما أفعله أنا في علاقتي بمدينة، بقدم في آسيا وأخرى في أوروبا، تمتد جذورها عميقاً في تربة التاريخ وذاكرته؟
استانبول مدينة لم أعرف بعد، رغم تعدد الزيارات، أي الطرق وأقربها تقود إلى قلبها، رغم أني أسمع بوضوح، في كل زيارة إليها، دقات نبضاته.
ها هو نداؤها يأتيني همساً عبر المسافات، فلا أتردد في الاستجابة إليه. أخرج حقيبة ملابسي من مكمنها في الخزنة. أنفض عنها ما تراكم فوقها من غبار. وأبدأ في تجميع ووضع ما أحتاجه من ملابس داخلها، وحين أنتهي من ذلك، أشعر بتحرك البوصلة في داخلي إلى اتجاه عرفته وخبرته وأحببته. ويبدأ إيقاع دقات قلبي في زيادة سرعته، فأدرك أن استانبول، بشقيها السلطاني والأتاتوركي، قد فتحت أبوابها وذراعيها لي، وفي انتظار وصولي.
صبيحة يوم السفر، أراني مرتبكاً وفرحاً في آن معاً، فينتابني إحساس، بأنني رغم ثقل حملي من السنين، أتصرف مثل عاشق مراهق على أمل لقاء مرتقب، يتمنّى ألا يخذله لسانه لدى اللقيا.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات