تعود فكرة تأسيس جامعة الدول العربية إلى رئيس الوزراء المصري مصطفى النحّاس سنة 1944، بعد التشاور مع كلٍ من السيد بشار خوري رئيس الكتلة الوطنية اللبنانية، ورئيس وزراء سورية السيد جميل مردم في القاهرة، حول طرح فكرته عن قيام منظمة تجمع الدول العربية المستقلة حينها، وهي مصر وسورية ولبنان والسعودية والعراق والأردن واليمن، التي أعلنت عن رغبتها في الانضمام إلى هذا الاتحاد، بعد سلسلة من المشاورات الثنائية بين الدول السبع، مصر من جانب، وممثلي كل من العراق وسورية ولبنان والسعودية والأردن واليمن من جانب آخر.
وعندما اجتمعت لجنة تحضيرية من ممثلين عن كل من سورية ولبنان والأردن والعراق ومصر واليمن، جرى ترجيح الاتجاه الداعي إلى وحدة الدول العربية المستقلة بما لا يمس استقلالها وسيادتها، كما استقرت على تسمية الرابطة المجسدة لهذه الوحدة باسم (جامعة الدول العربية)، وجرى التوصل إلى بروتوكول الإسكندرية الذي صار أول وثيقة تخص الجامعة، وجرى التوقيع عليه من رؤساء الوفود المشاركة في اللجنة التحضيرية وذلك في 7 أكتوبر 1944، وبعد اكتمال مشروع الميثاق أقر بقصر الزعفران بالقاهرة في 19 مارس سنة 1945 بعد إدخال بعض التعديلات عليه.
واتفقت الدول الأعضاء في هذا الكيان الجديد على أن تكون القاهرة مقراً له، وإن لم يتفقوا على أن يكون أمينها العام من مصر حيث كان أول أمين لها هو السيد عبد الرحمن عزام وبذلك أصبح عرفا ساد حتى يومنا هذا الأمين من بلد المقر التي سنت هي الأخرى على أن تقدم مرشحها للمنصب من خلفية دبلوماسية كوزير للخارجيّة سابق حتى وقتنا هذا، ولم تشذ تونس عن القاعدة عندما نقل إليها مقر الجامعة العربية بقرار في 31 مارس 1979.
بعد خمسة أيام من التصديق على معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل، اجتمع القادة العرب مرة أخرى في بغداد في غياب مصر وقرروا طردها من جامعة الدول العربية. ونتيجة لذلك، نقلت أمانة الجامعة من مقرها في القاهرة إلى تونس العاصمة. حيث رشحت السيد الشاذلي القليبي للمنصب 1979 خلفا للسيد محمود رياض، حتى عودة مصر إلى الحضيرة العربية ليعتلي السيد أحمد عصمت عبدالمجيد المنصب في 15/5/1991 ثم السيد عمر موسى 15/5/2001 فالسيد نبيل العربي 1/7/2011/ وصولا إلى السيد أحمد أبوالغيط 1/7/2016 الأمين الحالي لجامعة الدول العربية لتعود مصر المقر ويعود معها عرفها السائد في معايير اختيار أمين الجامعة العربية الذي يقال إنه كان وراء فكرة تأسيسها بريطانيا لجذب الرأي العام، ودفع العرب إلى الوقوف معها في الحرب العالمية الثانية ضد ألمانيا عن طريق مخاطبة مشاعرهم وأحلام الوحدة التي كانت تراودهم بإصدار بيان أنتوني أيدن الذي عيّنه رئيس وزراء بريطانيا ونستون تشرشل وزيرا للخارجية في 23 ديسمبر 1940.
كان «أيدن» أول من طرح فكرة إنشاء جامعة الدول العربية، وذلك بخطاب له في مايو 1941. أيما كان صاحب فكرة التأسيس، النحّاس أم «أيدن» تحقق الهدف، وحسم أمر تسميتها الذي كان محل خلاف بين الأعضاء منهم من ذهب إلى تسمية هذا الكيان بالتحالف وآخر بالاتحاد حتى استقر الاسم على ما هو عليه الآن «جامعة الدول العربية».
وإذ يغازل هذا التأسيس العربي مشاعر مواطنيه، الذين رأوا فيه قيمة مضافة، لاسم كبير وعنوان عظيم، يتبنى آمال الأمة وطموحاتها في مواجهة التحديات الكبرى في المنطقة والعالم أجمع، يبدو أن هذه الأمانة ثقلت على حامليها الذين لم يستطيعوا تحقيق أهدافها المرجوة، حيث الفشل الذريع الذي أصاب هذا الجسم المترهل، والغريب هنا في ما تحمله هذه المؤسسة من إرهاصات هو غياب مفهوم الأمة العربية أو الوطن العربي أو حتى الشعب الواحد، وكأن العنوان يوحي بوجود شعوب متعددة لا يجمعها سوى التنسيق والتعاون، ومن سخريات قراراتها أنها غير ملزمة للأعضاء، لم تكن هذه الجامعة حاضرة في المشهد السياسي العربي إلا من خلال وسائل الإعلام الرسمية التي تلمع وتمجد وتظهره في صورة الملجأ والمنقذ للأمة وهيبتها وملاذها الأخير، المتبني على طول الخط بيانات التنديد والشجب والاستنكار، في ظل غياب الرؤية المستقبلية للأمة وتطلعاتها، في تحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة.
وهذا ما لم يتحقق، إلا في تحسين وضعها المالي الذي تمونه الدول المنضوية تحت مظلتها كاستحقاقات مالية ملزمة لتلك الدول تدفع سنويًا والذي يذهب في المقابل إلى مبانٍ ومنشآت وأجهزة عامة في شكل إدارات دائمة موزعة فيما بينهم وفق الترضية وشراء المودة بين الدول الأعضاء مع مراعاة معايير كل دولة ونفوذها السياسي وقوتها الاقتصادية وثقلها على الساحة الدولية، وتصرف البقية تحت بنود وتبويب شراء مكاتب فاخرة وأثاث وثير وسيارات فارهة لأعضاء الجامعة ومهايا ومرتبات وأعلام وبروشات للتباهي والمنظرة للأعضاء الموقرين مندوبي الدول الممثلين في بلد المقر، ناهيك عن البروتوكولات الدبلوماسية والقوانين الخاصة بنظامها والإتيكيت والبرستيج رفيع المستوى!
يقول الكاتب والفيلسوف المصري يوسف زيدان: «البلاد العربية ربطتنا بأكاذيب كثيرة تعلمناها في المناهج، وقالوا إن العرب لهم تاريخ واحد ومصير واحد وأرض واحدة، وصدقنا كل تلك الأكاذيب. ولكننا رأينا كل دولة تهتم في مناهجها بتاريخها الخاص، وكل دولة تضع الأسلاك الشائكة على حدودها، وكذلك لا يشعر أي ثري عربي استنفد كل متعه في الخليج، ما يعانيه أهل دارفور. ومصر كانت الوحيدة التي تجمع شمل العرب، وتحتفي بهم وبتاريخهم، لكن في عصر الليبرالية قُمعت في منتصف العشرينيات، ولم تستمر في دورها المنوط بها».
اللغة هي القاسم الوحيد بين الدول العربية، وما عدا ذلك محض أكاذيب لا أساس لها من الصحة، ضحكوا بها علينا وصدقناهم..
وإن أغفلنا ذكر الأمين الثاني للجامعة العربية السيد محمد عبد الخالق حسونة الذي انتخب خلفًا للسيد عبدالرحمن عزام سنة 1952 واستمر في منصبه حتى 1972 والذي كان محل سخرية ستينيات القرن المنصرم وفقًا لرواية الدكتور مصطفى الفقي الذي قال فيها، فلقد تغنى العراقيون ذات يوم قائلين: حسونة مزونة، يقصدون عبدالخالق حسونة الأمين العام الثاني للجامعة الذي كان معروفاً بعلمه وأدبه، ولكنهم شبّهوا الجامعة في عهده بأنها قطة، وتظهر أن الجامعة العربية منذ ذلك الحين لم تكن قوة فاعلة في صفوف التنظيم العالمي، بل كانت تكرارًا لنفسها، معتبرين أنها نوع من الفلكلور السياسي. أو الحشد الشعبي في بعض المناسبات! لتنتفي عنها عظمة الاسم وهيبة الأمة وعِز الحق وذُل الباطل، ويلتصق بها اضمحلال الطموح.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات