ذات مرة حظيت بمشاهدة حلقة خاصة مترجمة، من برنامج «المكتبة الكبيرة»، بالقناة الفرنسية الخامسة (TV5)، في مناسبة مئوية الروائي الفرنسي «مارسيل بروست» (10 يوليو 1871م/ 18نوفمبر 1922م)، الروائي المميز والمثير من أحدث نقلة نوعية في السرد والبنية الروائية في العالم، من خلال ملحمته الروائية ذات السبع مجلدات «البحث عن الزمن المفقود»، ترجمها للعربية د جمال شهبند، ونشرتها شرقيات المصرية، وقد كتب عن هذه المناسبة الكثير في لغات العالم وفي العربية.
الحقيقة أن احتفال فرنسا الباهر بمئوية هذا المبدع، يلفت النظر إلى أن أمثال «مارسيل بروست» يصبحون أعلاما، في كثير من دول العالم، والغريب قبل أن تُعرف أعمالهم، وأحيانا بوقت ليس بالقصير، كما هو حاصل مع بروست خاصة عند العرب، فقد تأخرت ترجمته لأسباب عدة على رأسها صعوبة ذلك، حيث عُرف بروست بأنه كاتب صعب المراس كصنوه الأيرلندي جيمس جويس.
لكن هذا من لم تعرف أعماله، يلمّ القارئ المهتم والحصيف بنتاجه بطرق معرفية أخرى، على رأسها النقد والنقد المقارن، ثم من خلال تأثيره في نصوص كتاب آخرين، من خلال التناص وما يحدثه من نقلة نوعية في البنية السردية. ومن هذا قد يرجع نقاد نص كاتب ما إلى تأثير بروست، من اطلع الكاتب على نصوصه من خلال لغته الفرنسية، وهكذا دواليك تتناقل التأثيرات والمفاعيل من خلال مقاربات متنوعة ونوعية.
يعيدنا بروست إلى مسألة التثاقف غير المباشر، ما يحصل من خلال المشافهة ومن غيرها، فالثقافة والإبداع فيها لا يعرفان حدودا، ونحن نعرف أن هناك لغات اندثرت، لكن نتاجها تناقلته لغات أخرى.
بل إن سقراط مثلا ليس بين أيدينا كتب له، لكن عرفنا أطروحاته الفلسفية من خلال محاورات أفلاطون وغيره من تلاميذه، وقد عرفنا له وغيره مفاهيم وآراء أيضا من خلال خصومهم، وهذا ما تزخر به الثقافة العربية، فإننا عرفنا أو قرأنا في كتب الخصوم نصوصا لكتاب لم يعرفوا إلا من خلال ذلك، فتنشر أفكار وآراء من خلال الخصوم، وتشيع في أحيان كثيرة بفضل هذه الخصومة، كما هو حاصل مع كتب حرقت وصودرت واندثرت كجسم مادي، لكن روحها تشع على الرغم من هذا.
وهناك منحى آخر مهم في الثقافة، وهو أن صعوبة نص ما لا تحول دون شيوعه، حيث ينبري الشراح لذلك بل وشراح الشراح، وهذا المنحى تغص به الثقافات الكلاسيكية مثل العربية. لكن قد يعترض قارئ نبيه، على أن مارسيل بروست روائي وليس مفكرا، وإن اعتراضا كهذا يذكرني بمسألة الانتحال، التي أثيرت كثيرا في الثقافة الإنسانية، والانتحال يعني بشكل ما نسب نصوص إلى شاعر.
ويعالج مسألة الانتحال كتاب طه حسين «الشعر الجاهلي»، ما وُجه بعاصفة ونفخ فيها كثيرا منذ صدوره أوائل القرن الماضي، فقد أكد طه حسين على ما هو معروف من انتحال قصائد الشعر الجاهلي في العصر العباسي، مما يعني أنه حتى في الإبداع يمكن أن تشيع بدعة ما، من خلال نصوص نسجت على المنوال نفسه.
بالنسبة لي لست بقارئ لمارسيل بروست، لكن أشعر أني مشبع بما كتب عنه منذ عقود، حين قرأت ما ترجم من نقود لنصوصه، أو من خلال كتاب نسبوا إليه، فما أحدثه في البنية السردية في «البحث عن الزمن الضائع» تجاوز هذه الرواية، ليُمسي طريقة في السردية الحديثة وفي المفاهيم النقدية التي تولدت عنها. فمارسيل بروست كجيمس جويس هما النسج الحديث لألف ليلة وليلة، ومنهما ستنبثق التوليدية السردية والنقدية الحديثة، فيكون التداعي صيغة السرد الحديث وغير ذلك. ومن البحث عن الزمن المفقود، ورحلة يوليسيس، ستنبثق ألف ليلة وليلة ماركيز وبورخيس، وما أحدثته الرواية الأميركية اللاتينية في الثقافة الإنسانية، ما جعل الرواية سفر الأسفار ونثر العالم.
«رحلة الاستكشاف الحقيقية، لا تستلزم الذهاب لأراض جديدة، بل تستلزم الرؤية بعيون جديدة»: يقول مارسيل بروست، ولا تستلزم الحصول على جوائز مثل الجائزة الأوروبية «نوبل»، بل لا تستلزم الكثير من القراء، فبروست مثلا ما زال عصيا على كل قارئ عجول كسول مدعٍ.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات