Atwasat

بنغازي والصيف (12)

سالم الكبتي الأربعاء 02 أكتوبر 2024, 02:03 مساء
سالم الكبتي

وأحياناً في بنغازي تتداخل سرديات الصيف وتتداخل حكاياتها مع الخريف. تتفاعلان وتلتقيان وتؤديان أغراضهما. تدخل السياسة وتفاصيلها على كل الخطوط الحمراء والسوداء. السياسة لا تثبت على حال بأي حال سواء صيفاً أم شتاء. كل يوم. كل موسم. كل فصل. كل عام تبدلات وتغيُّرات في المفاهيم والسلوك والأداء.

هنا على المستوى الأعلى ظل ثمة شغل شاغل يؤرق البال. لا بد من وريث يتولى العرش ومسؤولية البلاد في غياب الملك أو وفاته. عيَّن الملك أخاه محمد الرضا ولياً له. توفي العام 1955. ثم عين ابنه الحسن الرضا مكانه العام 1956. لكن الأمر ظل يشغل صاحب الأمر ومؤسسات الدولة الدستورية والعائلة والحاشية وكل من له مصلحة في ذلك. لا بد من ولي للعهد في البلاد.

الملك سبق له في زيجاته السابقات قبل توليه الملك الإنجاب. لكن من أنجب سواء ذكراً أم أنثى شاء له القدر أن يمضي دون أن يتخطى العامين. تجربة بالغة الصعوبة. وبزواجه من بنت ابنة عمه أحمد الشريف أنجب منها ولم يدركهم العيش طويلاً. كان أغلبهم سقطاً. الأخير محمد المهدي لم يعش أكثر من يومين. في فبراير 1953 ولد ومات ودفن في جامع السنوسية في طرابلس. حلم انقضى وتأخر بعد ذلك الحلم. توقفت عن الإنجاب تماماً.

كان يومها الملك إدريس في زيارة رسمية للقاهرة. التقى محمد نجيب وجمال عبدالناصر. حفاوة وترحاب. وفرحة بالمولود الذي سماه على والده. ثم الفرحة غابت وتولت. وظل مشروع الولاية مفتوحاً يحتاج إلى النقاش والاقتراح. زار الملك بعد ذلك سويسرا وفرنسا وإسبانيا وفاس ومستغانم. وقضت زوجته فترة من الراحة والعلاج في سويسرا. رافقها إبراهيم الشلحي والشريف محيي الدين الذي سيغتاله بعد عام من الزيارة.

هنا في صيف الثالث والخمسين من القرن العشرين برز الاقتراح الأهم من الشلحي للملك. تحدد في التفكير في خطبة إحدى كريمات الأمير عبد الكريم الخطابي بطل الريف للملك إدريس. لم تمض الفكرة في مشوارها طويلا. وباغتيال الشلحي في أكتوبر 1954 ماتت تماماً وغض عنها الطرف بالكامل. ومستقبل البلاد ما بين الصيف والخريف وأيام الشتاء لا ينقطع عن قرع الأبواب ودق الأجراس. لا بد من حل.

لا بد من مخرج لأية أزمة أو عقبة دستورية تتعلق بوراثة العرش وتولي أمور ليبيا. لا بد من الاحتواء.
اغتُيل الشلحي في الخريف وأعدم الشريف في الشتاء الموالي 1955. دفن الأول بجوار الصحابي رويفع الأنصاري في البيضاء والثاني في مقبرة السيد عبيد في بنغازي. كان بالقرب منه قبور شهداء آل جعودة وعمر المختار وعمر فائق شنيب ورجب بوحويش شاعر معتقل العقيلة.. وغيرهم.

وخطوات بعد ذلك وفي الصيف. محاولات بذلها مصطفى بن حليم رئيس الوزراء. في الخامس من يونيو 1955 عقد قران الملك على عالية بنت عبد القادر لملوم عمدة الفوايد.. القبيلة ذات الأصول الليبية. المقيمة في مغاغة بالمنيا. ابن عمها عدلي صالح لملوم.

اكتسحه الإصلاح الزراعي العام 1953 وسجن ثم أفرج عنه بعد مدة قصيرة من ذلك بتوسط من الملك إدريس لدى عبد الناصر. كانت من مواليد 1917. وتوفيت في أعوام الثمانينيات الماضية. كانت تملك قصراً بجوار ماريوت الحالي على النيل. عقد القران بالسفارة في الزمالك بالقاهرة وشهد عبد الناصر وبعض شيوخ القبيلة منهم محمد سلطان السعدي على العقد. الزفاف أنجز في آخر يونيو في غريان في قمة الجبل الغربي. وبعد شهر عادت إلى المنيا. تم الطلاق. لم يدم ذلك طويلاً. وتوقف مشروع الوراثة.

حين أعلن عن العقد والزفاف ابتهج الجميع وفرح بما حدث في الصيف. سيكون مستقبل البلاد مأمونا. أذاع المذيع بلقاسم بن دادو الخبر عبر إذاعة بنغازي المحلية ذلك الصيف. كانت في معسكر الريمي بالبركة. كان من المفترض أن يعقب الإعلان أي من الألحان الوطنية. مهندس الإذاعة الخاص بالنقل على الهواء كان من الفريق الألماني الذي يعمل بها. أخطأ في اختيار ما تم الاتفاق عليه. حدث لبس وتشويش. بمجرد أن أنهى ابن دادو قراءة الخبر الخاص بعقد قران الملك والإشارة إلى أن الزفاف الملكي سيتم آخر يونيو.. دخلت أغنية السيد بومدين الشهيرة (في ضلاله لول ما زال....). مفارقة وارتباك. علمت سلطات المباحث بالأمر. كل ما هنالك نبهت العاملين بالإذاعة إلى عدم تكرار ذلك ومراقبة العمل. لم يحدث أي شي آخر. تندر المواطنون في الصيف بتلك الطرفة وربما وصلت مسامع الملك بطريقة أو بأخرى.

وفي تلك الأصياف. تنشأ أيام للجفاف والقحط والجوع غرب البلاد. تفزع الجموع إلى شرقها بحثاً عن وسائل العيش. بعضهم يشارك في الحصاد. يستقر في بنغازي وما حولها. العمل في المخابز ومعسكرات الجيش الإنجليزي وبعض المتاجر والعمل اليومي في البناء وتنظيف الشوارع. تجربة كانت مريرة لدى هؤلاء الناس.

دخلت بليبيا إلى تجربة أخرى لأول مرة وهي تجربة الشعر الحر الذي أخذ يدق أبواب الحركة الشعرية العربية المعاصرة. أول قصيدة من ذلك الشعر في ليبيا كانت بعنوان مواكب الجفاف لرجب الماجري. الطالب بالحقوق في القاهرة. ثم عبد السلام قادربوه بقصيدته صلاة استسقاء. تجربتان عن تجربة الجوع والهروب بحثا عن المأوى والمطر والطعام والعيش مع تجربة الشعر الجديد في دنيا العرب التي كان روادها نازك الملائكة والسياب والبياتي وغيرهم وقبلهم بقليل كان يحاول علي أحمد باكثير في اليمن السعيد!
وبنغازي تنطلق فيها المراكز الثقافية: الأميركي والمصري (يفتتحه كمال الدين حسين عضو حركة الجيش) والبريطاني.

الأفلام ومجلة المعرفة والمكتبة المتجولة والسينما الناطقة. تسير بنغازي عبر هذه المحطات لكنها لم تكن معصوبة الأعين. بصرها مفتوح ويمتد مشرعاً إلى أقصى مدى. ترنو وتعاكس وتشاكس وتقرأ وتهضم وتتابع.

في صيف 1954 تتخرج دفعة الحقوق في جامعة القاهرة. يقام حفل كبير بالمناسبة في رحاب الجامعة. يحضره عبد الناصر الذي فاز في المعركة على محمد نجيب منذ شهور وقلص من تمدد الإخوان. منصور رشيد الكيخيا يمثل الطلبة العرب بإلقاء كلمة نيابة عنهم. صوت العرب ينقل وقائع الحفل على الهواء. الكيخيا يتعهد أمام البكباشي بأننا سنكون رسلا لثورتكم في بلداننا. كانت خطاه قد قادته ورفاقا له ليبيين وعربا إلى البعث والأمة العربية الواحدة ذات الرسالة الخالدة عند ضفاف النيل. محسن العيني وصالح حبشي من اليمن وآخرون. تصل الكلمة إلى أذان الدولة في ليبيا.

التقارير وتفاصيل الحفل وكلمة الكيخيا والتعهد. لا شيء يحدث في الصيف أو بعده. الملك إدريس يحترم عائلته وتاريخها. يعين منصور في إدارة المراسم بالخارجية. ولا شيء يحدث غير ذلك.

شباب منه منصور لديهم أحلامهم وتصوراتهم سيحثون الخطى رويداً رويداً. بعضهم في البعث وبعضهم في حركة القوميين العرب. كل الخطوات نحو مجد الأمة وبعثها من جديد. الخطاب والصوت الجديد المشحون بالعاطفة الوطنية والمتأثر بآلام الحرب القريبة ومصائب التخلف والاستعمار. وكل ذلك سيلقي بظلاله الواسعة وينثرها في بنغازي بعد حين. وقت أن يقع العدوان على بورسعيد. الصوت هناك والصدى هنا في بنغازي.. وليبيا كلها.

وهنا بعد قضايا الاغتيال والوراثة التي همدت. الجامعة الليبية في بنغازي شريان جديد يسري ويتمدد وينطلق. معارك أخرى تبدأ نحو المستقبل.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»