Atwasat

وعن الفن والتاريخ

منصور بوشناف الخميس 26 سبتمبر 2024, 02:48 مساء
منصور بوشناف

‮«‬أمِن‭ ‬الضروري‭ ‬أن‭ ‬أحمل‭ ‬حنيني‭ ‬وأمضي

كي‭ ‬أعيد‭ ‬ذلك‭ ‬المخلوق‭ ‬الفريد‭ ‬إلى‭ ‬الحياة؟‮»‬‭ ‬فاوست

قد‭ ‬لا‭ ‬تكون‭ ‬قراءة‭ ‬التاريخ‭ ‬وكتابته‭ ‬إلا‭ ‬محاولة‭ ‬لفهم‭ ‬ما‭ ‬جرى‭ ‬من‭ ‬تحولات‭ ‬على‭ ‬الأشياء‭ ‬وعلى‭ ‬البشر‭ ‬وعوامل‭ ‬تلك‭ ‬التحولات،‭ ‬إننا‭ ‬بالتأكيد‭ ‬لن‭ ‬ننزل‭ ‬النهر‭ ‬مرة‭ ‬ثانية‭ ‬ونحن‭ ‬نقرأ‭ ‬التاريخ‭ ‬ولكن‭ ‬سيكون‭ ‬بإمكاننا‭ ‬بشكل‭ ‬أو‭ ‬بآخر‭ ‬أن‭ ‬نعيد‭ ‬الحياة‭ ‬لذلك‭ ‬المخلوق‭ ‬الفريد‭ ‬الذي‭ ‬يظل‭ ‬يحيا‭ ‬بأعماقنا‭ ‬نابضا‭ ‬حيا‭ ‬مؤثرا‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬جهلنا‭ ‬لوجوده‭ ‬أو‭ ‬تجاهلنا‭ ‬له‭.‬

لا‭ ‬شيء‭ ‬يمضي‭ ‬إلى‭ ‬العدم،‭ ‬لا‭ ‬فعل‭ ‬يتلاشى‭ ‬تماما،‭ ‬إن‭ ‬كل‭ ‬أشيائنا‭ ‬وأفعالنا‭ ‬لا‭ ‬تتلاشى‭ ‬عدنا‭ ‬بل‭ ‬تتحول‭ ‬في‭ ‬صيرورة‭ ‬دائمة،‭ ‬حقا‭ ‬لا‭ ‬نص‭ ‬يموت‭ ‬رغم‭ ‬موت‭ ‬مؤلفه‭. ‬لقد‭ ‬ظلت‭ ‬البشرية‭ ‬تكتب‭ ‬سردياتها‭ ‬الكبرى‭ ‬والصغرى‭ ‬عبر‭ ‬تاريخ‭ ‬وجودها،‭ ‬تعيد‭ ‬كتابتها‭ ‬دونما‭ ‬توقف،‭ ‬اخترعت‭ ‬أدوات‭ ‬سرد‭ ‬تلك‭ ‬السرديات‭ ‬كل‭ ‬مرة‭ ‬وكل‭ ‬لحظة‭ ‬وكل‭ ‬مرحلة‭ ‬من‭ ‬مراحل‭ ‬تاريخها‭ ‬وكان‭ ‬الفن‭ ‬رقشا‭ ‬ورسما‭ ‬ونحتا،‭ ‬مشافهة‭ ‬وكتابة،‭ ‬رقصا‭ ‬وتمثيلا‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬وأول‭ ‬أدوات‭ ‬الإنسان‭ ‬لكتابة‭ ‬تاريخه‭ ‬ولفهم‭ ‬معنى‭ ‬وجوده‭ ‬وآيات‭ ‬ذاك‭ ‬الوجود‭.‬

عبر‭ ‬هذه‭ ‬الجغرافيا‭ ‬الشاسعة‭ ‬التي‭ ‬نسميها‭ ‬ليبيا‭ ‬كان‭ ‬الفن‭ ‬‮«‬رقشا‭ ‬ورسما‭ ‬ثم‭ ‬تنصيبا‮»‬‭ ‬أول‭ ‬أدوات‭ ‬الإنسان‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬الأرض‭ ‬لتسجيل‭ ‬وتأمل‭ ‬حياته‭ ‬وبحثا‭ ‬عن‭ ‬معناها‭. ‬كانت‭ ‬صناعة‭ ‬أدوات‭ ‬الصيد‭ ‬أهم‭ ‬صناعات‭ ‬الإنسان،‭ ‬أدوات‭ ‬الصيد‭ ‬البحري‭ ‬والبري‭ ‬فكان‭ ‬تشكيل‭ ‬تلك‭ ‬الأدوات‭ ‬من‭ ‬الحجر‭ ‬أهم‭ ‬صناعات‭ ‬الإنسان‭ ‬الصياد‭ ‬الذي‭ ‬عقب‭ ‬ملتقط‭ ‬الثمار‭ ‬وجامعها‭.‬

بتدرارت‭ ‬أكاكوس‭ ‬حيث‭ ‬يسود‭ ‬الحجر‭ ‬تتناثر‭ ‬سنارات‭ ‬صيد‭ ‬الأسماك‭ ‬حول‭ ‬أطلال‭ ‬البحيرات‭ ‬التي‭ ‬جفت‭ ‬منذ‭ ‬ما‭ ‬يزيد‭ ‬على‭ ‬عشرة‭ ‬آلاف‭ ‬عام،‭ ‬كانت‭ ‬بعثات‭ ‬الآثار‭ ‬قد‭ ‬جمعت‭ ‬منها‭ ‬أعدادا‭ ‬هائلة‭ ‬ولا‭ ‬زال‭ ‬يتناثر‭ ‬منها‭ ‬أعداد‭ ‬أكبر‭ ‬ولا‭ ‬زال‭ ‬بإمكانك‭ ‬إن‭ ‬وصلت‭ ‬هناك‭ ‬أن‭ ‬تجمع‭ ‬منها‭ ‬ما‭ ‬تشاء‭.‬

قبل‭ ‬عثوره‭ ‬على‭ ‬مومياء‭ ‬‮«‬وان‭ ‬موهيجاج‮»‬‭ ‬كان‭ ‬‮«‬فبريتسيو‭ ‬موري‮»‬‭ ‬قد‭ ‬عثر‭ ‬على‭ ‬أقدم‭ ‬فأس‭ ‬حجري‭ ‬هناك‭ ‬أيضا‭ ‬موجود‭ ‬بمتحف‭ ‬السرايا‭ ‬الحمراء‭.‬

‮«‬فبريتسيو‭ ‬موري‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬أمضيت‭ ‬معه‭ ‬شهرا‭ ‬كاملا‭ ‬بتدرارت‭ ‬أكاكوس‭ ‬وأجريت‭ ‬معه‭ ‬حوارا‭ ‬نشر‭ ‬في‭ ‬تسعينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭ ‬بمجلة‭ ‬‮«‬لا‮»‬‭ ‬كان‭ ‬حين‭ ‬قابلته‭ ‬قد‭ ‬أمضى‭ ‬من‭ ‬حياته‭ ‬بالضبط‭ ‬نصف‭ ‬قرن‭ ‬في‭ ‬دراسة‭ ‬رسومات‭ ‬ما‭ ‬قبل‭ ‬التاريخ‭ ‬التي‭ ‬تنتشر‭ ‬بكهوف‭ ‬وممرات‭ ‬جبال‭ ‬الأكاكوس،‭ ‬كان‭ ‬حين‭ ‬قابلته‭ ‬قد‭ ‬شرع‭ ‬في‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬معنى‭ ‬لكل‭ ‬تلك‭ ‬الأعمال‭ ‬الفنية،‭ ‬عن‭ ‬تأويل‭ ‬وصناعة‭ ‬سردية‭ ‬عبر‭ ‬تلك‭ ‬الأعمال‭ ‬الفنية‭ ‬لتاريخ‭ ‬الإنسان‭ ‬هنا،‭ ‬‮«‬موري‮»‬‭ ‬كان‭ ‬يفتح‭ ‬أبوابا‭ ‬أخرى‭ ‬غير‭ ‬الاكتشافات،‭ ‬كان‭ ‬يدشن‭ ‬كتابة‭ ‬للتاريخ‭ ‬عبر‭ ‬الأعمال‭ ‬الفنية،‭ ‬ذلك‭ ‬الباب‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يلجه‭ ‬كتّاب‭ ‬تاريخنا‭ ‬حتى‭ ‬الآن‭ ‬بكل‭ ‬أسف‭.‬

كتابة‭ ‬التاريخ‭ ‬عبر‭ ‬منجزات‭ ‬الفن‭ ‬كانت‭ ‬تمازجا‭ ‬شعريا،‭ ‬كان‭ ‬‮«‬بوليفونيا‮»‬‭ ‬بين‭ ‬التاريخ‭ ‬وفلسفة‭ ‬الفن‭ ‬وعلم‭ ‬الجمال‭ ‬نحتاجه‭ ‬الآن‭ ‬كثيرا‭ ‬ونحن‭ ‬نكتب‭ ‬سردية‭ ‬كياننا‭ ‬السائل،‭ ‬هذا‭ ‬الكيان‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يكتب‭ ‬إلا‭ ‬متأخرا‭ ‬وظل‭ ‬منجزه‭ ‬التاريخي‭ ‬الأول‭ ‬مرقوشا‭ ‬على‭ ‬الصخور‭ ‬ولم‭ ‬يعرف‭ ‬انتقال‭ ‬الرسم‭ ‬ولا‭ ‬الكتابة‭ ‬على‭ ‬سطح‭ ‬آخر‭ ‬غير‭ ‬الحجر‭ ‬إلا‭ ‬متأخرا‭.‬

كان‭ ‬الرقش‭ ‬أو‭ ‬الحفر‭ ‬على‭ ‬الحجر‭ ‬وعبر‭ ‬ممرات‭ ‬الأكاكوس‭ ‬قد‭ ‬كتب‭ ‬تاريخ‭ ‬الإنسان‭ ‬الصياد،‭ ‬صياد‭ ‬الحيوانات‭ ‬المتوحشة‭ ‬فكان‭ ‬حفر‭ ‬صورة‭ ‬الحيوان‭ ‬تخطيطا‭ ‬ورصدا‭ ‬فهما‭ ‬للهدف‭ ‬أو‭ ‬الفريسة‭ ‬ودراسة‭ ‬لنقاط‭ ‬ضعفها‭ ‬لاصطيادها،‭ ‬لذا‭ ‬تزدحم‭ ‬مرحلة‭ ‬الحيوانات‭ ‬المتوحشة‭ ‬بالفيل‭ ‬والزرافة‭ ‬والقرود‭ ‬وحتى‭ ‬التماسيح‭ ‬وتعود‭ ‬في‭ ‬غالبها‭ ‬إلى‭ ‬عشرة‭ ‬آلاف‭ ‬عام‭. ‬مرحلة‭ ‬الرعي‭ ‬وينتقل‭ ‬فيها‭ ‬الإنسان‭ ‬إلى‭ ‬الراعي‭ ‬بدل‭ ‬الصياد‭ ‬والرسام‭ ‬بدل‭ ‬الراقش‭ ‬وتسود‭ ‬فيها‭ ‬الأبقار‭ ‬ويبدأ‭ ‬فيها‭ ‬ظهور‭ ‬الإنسان‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الأعمال‭.‬

في‭ ‬مرحلة‭ ‬الرؤوس‭ ‬المستديرة‭ ‬يسود‭ ‬الإنسان‭ ‬برأسه‭ ‬المستدير‭ ‬وتكاد‭ ‬تختفي‭ ‬الحيوانات‭ ‬وتظهر‭ ‬كائنات‭ ‬ذوات‭ ‬هيئة‭ ‬بشرية،‭ ‬ربما‭ ‬تشير‭ ‬أو‭ ‬ترسم‭ ‬تصور‭ ‬الإنسان‭ ‬إذ‭ ‬ذاك‭ ‬لآلهة‭ ‬مفارقة‭ ‬ومتصلة‭ ‬بعالمه‭ ‬مع‭ ‬الجفاف‭ ‬ونهايات‭ ‬العصر‭ ‬المطير‭ ‬تماما‭ ‬يسود‭ ‬الجمل‭ ‬ويتدنى‭ ‬مستوى‭ ‬الإتقان‭ ‬لتبدأ‭ ‬فنون‭ ‬الصحراء‭ ‬وأساليب‭ ‬حياة‭ ‬الصحراء‭ ‬ليفارق‭ ‬الفن‭ ‬الصخري‭ ‬أو‭ ‬يهاجر‭ ‬هذا‭ ‬الفن‭ ‬إلى‭ ‬أسطح‭ ‬أخرى،‭ ‬هجرته‭ ‬الأولى‭ ‬إلى‭ ‬منابع‭ ‬المياه‭ ‬بالواحات‭ ‬أو‭ ‬إلى‭ ‬النيل‭.‬

يتحول‭ ‬أو‭ ‬يتطور‭ ‬مثلت‭ ‬الأكاكوس‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يشكل‭ ‬الجزء‭ ‬الأكبر‭ ‬والأهم‭ ‬في‭ ‬رسم‭ ‬الإنسان‭ ‬إلى‭ ‬جسد‭ ‬أنثوي‭ ‬وترتفع‭ ‬يداه‭ ‬إلى‭ ‬السماء‭ ‬بدل‭ ‬ذراع‭ ‬الصياد‭ ‬الأكاكوسي‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يسدد‭ ‬السهم،‭ ‬يتحول‭ ‬ذلك‭ ‬الصياد‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬الربة‭ ‬تانيت‮»‬‭ ‬برأس‭ ‬رجل‭ ‬مستدير‭ ‬من‭ ‬مرحلة‭ ‬الرؤوس‭ ‬المستديرة،‭ ‬يولد‭ ‬عبر‭ ‬الفن‭ ‬كائن‭ ‬هجين‭ ‬وجديد‭ ‬يرمز‭ ‬للخصوبة‭ ‬ورعاية‭ ‬المسافر‭ ‬في‭ ‬الصحراء،‭ ‬كل‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬يتم‭ ‬في‭ ‬جرمة‭ ‬بعد‭ ‬استقرارها‭ ‬وجرها‭ ‬لحصان‭ ‬لوحات‭ ‬الأكاكوس‭ ‬ليجر‭ ‬عربات‭ ‬الجرمنت‭.‬

تانيت‭ ‬وهي‭ ‬المؤلهة‭ ‬الليبية‭ ‬الأقدم‭ ‬تبنتها‭ ‬جرمة‭ ‬كربة‭ ‬للخصوبة‭ ‬وراعية‭ ‬للقوافل‭ ‬في‭ ‬الصحراء‭ ‬انتقلت‭ ‬عبر‭ ‬تجولها‭ ‬الجديد‭ ‬وتشكلها‭ ‬من‭ ‬إرث‭ ‬فنون‭ ‬ما‭ ‬قبل‭ ‬التاريخ‭ ‬بالأكاكوس‭ ‬إلى‭ ‬سطح‭ ‬جديد‭ ‬أو‭ ‬فضاء‭ ‬جديد‭ ‬بدل‭ ‬فضاء‭ ‬جدران‭ ‬كهوف‭ ‬الأكاكوس‭ ‬إلى‭ ‬النسيج‭ ‬وإلى‭ ‬أدوات‭ ‬الزينة‭ ‬فبدأت‭ ‬تنسجها‭ ‬النساء‭ ‬على‭ ‬البسط‭ ‬والأغطية‭ ‬كحارسة‭ ‬للبيت‭ ‬والأسرة‭ ‬وأيضا‭ ‬بدأن‭ ‬يعلقنها‭ ‬حليا‭ ‬من‭ ‬المعادن‭ ‬المختلفة‭.‬

إن‭ ‬التحولات‭ ‬التي‭ ‬شهدتها‭ ‬فنون‭ ‬ما‭ ‬قبل‭ ‬التاريخ‭ ‬تفتح‭ ‬عيوننا‭ ‬على‭ ‬منجزات‭ ‬وشواهد‭ ‬أخرى‭ ‬لكتابة‭ ‬التاريخ‭ ‬الليبي‭ ‬القديم‭ ‬وتدخل‭ ‬كمراجع‭ ‬مهمة‭ ‬لكتابة‭ ‬التحولات‭ ‬التي‭ ‬شهدتها‭ ‬ليبيا‭ ‬منذ‭ ‬ما‭ ‬قبل‭ ‬التاريخ‭ ‬وحتى‭ ‬العصر‭ ‬الحديث‭.‬

* polyphony تعدد الأصوات (المحرر).



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»