«أمِن الضروري أن أحمل حنيني وأمضي
كي أعيد ذلك المخلوق الفريد إلى الحياة؟» فاوست
قد لا تكون قراءة التاريخ وكتابته إلا محاولة لفهم ما جرى من تحولات على الأشياء وعلى البشر وعوامل تلك التحولات، إننا بالتأكيد لن ننزل النهر مرة ثانية ونحن نقرأ التاريخ ولكن سيكون بإمكاننا بشكل أو بآخر أن نعيد الحياة لذلك المخلوق الفريد الذي يظل يحيا بأعماقنا نابضا حيا مؤثرا على الرغم من جهلنا لوجوده أو تجاهلنا له.
لا شيء يمضي إلى العدم، لا فعل يتلاشى تماما، إن كل أشيائنا وأفعالنا لا تتلاشى عدنا بل تتحول في صيرورة دائمة، حقا لا نص يموت رغم موت مؤلفه. لقد ظلت البشرية تكتب سردياتها الكبرى والصغرى عبر تاريخ وجودها، تعيد كتابتها دونما توقف، اخترعت أدوات سرد تلك السرديات كل مرة وكل لحظة وكل مرحلة من مراحل تاريخها وكان الفن رقشا ورسما ونحتا، مشافهة وكتابة، رقصا وتمثيلا من أهم وأول أدوات الإنسان لكتابة تاريخه ولفهم معنى وجوده وآيات ذاك الوجود.
عبر هذه الجغرافيا الشاسعة التي نسميها ليبيا كان الفن «رقشا ورسما ثم تنصيبا» أول أدوات الإنسان على هذه الأرض لتسجيل وتأمل حياته وبحثا عن معناها. كانت صناعة أدوات الصيد أهم صناعات الإنسان، أدوات الصيد البحري والبري فكان تشكيل تلك الأدوات من الحجر أهم صناعات الإنسان الصياد الذي عقب ملتقط الثمار وجامعها.
بتدرارت أكاكوس حيث يسود الحجر تتناثر سنارات صيد الأسماك حول أطلال البحيرات التي جفت منذ ما يزيد على عشرة آلاف عام، كانت بعثات الآثار قد جمعت منها أعدادا هائلة ولا زال يتناثر منها أعداد أكبر ولا زال بإمكانك إن وصلت هناك أن تجمع منها ما تشاء.
قبل عثوره على مومياء «وان موهيجاج» كان «فبريتسيو موري» قد عثر على أقدم فأس حجري هناك أيضا موجود بمتحف السرايا الحمراء.
«فبريتسيو موري» الذي أمضيت معه شهرا كاملا بتدرارت أكاكوس وأجريت معه حوارا نشر في تسعينيات القرن الماضي بمجلة «لا» كان حين قابلته قد أمضى من حياته بالضبط نصف قرن في دراسة رسومات ما قبل التاريخ التي تنتشر بكهوف وممرات جبال الأكاكوس، كان حين قابلته قد شرع في البحث عن معنى لكل تلك الأعمال الفنية، عن تأويل وصناعة سردية عبر تلك الأعمال الفنية لتاريخ الإنسان هنا، «موري» كان يفتح أبوابا أخرى غير الاكتشافات، كان يدشن كتابة للتاريخ عبر الأعمال الفنية، ذلك الباب الذي لم يلجه كتّاب تاريخنا حتى الآن بكل أسف.
كتابة التاريخ عبر منجزات الفن كانت تمازجا شعريا، كان «بوليفونيا» بين التاريخ وفلسفة الفن وعلم الجمال نحتاجه الآن كثيرا ونحن نكتب سردية كياننا السائل، هذا الكيان الذي لم يكتب إلا متأخرا وظل منجزه التاريخي الأول مرقوشا على الصخور ولم يعرف انتقال الرسم ولا الكتابة على سطح آخر غير الحجر إلا متأخرا.
كان الرقش أو الحفر على الحجر وعبر ممرات الأكاكوس قد كتب تاريخ الإنسان الصياد، صياد الحيوانات المتوحشة فكان حفر صورة الحيوان تخطيطا ورصدا فهما للهدف أو الفريسة ودراسة لنقاط ضعفها لاصطيادها، لذا تزدحم مرحلة الحيوانات المتوحشة بالفيل والزرافة والقرود وحتى التماسيح وتعود في غالبها إلى عشرة آلاف عام. مرحلة الرعي وينتقل فيها الإنسان إلى الراعي بدل الصياد والرسام بدل الراقش وتسود فيها الأبقار ويبدأ فيها ظهور الإنسان في تلك الأعمال.
في مرحلة الرؤوس المستديرة يسود الإنسان برأسه المستدير وتكاد تختفي الحيوانات وتظهر كائنات ذوات هيئة بشرية، ربما تشير أو ترسم تصور الإنسان إذ ذاك لآلهة مفارقة ومتصلة بعالمه مع الجفاف ونهايات العصر المطير تماما يسود الجمل ويتدنى مستوى الإتقان لتبدأ فنون الصحراء وأساليب حياة الصحراء ليفارق الفن الصخري أو يهاجر هذا الفن إلى أسطح أخرى، هجرته الأولى إلى منابع المياه بالواحات أو إلى النيل.
يتحول أو يتطور مثلت الأكاكوس الذي كان يشكل الجزء الأكبر والأهم في رسم الإنسان إلى جسد أنثوي وترتفع يداه إلى السماء بدل ذراع الصياد الأكاكوسي الذي كان يسدد السهم، يتحول ذلك الصياد إلى «الربة تانيت» برأس رجل مستدير من مرحلة الرؤوس المستديرة، يولد عبر الفن كائن هجين وجديد يرمز للخصوبة ورعاية المسافر في الصحراء، كل هذا التحول يتم في جرمة بعد استقرارها وجرها لحصان لوحات الأكاكوس ليجر عربات الجرمنت.
تانيت وهي المؤلهة الليبية الأقدم تبنتها جرمة كربة للخصوبة وراعية للقوافل في الصحراء انتقلت عبر تجولها الجديد وتشكلها من إرث فنون ما قبل التاريخ بالأكاكوس إلى سطح جديد أو فضاء جديد بدل فضاء جدران كهوف الأكاكوس إلى النسيج وإلى أدوات الزينة فبدأت تنسجها النساء على البسط والأغطية كحارسة للبيت والأسرة وأيضا بدأن يعلقنها حليا من المعادن المختلفة.
إن التحولات التي شهدتها فنون ما قبل التاريخ تفتح عيوننا على منجزات وشواهد أخرى لكتابة التاريخ الليبي القديم وتدخل كمراجع مهمة لكتابة التحولات التي شهدتها ليبيا منذ ما قبل التاريخ وحتى العصر الحديث.
* polyphony تعدد الأصوات (المحرر).
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات