Atwasat

بنغازي والصيف (10)

سالم الكبتي الأربعاء 18 سبتمبر 2024, 10:28 صباحا
سالم الكبتي

دائما‭ ‬ثمة‭ ‬مواعيد‭ ‬خاصة‭ ‬لبنغازي‭ ‬مع‭ ‬الصيف‭. ‬الحرارة‭ ‬وسطها‭ ‬وما‭ ‬حولها‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يبدو‭ ‬تزيد‭ ‬من‭ ‬الحماس‭ ‬إلى‭ ‬درجة‭ ‬كبيرة‭. ‬الشباب‭ ‬العائد‭ ‬من‭ ‬دراسته،‭ ‬لقضاء‭ ‬عطلة‭ ‬الصيف‭ ‬في‭ ‬المدينة‭ ‬وبين‭ ‬أهله،‭ ‬تنتشر‭ ‬بينه‭ ‬اتجاهات‭ ‬واختلافات‭ ‬في‭ ‬الآراء‭ ‬ووجهات‭ ‬النظر‭. ‬تدخل‭ ‬السياسة‭ ‬والشؤون‭ ‬الداخلية‭ ‬هنا‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬الخطوط‭. ‬تتنوع‭ ‬وتتكاثر‭ ‬وتنمو‭. ‬أفكار‭ ‬جديدة‭ ‬تفعم‭ ‬نفوس‭ ‬العائدين‭. ‬يتناقشون‭ ‬ويتأثرون‭ ‬ويتحاورون‭.‬

الشباب‭ ‬الجامعي‭ ‬يصل‭ ‬بنغازي‭ ‬من‭ ‬أماكن‭ ‬عديدة،‭ ‬برا‭ ‬وجوا‭ ‬وأحيانا‭ ‬بحرا‭.. ‬من‭ ‬القاهرة‭ ‬والإسكندرية‭ ‬وبيروت‭. ‬وعبر‭ ‬وجودهم‭ ‬هناك‭ ‬في‭ ‬الجامعات‭ ‬والمدارس‭ ‬العليا‭ ‬كانت‭ ‬عقولهم‭ ‬تنصرف‭ ‬إلى‭ ‬الأفكار‭ ‬الجديدة‭ ‬التي‭ ‬باتت‭ ‬تغمر‭ ‬عواصم‭ ‬الشرق،‭ ‬وفي‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬ترصد‭ ‬ما‭ ‬يحدث‭ ‬في‭ ‬الوطن‭ ‬وتتفاعل‭ ‬معه‭. ‬آفاق‭ ‬الصراعات‭ ‬السياسية‭ ‬والاختلافات‭ ‬والمظاهرات‭ ‬والاعتصامات‭ ‬والمواجهات‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الجامعات‭ ‬وجدت‭ ‬صداها‭ ‬عندهم‭. ‬شاركوا‭ ‬فيها،‭ ‬وكانت‭ ‬لهم‭ ‬صداقات‭ ‬ومعارف‭ ‬مع‭ ‬قادتها‭ ‬أو‭ ‬منظميها‭. ‬الوطن‭ ‬يفتقر‭ ‬إلى‭ ‬التنظيمات‭ ‬والتشكيلات‭ ‬السياسية‭ ‬أو‭ ‬العمل‭ ‬الحزبي‭. ‬وكان‭ ‬من‭ ‬الضروري‭ ‬أن‭ ‬تقدح‭ ‬شرارات‭ ‬من‭ ‬التفاعل،‭ ‬وحدوث‭ ‬الكيمياء‭ ‬المنتظرة‭ ‬والمتوقعة‭ ‬في‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الحالات‭.‬

حين‭ ‬وقعت‭ ‬المعاهدة‭ ‬البريطانية–الليبية‭ ‬عام‭ ‬1953،‭ ‬ثم‭ ‬الاتفاقية‭ ‬الأمريكية‭ ‬عام‭ ‬1954،‭ ‬ظلتا‭ ‬مدعاة‭ ‬للصدام‭ ‬مع‭ ‬السلطة‭ ‬التي‭ ‬اضطرت‭ ‬لاتخاذ‭ ‬ترتيبات‭ ‬المعاهدة‭ ‬والاتفاقية،‭ ‬وحجتها‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬ظلت‭ ‬قوية‭ ‬في‭ ‬توافر‭ ‬الفقر‭ ‬والجوع‭ ‬وقلة‭ ‬الموارد‭ ‬في‭ ‬بلد‭ ‬خرج‭ ‬من‭ ‬الحرب‭ ‬منهكا‭ ‬ومؤلما‭ ‬ومحزنا‭ ‬إلى‭ ‬درجة‭ ‬بائسة،‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الحكومة‭ ‬الأولى‭ ‬التي‭ ‬قامت‭ ‬بذلك‭ ‬في‭ ‬البداية‭ ‬حاولت‭ ‬مع‭ ‬الشقيقتين‭ ‬مصر‭ ‬والعراق‭ ‬لتزويد‭ ‬ليبيا‭ ‬بالمساعدات‭ ‬اللازمة،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬ذلك‭ ‬لم‭ ‬يقع‭ ‬لرفض‭ ‬واعتذار‭ ‬الدولتين‭ ‬عن‭ ‬عدم‭ ‬الإسهام‭ ‬في‭ ‬مشاريع‭ ‬التنمية‭ ‬والدعم،‭ ‬فكان‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬مما‭ ‬ليس‭ ‬منه‭ ‬بد‭.‬

نهضت‭ ‬الاحتجاجات‭ ‬والمعارضات‭ ‬عبر‭ ‬البرلمان‭ ‬وفي‭ ‬الشارع‭. ‬المنشورات‭ ‬توزع‭. ‬يلتقطها‭ ‬الناس‭. ‬تقرأ‭ ‬من‭ ‬قِبلهم‭ ‬باهتمام‭. ‬الأمن‭ ‬يتابع‭ ‬ويلقي‭ ‬القبض‭ ‬على‭ ‬من‭ ‬وراء‭ ‬توزيعها‭ ‬وتنظيم‭ ‬النشاط‭ ‬المضاد‭. ‬احتكاك‭ ‬ظل‭ ‬يتواصل‭ ‬بين‭ ‬الاثنين‭. ‬وفي‭ ‬البعيد‭ ‬لم‭ ‬يُقصِّر‭ ‬الطلبة‭ ‬الشباب‭ ‬في‭ ‬المواجهة‭ ‬وكتابة‭ ‬المنشورات‭ ‬وتوجيه‭ ‬النقد‭ ‬للدولة‭ ‬بصورة‭ ‬حادة،‭ ‬وكان‭ ‬ثمة‭ ‬من‭ ‬يراقب‭. ‬ووردت‭ ‬رسائل‭ ‬بين‭ ‬الشباب‭ ‬الغاضب‭ ‬هنا‭ ‬وهناك‭ ‬رفضا‭ ‬لما‭ ‬قامت‭ ‬به‭ ‬الحكومة‭ ‬الأولى‭ (‬محمود‭ ‬المنتصر‭)‬،‭ ‬ثم‭ ‬الثالثة‭ (‬مصطفى‭ ‬بن‭ ‬حليم‭). ‬والأخير‭ ‬نال‭ ‬من‭ ‬المنشورات‭ ‬القاسية‭ ‬حدا‭ ‬كبيرا‭ ‬وواسعا،‭ ‬وتهما‭ ‬طالت‭ ‬وطنيته‭ ‬ونزاهته‭.‬

الشباب‭ ‬يراقب‭ ‬في‭ ‬الداخل‭ ‬والخارج‭ ‬عبر‭ ‬الصيف‭ ‬وتداعياته‭ ‬في‭ ‬الخريف‭ ‬وما‭ ‬بعده‭. ‬استمرار‭ ‬لرفض‭ ‬وغليان‭ ‬وتعبير‭ ‬عما‭ ‬يجول‭ ‬في‭ ‬كوامن‭ ‬الأعماق‭. ‬والمدينة‭ ‬تتابع‭ ‬أيضا‭ ‬ما‭ ‬يدور‭ ‬ويحدث‭ ‬في‭ ‬جلسات‭ ‬البرلمان‭ ‬القريب‭ ‬في‭ ‬بنغازي،‭ ‬وعبر‭ ‬الصحف‭ ‬والمقاهي‭ ‬والمرابيع‭ ‬كالعادة‭.‬

وفي‭ ‬هذه‭ ‬الأبعاد‭ ‬وتأثيراتها،‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬خاص‭ ‬أو‭ ‬عام،‭ ‬كان‭ ‬يصل‭ ‬إلى‭ ‬بنغازي‭ ‬في‭ ‬الصيف‭ ‬الشاب‭ ‬الشريف‭ ‬محي‭ ‬الدين‭ ‬السنوسي‭. ‬طالب‭ ‬بكلية‭ ‬المقاصد‭ ‬في‭ ‬بيروت،‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬مسرورا‭ ‬بما‭ ‬يدور‭ ‬حوله‭ ‬فيها‭ ‬من‭ ‬سحر‭ ‬وجمال،‭ ‬كما‭ ‬يشير‭ ‬في‭ ‬إحدى‭ ‬رسائله‭ ‬إلى‭ ‬صديقه‭ ‬سالم‭ ‬بوقعيقيص‭.‬

بيروت‭ ‬كانت‭ ‬تموج‭ ‬بالحراك‭. ‬القوميون‭ ‬العرب‭ ‬والشيوعيون‭ ‬والقوميون‭ ‬الاجتماعيون‭ ‬والبعثيون‭ ‬والوجوديون،‭ ‬وكل‭ ‬ما‭ ‬يخطر‭ ‬على‭ ‬البال‭. ‬المقاهي‭ ‬والصحف‭ ‬والجامعة‭ ‬الأمريكية‭ ‬والجواسيس‭ ‬وعملاء‭ ‬المخابرات،‭ ‬ومعهد‭ ‬شملان‭ ‬الذي‭ ‬يعدهم‭ ‬لما‭ ‬هو‭ ‬قادم‭. ‬كان‭ ‬الشريف‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬عقله‭ ‬في‭ ‬بنغازي‭.. ‬في‭ ‬بلاده‭. ‬حين‭ ‬يأتي‭ ‬تجمعه‭ ‬لقاءات‭ ‬محدودة‭ ‬مع‭ ‬بعض‭ ‬الأصدقاء‭. ‬جلسات‭ ‬في‭ ‬المقهى‭ ‬التجاري‭ ‬وحكايات،‭ ‬ثم‭ ‬كل‭ ‬ينصرف‭ ‬إلى‭ ‬حال‭ ‬سبيله‭. ‬في‭ ‬نفسه‭ ‬شيء‭ ‬لم‭ ‬يبح‭ ‬به‭ ‬لأحد‭. ‬في‭ ‬صيف‭ ‬1953‭ ‬رافق‭ ‬عمته‭ ‬الملكة‭ ‬فاطمة‭ ‬في‭ ‬رحلة‭ ‬للعلاج‭ ‬في‭ ‬فرنسا‭ ‬وسويسرا،‭ ‬وظل‭ ‬ذلك‭ ‬الشيء‭ ‬يملأ‭ ‬أركان‭ ‬خاطره‭.‬

وفي‭ ‬الصيف‭ ‬شوهد‭ ‬يوم‭ ‬26‭ ‬يوليو‭ ‬1952‭ ‬يقود‭ ‬سيارته‭ ‬بسرعة‭ ‬عالية‭ ‬عبر‭ ‬شارع‭ ‬الاستقلال‭ ‬حيث‭ ‬قصر‭ ‬المنار‭. ‬السرعة‭ ‬ترتفع‭ ‬مع‭ ‬الحرارة‭. ‬معه‭ ‬بعض‭ ‬الأصدقاء‭. ‬وفقا‭ ‬لمحاضر‭ ‬مخالفات‭ ‬المرور‭ ‬قام‭ ‬بذلك‭ ‬مرات‭ ‬عدة‭ ‬فيما‭ ‬يشبه‭ ‬الألعاب‭ ‬البهلوانية‭ ‬على‭ ‬طول‭ ‬الشارع،‭ ‬ثم‭ ‬يدور‭ ‬ناحية‭ ‬ميدان‭ ‬9‭ ‬أغسطس‭ ‬المقابل‭ ‬للقصر،‭ ‬وواجه‭ ‬بعض‭ ‬رجال‭ ‬المرور‭ ‬والمسؤول‭ ‬الإنجليزي‭ ‬المستر‭ ‬ولش،‭ ‬الذي‭ ‬أخبره‭ ‬أثناء‭ ‬النقاش‭ ‬بأنه‭ ‬إنجليزي،‭ ‬وليس‭ ‬من‭ ‬اختصاصه‭ ‬مناقشته‭ ‬أو‭ ‬مخالفته‭. ‬كان‭ ‬ثمة‭ ‬شيء‭ ‬ما‭ ‬يزال‭ ‬في‭ ‬صدره‭. ‬يكتمه‭ ‬ولا‭ ‬يعلنه‭. ‬فورة‭ ‬الشباب‭. ‬تصرف‭ ‬فردي‭ ‬وقع‭ ‬بتأثيرات‭ ‬بعيدة‭ ‬أخرى‭. ‬لكنه‭ ‬لم‭ ‬يفصح‭ ‬عما‭ ‬في‭ ‬نفسه‭ ‬على‭ ‬الدوام‭.‬

تكررت‭ ‬الشكاوى‭ ‬منه‭ ‬ووصلت‭ ‬إلى‭ ‬الديوان‭ ‬الملكي‭ ‬ومسامع‭ ‬الملك،‭ ‬الذي‭ ‬أصدر‭ ‬تعليماته‭ ‬بأن‭ ‬يعامل‭ ‬الشريف‭ ‬عند‭ ‬ثبوت‭ ‬أي‭ ‬خطأ‭ ‬منه‭ ‬مخالف‭ ‬للأنظمة‭ ‬والقوانين‭ ‬كسائر‭ ‬أفراد‭ ‬الشعب‭ ‬دون‭ ‬استثناء‭ ‬أو‭ ‬تمييز‭. ‬المراسلات‭ ‬والتقارير‭ ‬تواصلت‭ ‬خلال‭ ‬يوليو‭ ‬وأغسطس‭ ‬1952،‭ ‬وعاد‭ ‬إلى‭ ‬بيروت‭ ‬للدراسة،‭ ‬ولكن‭ ‬العقل‭ ‬في‭ ‬الوطن‭ ‬وما‭ ‬يدور‭ ‬فيه‭.‬

في‭ ‬الرابع‭ ‬من‭ ‬نوفمبر‭ ‬1953‭ ‬أرسل‭ ‬من‭ ‬بيروت‭ ‬إلى‭ ‬صديقه‭ ‬بوقعيقيص،‭ ‬مشيرا‭ ‬إلى‭ ‬أنه‭: ‬‮«‬يا‭ ‬صديقي‭ ‬لم‭ ‬أكن‭ ‬مسرورا‭ ‬بما‭ ‬أرى‭ ‬ولا‭ ‬طربا‭ ‬بما‭ ‬أسمع،‭ ‬فأنا‭ ‬في‭ ‬ضيق‭ ‬وألم‭ ‬ومرارة،‭ ‬وذلك‭ ‬لا‭ ‬لشيء‭ ‬إلا‭ ‬لأنني‭ ‬ليبي‭ ‬ومن‭ ‬العائلة‭ ‬الفلانية،‭ ‬لذلك‭ ‬ضقت‭ ‬صدرا‭ ‬مما‭ ‬أرى‭ ‬وجننت‭ ‬فكرا‭ ‬مما‭ ‬أسمع‭. ‬السبب‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬هذا‭ ‬حبل‭ ‬المشنقة‭ ‬الذي‭ ‬طوق‭ ‬به‭ ‬عنق‭ ‬شعبنا‭ ‬الأبي‭. ‬نعم‭ ‬المعاهدة‭ ‬كانت‭ ‬هي‭ ‬السبب‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬ذلك،‭ ‬فما‭ ‬كادت‭ ‬تعلن‭ ‬المعاهدة،‭ ‬وموافقة‭ ‬نواب‭ ‬الأمة‭ ‬وشيوخها‭ ‬الذين‭ ‬تفيض‭ ‬قلوبهم‭ ‬وطنية‭ ‬وإخلاصا‭ ‬لشعبهم‭ ‬الخائن‭.. ‬نعم‭ ‬الشعب‭ ‬الخائن‭ ‬بالنسبة‭ ‬لمن‭ ‬يتربع‭ ‬على‭ ‬كراسي‭ ‬الحكم،‭ ‬والذين‭ ‬لا‭ ‬يعرفوا‭ [‬كذا‭] ‬في‭ ‬غير‭ ‬المال‭ ‬دين‭[‬كذا‭]‬،‭ ‬وغير‭ ‬الخيانة‭ ‬مبدأ،‭ ‬وكل‭ ‬حر‭ ‬في‭ ‬نظرهم‭ ‬خائن‭ ‬للدولة‭ ‬الليبية–البريطانية‭. ‬يا‭ ‬لسخرية‭ ‬القدر،‭ ‬لقد‭ ‬أصبح‭ ‬الخونة‭ ‬أحرارا‭ ‬والأحرار‭ ‬خونة‮»‬‭.‬

والرسالة‭ ‬في‭ ‬نهايتها‭ ‬تفيض‭ ‬حدة‭ ‬وقسوة‭ ‬ورفضا‭ ‬لما‭ ‬يجري،‭ ‬وربما‭ ‬طالت‭ ‬بطريقة‭ ‬أو‭ ‬بأخرى‭ ‬شخصية‭ ‬عمه‭ ‬الملك‭. ‬ذلك‭ ‬حماس‭ ‬الشباب‭ ‬في‭ ‬الصيف‭ ‬وغيره‭.‬

صيف‭ ‬1952،‭ ‬الذي‭ ‬ينتشر‭ ‬في‭ ‬بنغازي‭ ‬ويطل‭ ‬في‭ ‬1953‭ ‬مرة‭ ‬أخرى،‭ ‬يصل‭ ‬إلى‭ ‬أطياف‭ ‬1954‭. ‬تلك‭ ‬كانت‭ ‬الخاتمة‭ ‬لدور‭ ‬الشاب‭ ‬الشريف‭. ‬انفجر‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬صدره‭ ‬منذ‭ ‬سبعين‭ ‬عاما‭ ‬في‭ ‬الخامس‭ ‬من‭ ‬أكتوبر‭ ‬1954‭. ‬اغتال‭ ‬أقرب‭ ‬الشخصيات‭ ‬حميمية‭ ‬للملك‭. ‬ناظر‭ ‬الخاصة‭ ‬الملكية‭.. ‬إبراهيم‭ ‬الشلحي‭ ‬أمام‭ ‬مقر‭ ‬مجلس‭ ‬الوزراء‭ ‬في‭ ‬بنغازي‭.‬

ومع‭ ‬هذا‭ ‬الحادث‭ ‬تبدأ‭ ‬عشرية‭ ‬في‭ ‬الدولة‭ ‬تستمر‭ ‬معها‭ ‬عشريات‭ ‬أخرى‭. ‬شرخ‭ ‬وتداعيات‭ ‬نتجت‭ ‬عن‭ ‬الاغتيال‭ ‬الذي‭ ‬جاء‭ ‬من‭ ‬مكمن‭ ‬غير‭ ‬متوقع‭. ‬عشرية‭ ‬ألقت‭ ‬الحادثة‭ ‬بظلالها‭ ‬على‭ ‬الملك‭ ‬والعائلة‭ ‬والبلاد‭ ‬والسياسة‭ ‬خلالها‭. ‬تغيرات‭ ‬واهتزازات‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭. ‬المد‭ ‬القومي‭ ‬والخطاب‭ ‬يعلو‭. ‬ثورة‭ ‬الجزائر‭ ‬وارتداداتها‭. ‬وصوت‭ ‬العرب‭ ‬وثورة‭ ‬العراق‭. ‬الوحدة‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬مصر‭ ‬والعراق‭. ‬تشكيلات‭ ‬الوزارات‭ ‬في‭ ‬ليبيا‭. ‬الصراعات‭ ‬تحت‭ ‬الرماد‭. ‬ظهور‭ ‬البترول‭. ‬منشور‭ ‬في‭ ‬الصيف‭ ‬شهير‭ ‬للملك‭ ‬في‭ ‬يوليو‭ ‬1960،‭ ‬يبدأه‭ ‬بقوله‭ ‬‮«‬بلغ‭ ‬السيل‭ ‬الزبى‮»‬‭ ‬عندما‭ ‬لاحظ‭ ‬انتشار‭ ‬الفساد‭ ‬والرشاوى‭ ‬والخلل‭ ‬في‭ ‬مرافق‭ ‬الدولة‭.‬‭ ‬مسألة‭ ‬طريق‭ ‬فزان‭. ‬عشرية‭ ‬تكتمل‭ ‬بأحداث‭ ‬يناير‭ ‬1964،‭ ‬ومحاولات‭ ‬الملك‭ ‬لتجديد‭ ‬استقالته‭. ‬عشرية‭ ‬تداعت‭ ‬في‭ ‬أكتوبر‭ ‬وتواصلت،‭ ‬لتهز‭ ‬الاستقرار‭ ‬بين‭ ‬حين‭ ‬وآخر‭.‬

أعدم‭ ‬الشريف‭ ‬في‭ ‬فبراير‭ ‬1950،‭ ‬ويبدو‭ ‬أن‭ ‬ثمة‭ ‬شيئا‭ ‬باح‭ ‬به‭ ‬قبيل‭ ‬أن‭ ‬يلف‭ ‬الحبل‭ ‬رقبته‭. ‬ضاع‭ ‬في‭ ‬أطياف‭ ‬التاريخ‭. ‬ومنشور‭ ‬طويل‭.. ‬يصدر‭ ‬عقب‭ ‬ذلك‭ ‬موجها‭ ‬للرئيس‭ ‬الثالث‭ ‬بن‭ ‬حليم‭ ‬خاتمته‭ ‬تقول‭: ‬‮«‬كل‭ ‬هذا‭ ‬والشهيد‭ ‬الخالد‭ ‬الشريف‭ ‬محيي‭ ‬الدين‭ ‬لن‭ ‬ينساه‭ ‬الشعب،‭ ‬وسيظل‭ ‬دمه‭ ‬منارة‭ ‬تحت‭ ‬الجموع،‭ ‬وتدفع‭ ‬الجماهير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬يسووا‭ ‬الحساب‭ ‬معك‭ ‬ومع‭ ‬الدرويش‮»‬‭.‬

والكلمات‭ ‬تظل‭ ‬دون‭ ‬فعل‭ ‬في‭ ‬أبعادها،‭ ‬لكن‭ ‬تظل‭ ‬وميضا‭ ‬تحت‭ ‬الرماد‭ ‬على‭ ‬الدوام،‭ ‬والصيف‭ ‬يمضي‭ ‬ثم‭ ‬يعود‭ ‬إ



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»