دائما ثمة مواعيد خاصة لبنغازي مع الصيف. الحرارة وسطها وما حولها على ما يبدو تزيد من الحماس إلى درجة كبيرة. الشباب العائد من دراسته، لقضاء عطلة الصيف في المدينة وبين أهله، تنتشر بينه اتجاهات واختلافات في الآراء ووجهات النظر. تدخل السياسة والشؤون الداخلية هنا على كل الخطوط. تتنوع وتتكاثر وتنمو. أفكار جديدة تفعم نفوس العائدين. يتناقشون ويتأثرون ويتحاورون.
الشباب الجامعي يصل بنغازي من أماكن عديدة، برا وجوا وأحيانا بحرا.. من القاهرة والإسكندرية وبيروت. وعبر وجودهم هناك في الجامعات والمدارس العليا كانت عقولهم تنصرف إلى الأفكار الجديدة التي باتت تغمر عواصم الشرق، وفي الوقت نفسه ترصد ما يحدث في الوطن وتتفاعل معه. آفاق الصراعات السياسية والاختلافات والمظاهرات والاعتصامات والمواجهات في تلك الجامعات وجدت صداها عندهم. شاركوا فيها، وكانت لهم صداقات ومعارف مع قادتها أو منظميها. الوطن يفتقر إلى التنظيمات والتشكيلات السياسية أو العمل الحزبي. وكان من الضروري أن تقدح شرارات من التفاعل، وحدوث الكيمياء المنتظرة والمتوقعة في مثل هذه الحالات.
حين وقعت المعاهدة البريطانية–الليبية عام 1953، ثم الاتفاقية الأمريكية عام 1954، ظلتا مدعاة للصدام مع السلطة التي اضطرت لاتخاذ ترتيبات المعاهدة والاتفاقية، وحجتها في ذلك ظلت قوية في توافر الفقر والجوع وقلة الموارد في بلد خرج من الحرب منهكا ومؤلما ومحزنا إلى درجة بائسة، بالإضافة إلى أن الحكومة الأولى التي قامت بذلك في البداية حاولت مع الشقيقتين مصر والعراق لتزويد ليبيا بالمساعدات اللازمة، غير أن ذلك لم يقع لرفض واعتذار الدولتين عن عدم الإسهام في مشاريع التنمية والدعم، فكان لا بد مما ليس منه بد.
نهضت الاحتجاجات والمعارضات عبر البرلمان وفي الشارع. المنشورات توزع. يلتقطها الناس. تقرأ من قِبلهم باهتمام. الأمن يتابع ويلقي القبض على من وراء توزيعها وتنظيم النشاط المضاد. احتكاك ظل يتواصل بين الاثنين. وفي البعيد لم يُقصِّر الطلبة الشباب في المواجهة وكتابة المنشورات وتوجيه النقد للدولة بصورة حادة، وكان ثمة من يراقب. ووردت رسائل بين الشباب الغاضب هنا وهناك رفضا لما قامت به الحكومة الأولى (محمود المنتصر)، ثم الثالثة (مصطفى بن حليم). والأخير نال من المنشورات القاسية حدا كبيرا وواسعا، وتهما طالت وطنيته ونزاهته.
الشباب يراقب في الداخل والخارج عبر الصيف وتداعياته في الخريف وما بعده. استمرار لرفض وغليان وتعبير عما يجول في كوامن الأعماق. والمدينة تتابع أيضا ما يدور ويحدث في جلسات البرلمان القريب في بنغازي، وعبر الصحف والمقاهي والمرابيع كالعادة.
وفي هذه الأبعاد وتأثيراتها، على مستوى خاص أو عام، كان يصل إلى بنغازي في الصيف الشاب الشريف محي الدين السنوسي. طالب بكلية المقاصد في بيروت، الذي لم يكن مسرورا بما يدور حوله فيها من سحر وجمال، كما يشير في إحدى رسائله إلى صديقه سالم بوقعيقيص.
بيروت كانت تموج بالحراك. القوميون العرب والشيوعيون والقوميون الاجتماعيون والبعثيون والوجوديون، وكل ما يخطر على البال. المقاهي والصحف والجامعة الأمريكية والجواسيس وعملاء المخابرات، ومعهد شملان الذي يعدهم لما هو قادم. كان الشريف في كل ذلك عقله في بنغازي.. في بلاده. حين يأتي تجمعه لقاءات محدودة مع بعض الأصدقاء. جلسات في المقهى التجاري وحكايات، ثم كل ينصرف إلى حال سبيله. في نفسه شيء لم يبح به لأحد. في صيف 1953 رافق عمته الملكة فاطمة في رحلة للعلاج في فرنسا وسويسرا، وظل ذلك الشيء يملأ أركان خاطره.
وفي الصيف شوهد يوم 26 يوليو 1952 يقود سيارته بسرعة عالية عبر شارع الاستقلال حيث قصر المنار. السرعة ترتفع مع الحرارة. معه بعض الأصدقاء. وفقا لمحاضر مخالفات المرور قام بذلك مرات عدة فيما يشبه الألعاب البهلوانية على طول الشارع، ثم يدور ناحية ميدان 9 أغسطس المقابل للقصر، وواجه بعض رجال المرور والمسؤول الإنجليزي المستر ولش، الذي أخبره أثناء النقاش بأنه إنجليزي، وليس من اختصاصه مناقشته أو مخالفته. كان ثمة شيء ما يزال في صدره. يكتمه ولا يعلنه. فورة الشباب. تصرف فردي وقع بتأثيرات بعيدة أخرى. لكنه لم يفصح عما في نفسه على الدوام.
تكررت الشكاوى منه ووصلت إلى الديوان الملكي ومسامع الملك، الذي أصدر تعليماته بأن يعامل الشريف عند ثبوت أي خطأ منه مخالف للأنظمة والقوانين كسائر أفراد الشعب دون استثناء أو تمييز. المراسلات والتقارير تواصلت خلال يوليو وأغسطس 1952، وعاد إلى بيروت للدراسة، ولكن العقل في الوطن وما يدور فيه.
في الرابع من نوفمبر 1953 أرسل من بيروت إلى صديقه بوقعيقيص، مشيرا إلى أنه: «يا صديقي لم أكن مسرورا بما أرى ولا طربا بما أسمع، فأنا في ضيق وألم ومرارة، وذلك لا لشيء إلا لأنني ليبي ومن العائلة الفلانية، لذلك ضقت صدرا مما أرى وجننت فكرا مما أسمع. السبب في كل هذا حبل المشنقة الذي طوق به عنق شعبنا الأبي. نعم المعاهدة كانت هي السبب في كل ذلك، فما كادت تعلن المعاهدة، وموافقة نواب الأمة وشيوخها الذين تفيض قلوبهم وطنية وإخلاصا لشعبهم الخائن.. نعم الشعب الخائن بالنسبة لمن يتربع على كراسي الحكم، والذين لا يعرفوا [كذا] في غير المال دين[كذا]، وغير الخيانة مبدأ، وكل حر في نظرهم خائن للدولة الليبية–البريطانية. يا لسخرية القدر، لقد أصبح الخونة أحرارا والأحرار خونة».
والرسالة في نهايتها تفيض حدة وقسوة ورفضا لما يجري، وربما طالت بطريقة أو بأخرى شخصية عمه الملك. ذلك حماس الشباب في الصيف وغيره.
صيف 1952، الذي ينتشر في بنغازي ويطل في 1953 مرة أخرى، يصل إلى أطياف 1954. تلك كانت الخاتمة لدور الشاب الشريف. انفجر ما في صدره منذ سبعين عاما في الخامس من أكتوبر 1954. اغتال أقرب الشخصيات حميمية للملك. ناظر الخاصة الملكية.. إبراهيم الشلحي أمام مقر مجلس الوزراء في بنغازي.
ومع هذا الحادث تبدأ عشرية في الدولة تستمر معها عشريات أخرى. شرخ وتداعيات نتجت عن الاغتيال الذي جاء من مكمن غير متوقع. عشرية ألقت الحادثة بظلالها على الملك والعائلة والبلاد والسياسة خلالها. تغيرات واهتزازات في المنطقة. المد القومي والخطاب يعلو. ثورة الجزائر وارتداداتها. وصوت العرب وثورة العراق. الوحدة ما بين مصر والعراق. تشكيلات الوزارات في ليبيا. الصراعات تحت الرماد. ظهور البترول. منشور في الصيف شهير للملك في يوليو 1960، يبدأه بقوله «بلغ السيل الزبى» عندما لاحظ انتشار الفساد والرشاوى والخلل في مرافق الدولة. مسألة طريق فزان. عشرية تكتمل بأحداث يناير 1964، ومحاولات الملك لتجديد استقالته. عشرية تداعت في أكتوبر وتواصلت، لتهز الاستقرار بين حين وآخر.
أعدم الشريف في فبراير 1950، ويبدو أن ثمة شيئا باح به قبيل أن يلف الحبل رقبته. ضاع في أطياف التاريخ. ومنشور طويل.. يصدر عقب ذلك موجها للرئيس الثالث بن حليم خاتمته تقول: «كل هذا والشهيد الخالد الشريف محيي الدين لن ينساه الشعب، وسيظل دمه منارة تحت الجموع، وتدفع الجماهير إلى أن يسووا الحساب معك ومع الدرويش».
والكلمات تظل دون فعل في أبعادها، لكن تظل وميضا تحت الرماد على الدوام، والصيف يمضي ثم يعود إ
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات