عندما نشر القذافي فكره الجماهيري كنا طلابا في المرحلة الثانوية، وككل الطلاب العرب كنا نمتلئ حماسا وطموحا، لصنع المستقبل المفقود والمنشود للأمة العربية والإسلامية. القائد الأممي علمته المحاولات الانقلابية الكثيرة في السنوات القليلة التي تلت وصوله إلى السلطة فنون الديماغوجيا والبروبغاندا، والضحك على الجماهير المغفلة، فأتحفها بنظرية عالمية قدمت الحلول النهائية لمشكل الإنسان، ليس في ليبيا فقط، بل في كل أنحاء الدنيا.
بنهاية السبعينيات ظهرت المؤتمرات الشعبية، التي حسب نظريته العالمية تمثل أداة السلطة الشعبية. لا بد أن أقول أنني كنت من الذين يحضرون هذه المؤتمرات كلما سنحت الفرصة، لسببين اثنين: الأول هو ملاحظة ما إذا كانت المؤتمرات تحقق أي سلطة حقيقية للشعب، وكان هذا في بداية عهدي بها، والثاني لممارسة الفرجة على الكوميديا العفوية التي كانت تحفل بها هذه الجموع العجيبة، باعتبار أن المسرح فن لم يعد يعرفه الليبيون.
الحضور للفرجة جاء بعد أن عرفنا كيف كانت التعليمات تأتي بالفاكس لأمانتها، وكيف يتم غرس المتحدثين في وسطها من قِبل الأجهزة الأمنية أو اللجان الثورية.
حجم الهزل في المؤتمرات الشعبية لا يأتي من كونها مجرد مسرحيات يخرجها المتنفذون عن بُعد فقط، بل من خليط البشر الذي يحضرها لأسباب عدة، أهمها شغل وقت الفراغ بطريقة حضور المناسبات الاجتماعية نفسها. خليط البشر هذا يمكن أن يضم الإنسان البسيط الذي لا يفك الخط، ولا يعرف أين تقع مالطا، مع الأستاذ الجامعي الذي تم استغفاله، أو أنه يرغب في استغفال الآخرين.
بعد أن يفتح النقاش في جدول الأعمال تتتابع الكوميديا بطريقة جذابة مسلية تمنع الملل، فمن يتحدث عن كم علبة حليب يجب أن تمنحها الجمعية الاستهلاكية إلى الذي يطالب بقطع العلاقات مع الصين. مع ذلك جميع المتحدثين يضعون في أذهانهم عاملين مهمين، الأول: عدم المساس بالذات الثورية، بما في ذلك شخص القائد وأركان ثورته العظيمة بصورة مباشرة أو غير مباشرة، مع ما يتضمنه من مراعاة التوجيهات الثورية، والعامل الثاني أن كل ما يقال في المؤتمر هو عبارة عن «كلام في الهواء»، ولا علاقة له بما سيتم تنفيذه.
مع الزمن تحولت الكوميديا إلى كوميديا سوداء ثم إلى تراجيديا، فالمؤتمرات أصبحت تطالب بإعدام «الكلاب الضالة»، وهو تعبير يطلق على كل من يعارض النظام، وما عاد الليبيون يطيقون هرطقاتها، فانفجرت فبراير، واقتلعت النظرية الجماهيرية من جذورها.
نوع جديد من المؤتمرات الشعبية انبثق، وإن بشكل مختلف تماما، والفضل يعود إلى مارك زوكربيرغ. ففي عالم الفيسبوك تتكاثر المؤتمرات الشعبية في كل منعطف من الفضاء الافتراضي، وكل يطرح ويثرثر حول ما يحلو له من قضايا، ولا يحتاج تأسيس المؤتمر إلا فتح صفحة باسم وهمي غالبا، ووضع منشور من بضعة أسطر فيها، ليبدأ الجدل.
الخضر هذه الأيام يملؤون مؤتمراتهم بكائيات على عصر الجماهير ويتحسرون على الإنجازات العملاقة التي ضيعها العملاء والخونة، بما في ذلك أركان النظام الجماهيري الذين ما عادوا يتحملون هرطقات القائد أكثر، فآثروا ترك مركبه يغرق وحده. هذه المؤتمرات تحافظ على التقاليد الجماهيرية في عدم توجيه أي نقد مهما كان صغيرا للنظام البائد، ولا حتى لاستخلاص العبر من انهياره السريع، وتلاشيه اللافت.
الفبرايريون يملؤون مؤتمراتهم جدلا حول خصوماتهم التي لا تنتهي، وفشلهم الذريع في إدارة الدولة، وحجم الفساد الذى استشرى في البلد. وعلى الرغم من استعدادهم للنقاش وانفتاحهم بصورة أوسع وأكبر من انفتاح الخضر، لا يرغب الفبرايريون في مصارحة أنفسهم، وتحديد المسئولين منهم عما يجرى في ليبيا من رعونة وعبث. بدلا من ذلك لا يكفون عن وضع الوزر على الخضر من ناحية، والقبليين والجهويين من ناحية ثانية.
أما مؤتمرات السلفيين فمشغولة بالكامل بقضية البدع والشرك وتصحيح العقيدة (بعد ألف وأربعمائة سنة من انحراف المسلمين عن العقيدة الصحيحة!) وطاعة ولي الأمر. مؤتمراتهم كالمؤتمرات الشعبية التقليدية تأتيها جداول أعمالها ونقاط النقاش فيها من المتنفذين الذين يجب اتباع تعليماتهم بلا نقاش، وهم في الأغلب وراء الحدود. هم على استعداد لمناقشة أي موضوع إلا المساس بالذات السامية لشيوخهم، وولي أمر هؤلاء الشيوخ.
مؤتمرات أخرى متعددة تبرز هنا وهناك، تضم بين جنباتها خليطا من الحضور بأسلوب المؤتمرات الشعبية نفسه، حيث كما أشرنا يلتقي الأستاذ الجامعي مع الذي لا يفك الخط، ويجرى فيها النقاش بالطريقة الساذجة نفسها، وربما تصل أيضا إلى النتيجة نفسها.
مؤتمر واحد يشذ عن هذه القاعدة، وهو مؤتمر الثقافة. هنا لا يحضر من لا علاقة له بالثقافة، لهذا يبقى الجمهور قليلا للغاية، وقد لا يزيد على أصابع اليد الواحدة، لكن بالمقابل تختفى الثرثرة، وكل مواصفات المؤتمر الشعبي التقليدي، ويصبح الحديث أكثر ثراء وفائدة.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات