.. والتجارب ماثلة في بنغازي تلك الأيام. الصيف في أحيان عديدة يلمها ويجمعها وأحياناً أخرى يفرقها ويبعدها عن بعضها. الشباب في المدينة غالباً يخوضون غمارها وأمامهم ومعهم رواد من المعلمين. وغيرهم من الذين جعلوهم قدوات لهم ويتتبعون خطواتهم ويتقفون آثارهم. كان الجيل السابق مؤثراً كثيراً في نفوس أولئك الشباب. وجدوهم في الطريق وفي كل الدروب يشجعونهم ويأخذون بأيديهم ويحركون الكوامن وما خفي في أعماقهم. الشباب كله حماس ونار تتقد والجيل الكبير يرشد ويوجه ويشير إلى أن الطريق أيها الأبناء هكذا.. من هنا وليس هكذا من هناك في طرقات عوج ومسارب مظلمة. ذلك وقت التضحيات. وزمن القدوات ورجال البساطة والكبرياء في الوقت نفسه. إمكانيات قليلة لكن العزوم كبيرة وشامخة.
كان الذي يحدث في الجارة القريبة مصر يتردد صداه عندنا في بنغازي وغيرها. شباب الإخوان حين قدموا أثروا وتأثر بهم الشباب وقاموا بمحاكاتهم خاصة في النشاط الثقافي والفكري. نوافذ جديدة فتحت أمام أبصار الشباب الذي يدور في فراغ رهيب ذلك الزمن. كان لا بد أن يُعَبَّأ هذا الفراغ بمساحات من العمل وقتل الضياع والفاقد من الوقت. زمن يستدعي ذلك وليس ثمة طريق آخر. لا بد من التأثر والمحاكاة والاندماج. شباب الإخوان الذي قدم في الصيف العام 1949 غادر بنغازي أيضاً في الصيف العام 1952. حدثت حركة الجيش المباركة كما سميت في ذلك العام. رحل فاروق عدو الإخوان الذي قام بحل جماعتهم واغتال مرشدهم على الرغم من المحاولات الجديدة من المرشد اللاحق الهضيبي. زار الملك وأنجز بعض المعلق وأشار إلى أنها زيارة كريمة لملك كريم. لعبة أجادها الإخوان مع السلطة في كل وقت.
تنفس الثلاثة في رحاب بنغازي بهدوء ونالهم استبشار. تركوا أثراً وبصمة في نواحي المدينة وميادينها وشوارعها وأزقتها ومرابيعها ويظل على الباقي تكملة مسار الطريق.. حدث التغيير وطرق كل الأسماع في مصر ووصل إلى كل الدنيا. القادة حظروا كل الأحزاب وأبقوا على الجماعة وقدروا جهودها. بعضهم كان عضواً فاعلاً فيها. وكان يلتقي برجالها ووجدوا من الجماعة كل الترحيب بالمثل قبل أن يحدث الخرق في ميدان المنشية في الثغر عند شاطئ البحر. كان ذلك في أكتوبر 1954 بعد عامين من الحركة المباركة. تبدلات السياسة والأحوال ثم ضرورة التدافع والصدام. يذهب الثلاثة بعد 23 يوليو. يزدحم ميدان البلدية بجموع هائلة. وداع مهيب ودموع وخطب وتكبيرات. وغادروا بنغازي باتجاه الكنانة. والأثر يبقى.. يظل في طرقات المدينة. يلوح ويختفي ثم يظهر. ولكن لا مساس من السلطة. يتعمق الإحساس لدى الكثير من الشباب. يغادر بعضهم بنغازي إلى مصر للدراسة. وهناك خلال أصياف 1953 و1954 قبل المنشية لقاءات وتعارف وحوارات مع سيد قطب في بيته بحلوان. تجربته الأدبية والفكرية. يثني على جهاد ليبيا ممثلا في أحمد الشريف وعمر المختار. يصفهما بالباسلين على الدوام. وكذا عبد القادر عودة والسيد سابق ومحمد الغزالي وغيرهم. وتستمر العلاقة وتدوم على هذا النحو قبل ضربة أكتوبر. الشباب في بنغازي يتمددون في طرابلس ويلتحق بهم علي وريث وإبراهيم الغويل ومحمد الفنيش وغيرهم. في أبريل 1954 تلوذ ببنغازي شخصية كبيرة من الإخوان. يجري التعتيم حولها من قبل الشباب. تستضاف لمدة أربعة أشهر في بيت أحدهم بالبركة. دون علم السلطة. ثم تغادر.. لعلها شخصية سعيد رمضان المشهورة سابقاً ولاحقاً. شارع عبد المطلوب ظل شاهداً وفقاً لروايات المصادر المطلعة على ذلك الوجود. البيت كان على النمط العربي. وسط البيت مفتوح باتجاه السماء والغرف عربية. يطل عمال الكهرباء صدفة من أعلى لصيانة خط النور في البيت المجاور. وصدفة أخرى وبعفوية يلحظون بعض الشباب مع الضيف غير المعروف وسط فناء البيت. عندئذ تغير كل شيء وغادر بنغازي نهائياً لكي لا يقع أي محظور أو حرج لأحد مع السلطة أو الأمن. كان مركز بوليس البركة قريبا ولكن تقاريره في ذلك الوقت نفت وجود أي شخصية إخوانية قدمت وظلت هناك وفقاً للرواة والشهود. أغلبهم في ذمة الله والتاريخ. بقيت رواياتهم مع أحداث الصيف في بنغازي وأحياناً ربيعها ثم يمتد الى شتائها.
والحراك الثقافي يدب في المدينة. مكتبات تطل إضافة إلى السابقة من مثل مكتبة بوقعيقيص في ميدان الحدادة أو زاقوب في سوق الظلام. تظهر مكتبة بوزقية أمام البرلمان ومكتبة حماد في ميدان البلدية. كتب ودوريات. النادي المصري والمحاضرات والمناظرات من المعلمين والحضور. النشاط الثقافي في المدارس أيضاً ومعهد المعلمين. مجلات يصدرها الشباب. قصص ومقالات. نظرة للبعيد والمستقبل المجهول. في أواخر 1951 أراد المعلمون والطلبة في مدرسة الأمير بقيادة المعلم يوسف الدلنسي إحياء ذكرى الأربعين لرائد من رواد التعليم في بنغازي والمسرح.. حسين فليفله الوحيشي أول من وثق ودون بخطه شعر رفيقه أحمد رفيق. في اللحظات الأخيرة السلطات في المعارف تمنع المناسبة بحجة أن ثمة إضرابات ومشاكل في المدرسة الثانوية طرد بسببها مجموعة من الطلبة. يستقيل الدلنسي احتجاجاً وينتقل للعمل بمجلس الشيوخ. الطلبة المطرودون يحتويهم بيت الحاج علي بالروين. يواصلون دراستهم بتطوع مجموعة من المعلمين المصريين والليبيين ويتمكنون من أداء الامتحان وينجحون في النهاية ويواصلون الدراسة في مصر. ذلك زمن التطوع والرجال والبساطة والكبرياء. ثم تضامن مع البوليس في مصر الذي واجه الإنجليز. ما يحدث هناك سيظل له تأثيره وتداعياته في كل وقت لاحق ودون انقطاع. تاريخ يتسلسل ويتداعى بدوره أمام الأنظار. وقبلها في صيف 1948 الشباب يتطوع للحرب في فلسطين. يستشهد بعضهم هناك ويعود آخرون. وتظل القضية في البال شعراً وحماساً وهتافات ومضاعفات. لم يحصل أي احتكاك شديد مع طائفة اليهود. ظل الأمير إدريس يحترم الوجود والتجانس ويفصل ما بين السياسة والعقيدة الصهيونية. والأصول المحلية لهؤلاء اليهود. أغلبهم ينتمون إلى قبائل معروفة. والعديدون تصاهروا واندمجوا وليس ثمة مشكلة. الخلاف في العقيدة الصهيونية وتطرفها وعنصريتها.
الشباب الذي يدرس في جامعات القاهرة والإسكندرية ظل يغدو ويروح والمحطة في الصيف هي بنغازي. العزيمة لا تتوقف. كانت هناك أندية أدبية تأسست في المدينة منها نادي الشباب الأدبي العام 1949 برئاسة سعد بوقعيقيص. أصدرت مطبوعة الأمل. حراك يستمر. ينسج على منواله الطلبة الجامعيون. الفكرة تشتعل وتتوهج وتضيء. هيئة تأسيسية منهم تلتقي يوم الثلاثاء 22 يوليو 1952 بمقر نادي التجديف بشارع إدريس الأول في بنغازي وقررت تأسيس ناد يحمل اسم الطلبة الجامعيين .. المبادرة كانت بحضور الطلبة: المهدي المطردي وأحمد مبارك الشريف ومنصور رشيد الكيخيا ومحمد عمر الجروشي ومبارك المحجوب ورمضان رقص وحبيب الصابري وعثمان الكاديكي وفتحي بن سعود وعمر بن عامر ومحمد بن يونس وعبد الرحمن الكيخيا ونصرت الجربي. انتخبوا لجنة تحضيرية لاتخاذ بقية الإجراءات. اجتمعت في اليوم التالي.. الأربعاء الموافق للثالث والعشرين من يوليو 1952. تزامن مع الحركة في البلاد التي قدموا منها لقضاء العطلة. النادي ينطلق في صيف بنغازي. شرارة لنشاط يتواصل. وعقد الأندية يستمر.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات