حتى وإن كان المرء، من دُعاة السلم، وتعلم طوال حياته المشي حذرًا، على أطراف أصابع قدميه، من حائط لحائط، ومن ظل لظل، ولا يكف عن دعاء الله، سرًّا وجهرًا، أن يحفظه ويقيه من شرور الحادثات، لن يستطيع، بأي حال، ومهما حاول تجاهل «عركة» تنشب على بعد خطوات من عتبة بيته بين جيرانه، فما بالك بأزمة غير مسبوقة، تنشب، جهارًا نهارًا، في أروقة مصرف ليبيا المركزي؟
الحكاية ليس فيها ما يخفى، في بلد لا يعرف شفافية، وفي ذات الوقت لا يخفى فيه شيء. والخصومة السياسية أمر عادي كونها جزءًا من قواعد اللعبة السياسية في أي مكان. والتحوّل في الاصطفافات أمر طبيعي ومتوقع ومحتمل كذلك. المشكلة أننا نعيش في بلد يمتلئ بالسلاح خارج مخازن الدولة، ونعيش في بلد يصنف تحت قائمة الدول الفاشلة، ويتحكم في مقدراته أمراء حرب. وبالتالي، ومما تعلمنا من تجارب السنوات الماضية، هناك دومًا احتمال أن تتحول أي أزمة إلى حرب بين الأطراف المتخاصمة.
حلفاء الأمس هم أعداء اليوم. والأزمة الجديدة مختلفة عما سبقها، كونها بين المجلس الرئاسي وحكومة طرابلس من جهة ومحافظ مصرف ليبيا المركزي وحلفائه: رئيس مجلس النواب ورئيس المجلس الأعلى للدولة.
يوم الأحد المنصرم، الموافق 25 أغسطس 2024، بدأت الأخبار تتوالى في وسائل التواصل الاجتماعي، عن قيام لجنة برئاسة وكيل وزارة العدل في حكومة طرابلس بمحاولة الدخول إلى مقر المصرف واستلام إدارته وتسليمها إلى لجنة مختصة لإدارة المصرف. الأخبار تقول إن وكيل وزارة العدل اضطر للاستعانة بأشخاص لفتح الباب عنوة. لكن موقع الحكومة على الإنترنت نفى ذلك.
سارع محافظ المصرف بتقديم بلاغ إلى مكتب النائب العام بالحادثة، ويطلب تدخله القانوني، ويحذر من العاقبة. وفي الوقت ذاته، أصدر تعليماته بوقف جميع الأنظمة المصرفية. وهناك أخبار غير مؤكدة تقول إنه غادر البلاد إلى تونس برًا عبر منفذ رأس اجدير.
أحد الأصدقاء على صفحتي، في العالم الافتراضي، كتب معلقًا على الحادثة: «بعد 13 عامًا من اقتحام باب العزيزية، وصلوا إلى بيت القصيد (اقتحام مصرف ليبيا المركزي)» والتعليق ليس في حاجة إلى تعليق. إلا أننا يتوجب علينا التوقف أمامه طويلًا والتمعن في معانيه.
شهور العسل في السياسة، مهما طالت، قصيرة. وشهر العسل بين المجلس الرئاسي وحكومة طرابلس ومحافظ المصرف لا يشكل استثناء، وانتهى سريعًا. والخلاف بينهم أدى إلى قيام المحافظ بعقد تحالف مع عدوه سابقًا رئيس مجلس النواب.
في عام 2018 قام الأخير بمناورة سياسية بإصدار قرار باسم مجلس النواب بإقالة المحافظ وتعيين بديل له، إلا أن المحافظ رفض التنحي على اعتبار أن القرار لم يحظ بموافقة أغلبية النواب. وخلال الأيام الماضية وبمناورة سياسية، أصدر رئيس مجلس النواب، باسم مجلس النواب، قرارًا بإعفاء البديل من منصبه على اعتبار أنه لم يستلم مهامه طيلة السنوات الماضية. المناورة قصد بها قطع الطريق أمام المجلس الرئاسي بتنفيذ قرار التعيين.
سفراء الدول الأوروبية والإقليمية والعربية التزموا الصمت إزاء ما يحدث. السفير الأميركي وحده خرج عن السرب، وأصدر تصريحًا من تونس، برفضه استخدام القوة في إزاحة المحافظ. ولم يصدر بيان عن بعثة الأمم المتحدة في ليبيا، لأن رئيستها السيدة ستيفاني خوري كانت مشغولة بحضور اجتماع لجنة «5+5» العسكرية بمدينة سرت.
الأمور ليست واضحة. ولا أحد بمقدوره التكهن بالاتجاه الذي ستأخذه الأزمة. لكن على ما يبدو أن الرياح تخلت عن سفينة السيد المحافظ بعد قرابة 13 عامًا، واتخذت خط سير مخالفًا. وأننا قد نشهد مرحلة جديدة لن يكون السيد الصديق الكبير من ضمن لاعبيها. وهو تحول كبير في المعادلة.
المعركة أو الأزمة لم تنته بعد. وهناك احتمال وتوقع بأن تقود إلى قيام المشير خليفة حفتر ورئيس مجلس النواب بإغلاق الموانئ النفطية، ومنع تصدير النفط. وكل ذلك يزيد الأزمة استفحالًا، وينعكس بالسلب على حياة 6 ملايين مواطن ليبي، ويعمق في معاناتهم.
الأزمة الحالية بلا سوابق. ومن الصعب تصور المشهد السياسي الليبي من دون أهم لاعبيه: الصديق الكبير. والخوف أن تقود الأزمة البلاد والعباد إلى نفق أكثر عمقًا وأشد عتمة، مما عرفنا وجربنا من أنفاق.
فاللهم لطفك.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات