Atwasat

فاشيتنا الدائمة

منصور بوشناف الخميس 22 أغسطس 2024, 04:50 مساء
منصور بوشناف

في الثقافة العربية السائدة نربط الفاشية بالعسكر وأنظمة حكمهم التي توالت على حكمنا لما يقارب القرن من الزمان، وذلك الوصف صحيح ولا غبار عليه بالتأكيد، فلقد كان عسكرنا فاشيين بامتياز، ولكن الفاشية فكر وأساليب حكم تعتنقها وتمارسها طبقات وقطاعات واسعة من المجتمعات ليست عسكرية؛ بل إن العسكر لم يكونوا إلا أداة، تحكم بها هذه الطبقات والقطاعات الاجتماعية، وتتكئ على منظرين وعلماء ومؤرخين وفنانين قد يعادون العسكر ويرونهم أعداء لقيم ومبادئ الفاشية الحقيقية.

المفكر الإيطالي «أمبيرتو إيكو» يلخص ملامح الفاشية وأركان تشكلها في أربعة عشر ملمحًا أو ركنًا قد لا نجدها في كل الحركات الفاشية ولكن لا تخلو أي من تلك الحركات من بعضها أو جلها.

أول تلك الملامح تقديس التقاليد المتوارثة عداء الحداثة، فرغم تبجيل الفاشيين للتقنية فإن مفكريهم يعادون الحداثة وقيم التنوير باعتبارها هدمًا للقيم القديمة المقدسة.

وبالطبع يعادون الرأسمالية لأنهم «اشتراكيون قوميون» ويعادون الشيوعية لأنها تعادي النزعة القومية «رغم عدائها للرأسمالية».

الفاشيون «لاعقلانيون» كما يقول «إيكو» ومعاداة الثقافة والتنوع الثقافي وبالتالي عداء المثقفين بمختلف أطيافهم ووصفهم وإدانتهم بخيانة التقاليد والأوطان من أبرز ملامح الفاشية الدائمة، لاعقلانية الفاشية تتمثل فعلًا في رفض ومعاداة التنوع والاختلاف الفكري والاجتماعي «معاداة الحداثة»، فالتجربة التاريخية تؤكد على أن الاختلاف أفضل الأدوات والطرق لنمو العلم والمعرفة.

الهوية القومية أو الوطنية كما يرى الفاشيون، لا يمكن تجليها وإثباتها إلا بوجود عدو متآمر عليها من الداخل أو الخارج، وهذا العدو يبدأ كأفكار ومعتقدات يسميها «الفاشيون الجدد بالأفكار العابرة للحدود»، نرى ذلك الآن في ليبيا مثلًا؛ حيث توصف أفكار الإسلاميين والاشتراكين والليبراليين بالعابرة للحدود والمستوردة والتي يجب القضاء عليها وعلى أصحابها حفاظًا على الهوية التي ليست إلا تقاليد لا تمثل إلا طورًا من أطوار تحول ونمو الهوية الوطنية.

«نحن لا نخوض الحروب والصراعات من أجل الحياة والسلام؛ بل نحن نعيش من أجل أن نخوض الصراع الدائم والحروب»؛ لذا لابد من وجود العدو، وقد يكون هذا العدو خارجيًّا أو شقيقًا أو شريكًا في الوطن، المهم أن تستمر ماكينة الحرب والصراع في العمل، وهذا ملمح آخر من ملامح الفاشية كما يقول «إيكو».

«أمبيرتو إيكو» المفكر الإيطالي الذي عاش الفاشية طفلًا صغيرًا وحفظ أناشيدها وتغذى بأوهامها وشهد سقوطها وقتل رمزها «موسوليني» وسحله في الساحة كما سحل معارضيه، ليحتفل «إيكو» طفلًا بالجنود الأميركيين مع عائلته وشعبه كما يروي، كمحررين لطفولته ولإيطاليا من الفاشية، يكتب مراجع للفاشية ليجد «الفاشية الدائمة» وقد ظلت كامنة في أوروبا وأميركا الحديثة وتحولت وتطورت دون أن تتخلى عن آلياتها في إدارة شعوبها والعالم، يرصد «إيكو» ملامحها ويقدمها لنا واضحة وجلية، فماذا لو بحثنا في واقعنا الذي نعيش عن تلك الملامح؟

إن فاشيتنا تتنوع وتختلف أشكالها، ولكن أهدافها وبرامج عملها واحدة، فليست عسكرًا فقط كما يسوق الفاشيون الآخرون، إنها أناشيد وأفكار وأشعار وقيم أخلاقية ومبادئ قومية ودينية وعادات وتقاليد بالية وهويات منغلقة.

إن الفاشية وكما يرى «إيكو» منظومة فكرية أو عقيدة توقيفية لا تقبل النقد ولا حتى التحليل، لأن النقد يصنع الاختلاف والاختلاف يقود إلى التعدد بينما تسعى الفاشية للإجماع والرأي الواحد.

الفاشية الدائمة والكامنة في مجتمعاتنا الإنسانية تجد في مراحل الإحباط الاجتماعي وحتى الفردي البيئة المناسبة للنمو والتسرطن من أجل السيطرة والقيادة وإشعال الحروب العبثية، فالحرب مبرر وجودها وهدفها دائمًا هو تصفية وإفناء الآخر أو العدو كما تسمي بياناتها حتى الآخر الوطني، وقد يكون هذا الآخر القبيلة المجاورة لمضاربنا أو القرية أو المدينة أو أصحاب الرأي المختلف.

الفاشية ليست عسكرًا فقط وليست نقيض الدولة المدنية دائمًا، فتجارب الفاشية في التاريخ قادها في الغالب سياسيون مدنيون وكان حلفاؤهم الأهم رجال دين وكنيسة وشعراء وموسيقيين ومفكرين وتجارًا بالتأكيد.

يقول ستيفان زفايغ «لقد تخلصت روما من قيصر واحد، وورثت قياصرة كثرًا» ألم نقتل فاشيًّا واحدًا لنرث فاشيين كثرًا؟



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»