.. تداعيات الصيف في بنغازي تتوالى على الدوام. قبل التهاب الصيف في يوليو 1951، الأمير إدريس، الذي عُرف أيامها بلقب «الملك العتيد»، زار طرابلس في مايو. في نهاية شارع عمر المختار، وفي بداية ميدان الشهداء، تعرض موكبه القادم من بنغازي صحبة مرافقيه إلى إطلاق قنبلتين. لم تكن ثمة أضرار. لم يكن ثمة تحقيقات. واصل جولته، والتقى كل الأطياف السياسية، وتجول في مناطق عدة.. زوارة ومصراتة والخمس وغيرها. تهم طالت شباب حزب المؤتمر الوطني، وزعيمه بشير السعداوي. لكنها في الواقع لم تثبت أو تؤكد. مجرد أقاويل وحكايات. لكن الكثير من الثقاة المعاصرين للزيارة وأحداثها، خاصة من بعض قيادات الأمن في برقة تلك الفترة، نفوا نفيا قاطعا مسؤولية المؤتمر أو شبابه أو من المحسوبين عليه عما حدث من تعرض للموكب. وأشاروا إلى أنها «فعل بريطاني» من بعيد.
كانت الإدارة البريطانية تدس السم في العسل عبر تلك الظروف، وتعمل في الخفاء على الرغم من التحالف والمواثيق مع الأمير الذي كان يدرك ذلك تماما، ويصبر عليه. الإدارة أيضا حاولت أو قامت بالتدخل بطريقتها الخاصة في لحظات عدة بين الأمير وبعض أفراد عائلته ممن يحملون طموحا سياسيا. رأت في ذلك تأليبا ضده وتشجيعا لمواجهته، وكان أيضا يعرف هذا ويسكت عليه. الإنجليز كانوا دهاة في كل الأوقات، وظلوا يحاولون نسج المشاكل، ووضع الألغام في طريق الأمير وسياسته والتزاماته معهم.
.. مايو بدايات لهب الصيف، وكان من تداعياته كذلك رد المعاملة بالاعتداء كما سبق على السعداوي حين وصوله إلى بنغازي، ردا على زيارة الأمير طرابلس.
في يوليو 1950 كان بعض أفراد الجمعية في طريقهم إلى درنة. شكلوا حادث سير في الطريق، وعلى أثره توفى علي محمد بوقعيقيص من الشباب الفاعل في الجمعية، ونجا كل من محمد الصابري وعلي بالروين. أحمد رفيق أنشأ مرثية طويلة ورد فيها:
انطفأ نار فقدك يا علي ... وموقدها هو الدمع السخي
وكيف نطيق صبرا باحتساب ... وليس يطيقه إلا نبي
جزاك الله ما يجزي شهيدا ... تنقل وهو في الأموات حي.
في ذكرى الوفاة الأولى أحيت الجمعية المناسبة. ذهب الأعضاء في حشود كبيرة إلى المقبرة. خطب ومراث وباقات زهور. حين خروجهم وصلت إليهم رائحة كريهة اشتدت مع الحرارة في الجو. عند مدخل المقبرة وجدوا جثة مجهولة لأحد المواطنين. عرفوا أنها كانت في المستشفى منذ أيام. لم يتعرف أحد عليها. وضعت في المقبرة، وذهب من قام بالفعل دون أن يعرف. غلت المشاعر وتغيرت الأمور وبدأت اللعنات، فالأسباب للمواجهة المتوقعة مع الإدارة والحكومة كانت مهيئة تماما. مباشرة الجموع سارت إلى منزل رئيس الحكومة محمد الساقزلي في شارع محمد موسى وسط المدينة. احتجاج وهتافات والمزيد من اللعنات والكلمات النابية.
صدام معه انتهى بحل الجمعية تماما، ومصادرة محتوياتها، وسجن بعض قياداتها.
يوليو 1951، الصيف والحرارة والجثة المجهولة تشعل المزيد من اللهب، وينتهي بانطفاء الجمعية وخمود حراكها ونشاطها إلى الأبد. سبب كان بالإمكان معالجته إداريا وفنيا. لكن تجربة الجمعية انتهت، واختفت المعالم، لتظل في مراحل لاحقة كامنة في الصدور.
في اليوم التالي للمظاهرة قام عمال مطبعة المحيشي، وهم من يتولون طبع جريدة «الوطن»، صوت الجمعية، بمظاهرة أخرى مساندة لما حدث بالأمس، وثأرا لاعتقال الأعضاء: مصطفى بن عامر وأحمد رفيق وطاهر المجريسي وعلي زواوة. حملوا صورا للأمير وأخرى لأدريان بلت، لتصل بصوتهم إلى الأمم المتحدة، ولافتات من القماش تحمل عبارات وشعارات تؤيد حماسهم ورؤيتهم للمسألة. وقفت المظاهرة عند مدخل الفندق البلدي (سوق الخضار والحبوب).
وجدت مساندة من أصحاب المحلات التجارية هناك. قفلوا أبوابها وانضموا للهتافات المنادية بسقوط الحكومة ورئيسها. البوليس لم يتدخل. دامت المظاهرة نحو ساعتين، ولم يحدث بعدها شيء. قادة هذه المظاهرة كانوا: الأستاذ محمد إبراهيم الفلاح وفرج علي بالروين وعمران المصري وإبراهيم حماد ومحمد مصطفى الفرجاني (الشيخ الفيتوري كما يعرف) وسعد المريمي. ومع حرارة الصيف حكمت المحكمة على بن عامر بثلاثة أعوام سجن، وزواوة بعامين، وطاهر المجريسي بعام واحد، وبرأت الشاعر أحمد رفيق.
بعض شباب الجمعية اعتقل، وحقق معهم، وأطلق سراحهم. وعند إعلان الاستقلال في شتاء ديسمبر 1951 كان بن عامر ورفيقاه في السجن على شاطئ البحر. وبعد عام أطلق سراحهم، بينما لاحقت عقوبة أخرى محمد بشير المغيربي ومحمود مخلوف وعبد الوهاب الموهوب في ديسمبر 1953 بتحديد إقامتهم في واحة مرادة. كانت تهمتهم الاعتداء على قوس في وسط المدينة وحرقه، كان يحمل صورا للملك ولافتات بمناسبة ذكرى الاستقلال. المغيربي في قضية الجمعية خلال النظر فيها في محكمة، تغير رئيسها فيما بعد، حكم عليه بعامي سجن، وغرامة مالية مع إيقاف التنفيذ، وعام ونصف العام على محمود مخلوف مع إيقاف التنفيذ أيضا، وبراءة محمد الصابري، وخرج أغلب الشباب المؤيد للجمعية من السجن بدفعهم الغرامة المطلوبة.
سلطات الإدارة البريطانية رصدت الأمور عن قرب، وخلصت إلى أن حل الجمعية ظل كابحا مشؤوما للمطامع التي كانت تساور قادتها، ورأت أن الأسباب الرئيسة لذلك تتمثل بوضوح في التالي:
أ- ليس هناك تأييد وشيك من المتعاطفين من خارج الجمعية.
ب- الوسائل التي تم تبنيها والذرائع التي ترتبت عليها كانت محل استنكار على نطاق واسع.
ج- إيداع أعضاء قياديين بالسجن واتخاذ إجراءات تأديبية ضد آخرين قد أبان حماقة المعارضة الارتجالية ضد الحكومة.
وفي نهاية المطاف، أكد الرصد من خلال المذكرة المفصلة عن الجمعية أن حلها، والإجراءات التي اتخذتها الحكومة للحد من أي أنشطة أخرى، ألقت بالمؤسسة برمتها في حالة من الإرباك، وثبطت همم أعضائها، وكسدت تجارتهم، ولم يبدوا أية رغبة في رد اللطمة بأخرى، وفي الظاهر أبدوا مظهرا من مظاهر التفكك التام، وأن جزءا لا يستهان به من الرأي العام، الذي يشمل أصحاب المتاجر ومن شابههم من الناس العاديين، قد عبروا عن ارتياحهم حيال تخليص المدينة من إزعاج الجمعية الوطنية. (المذكرة وردت في 19 صفحة، ومؤرخة في 27 أكتوبر 1951، وترجمها بعد السماح بالكشف عن مصادرها في لندن العام 1990 الأستاذ عبد المولى دغمان).
كانت السلطات في الإدارة ترصد وتراقب، وتصلها كل الأخبار حتى من بعض المحسوبين على الجمعية. كانت تعرف كل شيء، وتتابع كل شيء، وبذلك سهل عليها وعلى الحكومة ضرب كل شيء!
في صيف قادم أو مضى قبله، الألماني وينكل رينهولد. عمره ثلاث وعشرون سنة. كان يعمل في معسكر الموظفين المدنيين الألمان ببنغازي.. التحق باختياره المحض بالجمعية، واقترب من نشاطها في أيام لاهبة لا تقل سخونة عما مضى. الألمان في الصيف على الخط، وفي الجمعية.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات