1- المعرفة تكمن في الحنين- بيير باولو بازوليني.
وجدت نفسي في الكتابة مثلما وجدتها في القراءة، لم أبحث المسألة، فقد كتبت ونشرت في الجرائد الحائطية، ما قمت بتأسيسها في المدرسة الابتدائية. ثم انطلقت منذ نشرت أول مقال لي في جريدة الحقيقة الليبية، في السنة السادسة عشرة من عمري، أي سنة إغلاق جريدة الحقيقة في العام 1971م. هكذا كشاب في مقتبل العمر كتبت ما تيسر لي، ولم ألتفت إلى مسألة النوع.
لقد تورطت حتى وجدت نفسي أكتب ما أرى وأريد، واليوم حين ألتفت إلى ما كتبت لا أجدني معنيًّا كثيرًا بالجنس الأدبي، خاصة في زمن ما بعد الحداثة، حيث تلاشى الجنس، لم تعد فروق واضحة وضوح شمس مضت، بين النثر والشعر بين السردية والسيرة والنص المفتوح وغيره، لم يعد ثمة نقد يصنف النص في زمن موت المؤلف!
ليس للكتابة عليَّ من سلطان، فالكتابة ليست الوسن بل اليقظة، اليقظة التي ليست آلة تفتح وتغلق بمفتاح من حديد، الكتابة تأتي دون دعوة، لكن أيضًا لست روبوتًا. ثمة جمل تخطر حينًا على البال فتبدو كتعويذة، لكنها من صنعي كما يفعل الساحر تعاويذه، فهي حصاد أعمال للفكر والنفس، ثم ألتقطها أو أقتطفها من حديقة النفس، فتكون عتبة أو عكاز الكتابة. فالكاتب عندي مشغل لا يتوقف، أظن أن هذا حاصل حتى في النوم، فاللاوعي جزء من وعي الكاتب الذي يدس في الخرج تفاصيل، التفاصيل الشيطانية، التي سماها العرب وادي عبقر من حيث يتلقون الوحي. إن قماشة الكتابة من نسج معيش الكاتب فحلمه ثم تصوراته وفعله.
لا أتوجه أصلًا، ولا أكتب لأحد. حتى رسالة أكتبها للحبيبة كثيرًا ما أفعل ذلك لحاجة في النفس، فمجنون ليلى لم يكتب قصائده لليلى، بل كتبها جنونه بها، له، لنفسه، كما لو كان يتخلص من سم حبه. وتعبير السم أستعيره من النرويجي إبسن، الكاتب المسرحي الذي قال: إن الكاتب كما العقرب، يمتلئ بسمه، فيحتاج لإفراغه حيث يكون، حتى في الفراغ.
خذ مثالا، أن يكتب الكاتب كتابة، ثم يدس ما كتب دون حتى أن يكمله، أو يطلع عليه أحدًا، وبعد زمن طويل يقع بين يديه فيكمله، وهو ليس هو من كتب ما كتب قبل. فالبرتغالي ساراماغو، كتب شذرات من نصوص سردية، في مقتبل العمر، ثم نسي ما كتب، عمل في السياسة، بات رئيس تحرير جريدة الحزب، ما بعد أن غادره عاد إلى أوراقه، فوجدها كما كراسة التاجر المفلس، مليئة بديون لابد من دفعها، أكمل المستحق، وفي سنوات غدت أوراقه، ما استطاع إليه سبيلًا، غدت متراس ساراماغو صاحب نوبل. وهكذا عندي الكتابة تكمن في الحنين، كما المعرفة عند بازوليني.
2- المكان واسع، فسيح، في مقام النجوم عند التطلع للفضاء، ضيق، بسيط، محدود تحت القدمين، المكان جدل الزمان، فإن تولد في جنوب المتوسط في النصف الثاني من القرن العشرين، إذا أنت ولدت بعيد أن خرق الإنسان الفضاء وصار «جاجارين» في السماء، وأيضًا عقب أن سيطر إنساني هذا على الذرة، وفعل مفاعل القيامة الآن. وهذا الإنسان غدا يعد العدة للانتقال وسكن كوكب آخر، بعد أن حول كوكب الأرض إلى كوكب في كف يده في حجم موبايل/ الذكاء الصناعي، والإنترنت الوريد والدم.
لم يحدث أن تخيل بشري ما حدث ويحدث، فهكذا أنا ابن زمنكان لا حدود له. وإن كان الزمنكان هذا لا حدود له فإن المحصلة شاسعة، أحب الأشرطة الوثائقية حبًّا جمًّا، منها وفيها أتلقى ضوء نجم قبر منذ مليارات السنوات، أو ضوء نجم بازغ. نحن عشنا ونعيش اللامحدود حيث اكتسحت كل ظنونا، نسبح في ما قبل التاريخ نتبادل الحديث مع لوحات تاسيلي وأهرامات الجيزة، ما في ظن بعضنا أنها من مفاعيل سكان كواكب آخر، ونستعد للذهاب إليهم. أظن أنني كبشري أعيش مرحلة ما بعد التاريخ، وأننا كلنا آدم، وحواء تلد البشر كما لم يولدوا قبل. والكاتب في هذه الحال فاقد النفس، باعتبار أن «من لا يفقد نفسه لا يملكها» أو كما قال بازوليني أيضًا.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات