وقبل الخطوات التي سيشرع فيها الثلاثة في بنغازي ثمة إشارات عابرة على جانبي الطريق لكنها مهمة: الميدان الذي يتصل بشارع رئيس وحيد في قلب المدينة كان شاهدا أيضا على إطلالة للدوتشي موسوليني من شرفة البلدية حين وصل لزيارتها في مارس 1937 وألقى خطابه الشهير للتجمع البشري الذي يغص به الميدان ثم في يوليو 1944 إطلالة مختلفة من الشرفة نفسها للأمير إدريس القادم في زيارته لوطنه بعد غياب في المهجر دام حوالي عشرين عاما. الميدان ظل فاصلا بين قسمي المدينة.. العربي والإيطالي، وبعد فترة من الأعوام سيطل من الشرفة ثوار الجزائر عام 1962.. بن بلة وخيضر وبيطاط وآيت أحمد.
ومن بيروت تلك الأيام كان الشريف محي الدين يأتي إلى بنغازي لقضاء إجازته الدراسية السنوية في كلية المقاصد. المقهى التجاري يحتويه مع رفاقه.. مفتاح مبارك الشريف ومصطفى الشيباني وسالم بوقعيقيص ومحمود الفقي وغيرهم، ثم يتجه إلى مكتب شركة والده الكائنة فوق المقهى. لقاءات هناك مع صالح بويصير شريك الوالد.
الميدان الصغير المربع والأقواس الرخامية تلفه سيشهد بدايات رشاد الهوني الشعرية. كان موظفا صغيرا في البلدية وكان يتطلع عبر مشاعره والقصائد التي تنهمر نحو شقة الأسرة الكتابية.. باتجاه إحدى فتياتها الشهيرة بجمالها وفتنتها.
الميدان والتاريخ وانطلاقة خطوات شباب الأخوان القادمين من ضفاف النيل. ظلت الشقة منتدى عامرا بالنقاش ودروس العبادات واللغة العربية والتوجيه والإرشاد وللوقوف على ما يدور كان (فنلي) الإنجليزي مسؤول المباحث يأتي تحت ستار تعلم اللغة العربية. وكان مكتبه يلتقط ما يجري في ثرثرة المقاهي والشوارع والأزقة وعلى ضوئها تعد التقارير والتصانيف المختلفة.
لم تدرك المدينة التنظيمات السياسية أو التجمعات إلا من خلال المواقف والمظاهرات والخطب والمواجهات مع الإدارة والمقالات في الصحف والسجالات في المقاهي المتناثرة في قلب المدينة. كان هناك جمعية عمر المختار ورابطة الشباب ومثلهما في درنة إضافة إلى الجبهة البرقاوية ثم المؤتمر الوطني العام وبعد ذلك برلمان برقة.
كان نشاطا محليا صرفا تراقبه الجهات المسؤولة وتنظر إليه الإدارة البريطانية وتكتب عنه تقييماتها وترسلها إلى لندن. وكانت هناك عيون عربية تراقب أيضا، لكن التدخل في تشكيل أي تنظيم من هذه الجهات كان بعيد الاحتمال. لم تعرف بنغازي أي تنظيم قادم من الخارج. سيتبلور ذلك ويتكون مع وصول الثلاثة وحراكهم واستقطابهم للكثير من شباب المدينة وما حولها. انصرف أغلبهم من صفوف الجمعية التي شعرت بالتحسس من ذلك كثيرا. والمدينة أصلا، رغم هذه التجمعاتن في فراغ سياسي ما يزال يضرب الجوانب وصارت الفرصة مهيأة تماما أمام الثلاثة في المزيد من الحراك والدعوة إلى المعروف والنهي عن المنكر.
كان عزالدين إبراهيم ومحمود الشربيني يلتزمان في الغالب اعتمار الطربوش على طريقة الأفندية في مصر عكس رفيقهما جلال سعده. وجودهم في النهاية أضحى مؤثرا وفاعلا وكانوا يحملون صفات خلقية ومسلكية وتنظيمية حفزت الشباب في بنغازي على المزيد من الاقتراب والاندماج في طريقتهم التي بدأوا في نشرها والدعوة إليها. وفي العموم كانت بنغازي بميدانها وضواحيها وبيوتها مأخوذة بهذا الوافد السياسي والدعوي الجديد وإن لم يكن واضحا نحو (تشكيل حزب). التزم منهج الأخوان في اللقاءات وأداء الصلاة جماعة خاصة في أوقات الفجر والدروس والرحلات على نمط نظام الجوالة الإسلامية والتدريب الرياضي والإعداد في شواطيء قاريونس وقنفودة وسيدي خليفة.. وغيرها.
الوصول إلى بنغازي لذلك الوافد السياسي سبقه تشكيل للجماعة في الموصل بالعراق عام 1940 بعد رجوع الشيخ محمود الصواف من الدراسة في الأزهر وسيتعاون معه مجموعة من المعلمين المصريين في نشر الدعوة للجماعة ثم في سوريا عام 1945 وقام بذلك الدكتور مصطفى السباعي. وفي عام 1946 انطلق التشكيل وتوسع في الأردن بتشجيع مباشر من الملك عبد الله الأول الذي افتتح أول شعبة للأخوان في عمان وتزامن ذلك في العام نفسه انطلاق النشاط الأخواني في فلسطين. وفي السودان بدأت البوادر الأولى عام 1944.
بدأه مجموعة من النشطاء والمعلمين المصريين وطلاب من السودان في مقدمتهم بابكر كرار الذي سيقيم في ليبيا في مرحلة لاحقة مع أحد زملائه ويقومون بإعداد وكتابة الخطوط العريضة للكتاب الأخضر. تمركسوا بعد أن كانوا إخوانا. وتطور النشاط في السودان بوضع الخطة المهمة في اجتماع شهير بالخرطوم عام 1953. وخرجت من العباءة تنظيمات أخرى في نفس الفترة أبرزها حزب التحرير الإسلامي في فلسطين على يد تقي الدين النبهاني عام 1952 بعد عودته من الدراسة في الأزهر. وسيحل هذا التنظيم في بنغازي أيضا في فترة تقارب التأسيس في عام 1956 على يد المعلم في معهد المعلمين حسن عبد اللطيف سلطان. وسيترك هنا مجموعة من شباب المدينة دعوة الثلاثة ومن تبعهم إلى التيار الجديد.
بهذا خرج التنظيم من الموطن الأصلي في مصر لينتشر في البلدان المجاورة بقوة وساعدت الظروف أسباب النجاح.. عوامل الخروج من الحرب ونكبة فلسطين واليأس من الحكام (الخونة) ومواجهة التغلغل الشيوعي في المنطقة.. والأحوال الاجتماعية. ومن مصر ستنطلق وتصل مع الدارسين الليبيين فيها دعوات أخرى لتنظيمات الأخوان والقوميين العرب والبعثيين وصفوف اليسار. كانت الأجواء في المنطقة مواتية وجاهزة بالكامل لهذه الدعوات والشعارات والصيحات الجديدة.
وفي العام 1949 كانت المنطقة العربية قد بدأت تهتز بهدير الدبابات في طريقها نحو الإذاعات. حدثت ثلاثة انقلابات عسكرية في سوريا وحدها وفي مدد متقاربة. الأول بقيادة حسني الزعيم في مارس والثاني بقيادة سامي الحناوي في أغسطس والثالث بقيادة أديب الشيشكلي في ديسمبر.
المنطقة تتجه نحو مسار آخر مع هذا الحراك السياسي الذي يسودها في جانب آخر تمثل في الأحزاب والتجمعات السياسية والفكرية والدينية. وحصلت هنا بدايات من الصدام والصراع الذي أدى إلى الهلاك في نهاية المطاف وأوصل المنطقة إلى حافة مزعجة من الانهيار والتخلف وكل الأمراض.
ومع هذه الأحداث الساخنة والتفاعلات ثمة مقارنة جديرة بالذكر هنا.. في السادس عشر من يونيو 1949 فر إلى دمشق أنطوان سعادة زعيم الحزب السوري القومي الاجتماعي. وكان هناك في دمشق زعيم من نوع آخر يتحسس مسدسه على الدوام. كان سعادة وفقا للمصادر ينوي إعلان ثورة في لبنان من تلال دمشق القريبة. وافقه الزعيم المقابل على مده بالسلاح والعتاد اللازمين لإنجاح (الثورة) ضد بشارة الخوري ورياض الصلح.
وتوكيدا للصداقة التي حدثت أهدى الزعيم حسني للزعيم سعادة مسدسه الخاص عربون صداقة ومحبة. لكن الحسابات الخاصة بالغدير لم توافق تلك التي تتصل بالنهر. لم يحدث التزام بالوعد. أعلن سعادة ثورته في 4 يوليو 1949 وهو في حالة اللجوء السياسي في سوريا وفي كنف زعيمها مؤملا الأمن والأمان. لكن الزعيم سلمه إلى لبنان يوم الخميس 7 .7. 1949. ليعدم هناك. ولتنكشف لعبة وراءها حسابات دول من الجوار في مقدمتها مصر.
الزعيم سلم الزعيم في ذلك اليوم. ويوم الجمعة 8 يوليو وصل الثلاثة إلى بنغازي وحماهم الأمير ورفض تسليمهم أو إعادتهم إلى مصر. وفي أعوام قادمة سيتوالى نكث العهود بين أطراف عديدة. اللجوء السياسي يصبح مدعاة للسخرية. تشهد المنطقة الكثير من عمليات التسليم والاستلام هنا وهناك في رحاب العروبة.
المعتمد البريطاني في برقة دي كاندول حاول الضغط على الأمير إدريس لتسليمهم إلى بلادهم مصر. كان يشعر بالحرج تجاه سياسة بلاده ووجودها في مصر، لكن إصرار الأمير ومراعاته للتقاليد العربية وأصول الحماية وإجارة الملهوف.. كسرت تلك المحاولات ولم تنجح في ذلك الصيف القائظ جدا في بنغازي.
ثم البرلمان أدلى بدلوه في الموضوع الراهن. عقد جلسات خاصة رغم حرارة الأجواء.
.. وماذا وقع أيضا؟!
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات