المشهد الأول
المحلل السياسي ضارب ودع بامتياز، خاصة إذا ما كان هذا المحلل بصدد تحليل فيلم أميركي، على شاكلة: هل يدخل بايدن الحرب لأجل إعادة انتخابه، أم يأخذ بمطلب كل محازبيه وأهله ومعاضديه، فيجنح للسلم، وذلك بالانسحاب وترك المهمة للمجهول؟، لم يكن ثمة ضارب ودع يمكنه الإجابة على هذا السؤال، قبل إلقاء جو بايدن متلعثما إعلان انسحابه، كما لا يمكن للمحلل ذاك معرفة نهاية هذا الفيلم الأميركي الطويل: الانتخابات الأميركية ما بطله دونالد ترامب.
العم سام الهوليودي!
اجتاحت هوليود العالم، لما كنت صغيرا، اصطحبني أبي وخالي أيضا إلى السينما، كنت أشاهد أفلام الكاوبوي الأميركية ثم الأكشن دون استمتاع، الغريب أني في مراهقتي أيضا، لم أستمتع بالأفلام الرومانسية الأميركية. الأفلام الأميركية، بدت غير واقعية لعقلي الطفل، حيث شخص واحد يتغلب على الجميع، يغلب العشرات بعضلاته الفولاذية، أو بمسدس محدود الطلقات، وهو دائما على حق وغيره من المجرمين.
علاقتي الواقعية مع أميركا، اليانكي، العم سام، لم تختلف نوعيا، عن علاقتي بالأفلام الأميركية، بطبيعة الحال، مثل أغلب شباب العالم والعرب خاصة، كنت ضد السياسة الأميركية في العالم، وخاصة في عالمنا العربي، بل حتى في أميركا نفسها.
لكنَّ هناك أمرا يخصني، جعل العلاقة الشائكة عندي مرتبكة، بين بطل الفيلم الأميركي الذي لا يُهزم، وأميركا أعظم قوة بشرية في التاريخ حتى الآن، وبين الهزائم التي تُمنى بها أميركا، كما يظهر، حيث كان الجيش الأميركي.
لقد كنت مدمنا على مجلة سوبرمان، ومجلة الوطواط الأميركتين، ما يُترجمان ويَصدُران في لبنان، فيكونان في مكتبات بنغازي أسبوعيا، ما في هاتين المجلتين من محتوى، بدا لي معقولا، فالسوبرمان رجلٌ خارق القوة، جاء من كوكب آخر، أما الوطواط فيغلب بمساعدة آلات، وبخطط ومع أشخاص محدودين، ويُهزم بين الحين والآخر، مع المراهقة قاطعتُ الأفلام الأميركية، واحتجت إلى وقت كي أعود لمشاهدتها.
المشهد الثاني
الآن بات جو بايدن خارج السباق الانتخابي، وعلى الرقعة يزأر دونالد ترامب وحده، في انتظار معرفة الخصم القادم، بعد فوزه على جو بضربة العمر القاضية: الزمن. لا أعتقد بل وأجزم، ألا ضارب ودع يعرف من الخصم التالي في مواجهة دونالد على الحلبة.
وأيضا أميركا ضاربة ودع
نعرف جميعا، أن أغلب الساسة منذ قديم الزمان، لا يقدمون على اتخاذ قرارهم الخطر، إلا وقد منحهم منجموهم الشارة، وبعد هذا فإنهم لا يثقون في أحد، قدر ثقتهم في حدسهم. أما التنجيم، فقد يلبس أيضا روح زوجة الرئيس، كالرئيس الأميركي رونالد ريغان، من أطلق حرب النجوم، ومن في عهده سُلبت روح الاتحاد السوفيتي!.
إن السيدة نانسي ريغان، وقد كانت زوجة ريغان لمدة 52 سنة حتى وفاته، مثلت الدرع الواقي لزوجها، وقد استعانت بعرّاف، ليساعدها في تخطيط الجدول الزمني للرئيس، الذي ذكر ذلك في مذكراته الصادرة 1988م. وقد كتبت نانسي فيما بعد تبرر فعلها: «كان التنجيم، أحد الطرق التي لجأت إليها لأطمئن نفسي، بعد الذعر الذي أصابني، حين أوشك زوجي على مفارقة الحياة»....
هذه المقاربة المفارقة، تبدو وكأنها السبيل عند جموح السبل، فحتى السائس الماهر، تغلبه الخيل الجامحة. ومن ذلك فإن كان للبيوت أسرارها، فإن السياسة بيت الأسرار، فالقرار السياسي يكبر ككرة ثلج، حتى يكون جبل الثلج، ليس للقاصي بل وللداني أيضا، بخاصة في أنظمة الحاكم الفرد. ومن يعرف المسرح، يعرف أن المخرج قد يفاجيء نفسه، أثناء عملية الإخراج، فما بالك بالممثلين، فالسيناريو ملاحظات على الورق، لكن تجسيده على يد البشر، يتكيف وفق المعطيات والمقاربات والتفاعلات.
عقب المناظرة المسبقة بين جو ورونالد، كتب الصحفي الأميركي الألمعي توماي فريدمان مقالة بمثابة بيان للحزب الديمقراطي، اعتبر فيه أن المناظرة كما ضربة قاضية، أكدت وهن مرشح الحزب جو بايدن، وبالتالي رأى أنها مؤشر هزيمة فادحة، عليه طالب بايدن بالانسحاب.
الكثير من متابعي فريدمان يرون أن مقالة كهذه علامة من علامات القيامة الآن، أي أنها كما قرار يجب اتخاذه، وأنه سم سقراط واجب التناول. لكن رغم ما تحقق بعد من انسحاب بايدن، فإنه يبقى ضرب ودع، في الفيلم الأميركي الذي بطله المفارقة ترامب، ومنه أن العالم يغرس قدميه في قادم لا يتبينه، وإن عرف مبتداه فلا خبر له حتى قيام الساعة!
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات