بعد مرور 13 سنة على الخروج الشعبي لثورة 17 فبراير، أصبح المشهد السياسي في ليبيا ملتبساً ولا رؤية واضحة تبدو في الأفق، لكن يمكن القول إن 50% من إشكالية الانسداد السياسي المتكرر، هي أزمة مسار تأسيسي بالدرجة الأولى، أما مسألة الحكومة ومتعلقاتها من هشاشة الوضع الأمني، والمشكلة الاقتصادية فهي مسألة مضاعفات وتداعيات تابعة. وقد كانت التدخلات الأجنبية هي مسألة مضاعفات باعتبار أن التغيير السياسي حدث بتدخل أجنبي، مما أنشأ انقساماً رأسياً زاد مع السنوات وكون أزمة ثقة بين الأطراف. لذا فباضطراب المسار التأسيسي دستورياً، بالإضافة إلى التدخل الأجنبي، أضحى الحوار الليبي -الليبي مجرد حوار عدمي، ومختزلا في المحاصصة وتقسيم السلطة لا تكوينها والذي كان غالباً ما ينقطع بحرب. واتفاق الصخيرات لم يعالج المشكل لأنه اتفاق تقاسم سلطة لم يتضمن حل مشكل القوات المسلحة والمحاربين ولا إجراءات احترازية لمنع عرقلة تداول السلطة ولا معالجة للفراغ الدستوري.
في هذه المقالة يمكننا تقديم رؤية أطلقنا عليها «الورقة البيضاء» لمعالجة الانسداد في ليبيا تتناول ثلاثة محاور الأول: هو عرض مشكلة المسار التأسيسي، ثم الرؤية لبند الديباجة وما بها من أحكام دستورية، ونختتم برؤيتنا الثالثة وهي كيفية تنفيذ الأحكام الختامية.
ديباجة
والمحور الثاني كما أسلفنا هو ديباجة الاتفاقية، وتتكون الاتفاقية من ديباجة وخمسة بنود هي كالاتي:
«نحن الأطراف السياسية، ورغبة منا في إنهاء النزاع حول تداول السلطة الذي بدأ بالخروج الشعبي للسابع عشر من فبراير والذي تخلله تدخل دولي، وإيماناً منا أن لا حماية للمدنيين ولا استقرار ولا سلام دون تداول سلمي على السلطة من غير احتكار في حزب أو جماعة أو عائلة أو قبيلة أو مدينة، نوقع على هذه الوثيقة، بشهادة الدول الصديقة لإنهاء النزاع، وتأسيس إطار دستوري وسلام مستدام في ليبيا، تتكون فيه دولة حديثة قائمة على الديمقراطية المستدامة، التنمية المستدامة، سيادة القانون، والكرامة الإنسانية كقيم دستورية عليا في النظام الدستوري للدولة الليبية، وعليه نتصالح ونتفق على هذه البنود»:
بند العدالة الانتقالية: في هذا البند توضع نقاط تعالج القصور الذي حصل في العدالة الانتقالية، بالإضافة إلى تقنين التحكيم الشعبي، كمؤسسة ضرورية تعالج مسائل العدالة الانتقالية للوصول إلى مصالحة وطنية مجتمعية، حتى لا يجري إرهاق القضاء. أيضاً في هذا البند يجرم الاستبداد بكل صوره، وتجري إدانة سوء استخدام السلطة من 1969 إلى وقت توقيع الاتفاق ...
بند القوات المسلحة والقوات المساندة
تحت هذا البند توضع آلية لتوحيد القوات المسلحة في كامل التراب الليبي، وتفكيك التشكيلات المسلحة على الأقل وظيفياً، بما لا يسمح بالتضارب الوظيفي بينهم. ويجري تقديم هذا من قبل حكومة الوحدة الوطنية قبل الانتخابات بالتنسيق مع القيادات. وإن تعذر ذلك، تعتبر لجنة «5+5»، لجنة مركزية لقيادة القوات المسلحة تحت إمرة القائد الأعلى المنتخب، المتمثل في رئيس الدولة المنتخب، الذي من ضمن مسؤوليته توحيد القوات المسلحة. ويتعهد الأطراف الموقعون على الاتفاق بالولاء لمنصب رئيس الدولة المنتخب، بغض النظر عن الشخص ما التزم بمدة ولايته الدستورية ولم يتجاوزها، وتنفيذ سياساته في ما يتعلق بتوحيد القوات المسلحة، وإلا تعتبر وحدات متمردة تحت طائلة العقوبات وفق القانون العسكري، وهذا الاتفاق. ناهيك عن ضم المتمردين إلى قائمة العقوبات الدولية.
بند الدستور والتعديلات الدستورية
1- يكون شكل الدستور في الدولة إما مدون في وثيقة واحدة، أو أكثر من وثيقة، أي مسار الدستور الشكلي أو الموضوعي. ونطاق التعديل الدستوري في التصحيح أو التوضيح أو الإصلاح أو الترميم. ومقترح التعديل الدستوري يطرح من السلطة التشريعية أو رئيس الدولة، أو مبادرة شعبية من قبل مواطنين موزعين على ثلثي مجموع البلديات أو المحافظات ما لم تنص الوثيقة الدستورية على النصاب. ويجري اعتماد التعديل الدستوري عبر الاستفتاء الشعبي ويصادق عليه من رئيس الدولة. وقد يكون الاستفتاء على مقترح واحد للتعديل الدستوري أو أكثر. ويحظر التعديل الدستوري أو الاستفتاء على مشروع دستور في حالة تهديد وجودي للدولة، أو قيد ظرفي موضوعي مؤقت يضعه المشرع. وحد التعديل الدستوري تعديل واحد في الولاية البرلمانية الواحدة.
2- إرجاء الاستفتاء على دستور شكلي في وثيقة واحدة إلى حين إزالة الآثار المادية للحروب. إلى ذلك الحين، يعرض مشروع الدستور أو الوثيقة دستورية المتفق عليها على لجنة تنقيح، ويصوت عليه بغالبية الثلثين من غرفتي البرلمان الجديد، إن لم يتمكن البرلمان الحالي من التصويت عليه بغالبية الثلثين. ويجري إصداره كدستور مؤقت أو كقانون أساس دستوري.
3- في حالة الاتفاق على وثيقة دستورية أخرى، يحال مشروع الدستور 2017 إلى اللجنة الدستورية في مجلس النواب القادم، ويستعان به كمسودة أولية في اعتماد دستور مستقبلاً.
4- في حالة الخلاف بين السلطات أو الانسداد السياسي، تطرح المسألة على استفتاء شعبي في صيغة مقترح واحد أو ثلاثة مقترحات كحد أقصى.
5- في حالة تأخر إصدار قانون للانتخاب من قبل السلطة التشريعية لمدة أسبوعين، يصدر رئيس الدولة مرسوماً بقانون انتخاب لفترة انتخابية واحدة فقط بعد إخطار السلطة التشريعية.
بند إجراءات احترازية لتداول مستدام على السلطة
1- رئيس السلطة التنفيذية الانتقالية سواء من كان بصفة رئيس دولة أو صفة رئيس وزراء أو كليهما، لا يحق له الترشح إلى الانتخابات الرئاسية التي تعقب الفترة الانتقالية مباشرة لمدة فترة انتخابية رئاسية واحدة، بيد أن لا مانع من الترشح للانتخابات البرلمانية. وذلك للحيلولة دون مخالفة عرقلة انتقال السلطة. والتي تعتبر مخالفة بغرامة مالية يحددها قاضي الموضوع إن لم يوجد قانون، بالإضافة إلى حرمان من دورة انتخابية رئاسية أخرى.
وفي حالة العود ترقى إلى جنحة، وترقى إلى جناية في حالة العود المتكرر والذي يحدد عقوبته المغلظة قاضي الموضوع إن لم يوجد قانون. (تفسير: عدم الحق في الترشح ليس بإطلاق وإنما مقيد في الانتخابات التي تعقب الفترة الانتقالية مباشرة، وتسبيب ذلك هو لعدم استخدامه موارد الدولة في الدعاية الانتخابية أو تجاوز مدة ولايته وبالتالي عرقلة انتقال السلطة).
2- العسكري الذي كان في منصب قائد الجيش، أو كان في منصب وزير أو رئيس السلطة التنفيذية الانتقالية لا يحق له الترشح للانتخابات الرئاسية التالية للفترة الانتقالية ولا الانتخابات البرلمانية لمدة فترة انتخابية واحدة قابلة للتمديد إذا مارسوا عرقلة التداول السلمي على السلطة، وحقهم محدود في الانتخابات المحلية.
وقادة الوحدات العسكرية أو شبه العسكرية وأمراء حرب أهلية، أو الذين كانوا مسؤولين على مصلحة مدنية تحت إمرة أمير حرب أو قائد وحدة عسكرية، وإن كانوا مدنيين أصالة، ليس لهم الحق في الترشح إلى الانتخابات الرئاسية أو البرلمانية التي تعقب الفترة الانتقالية لمدة فترة انتخابية واحدة، قابلة للتمديد إذا مارسوا عرقلة التداول السلمي على السلطة، وحقهم محدود في الترشح إلى الانتخابات المحلية. أما من ثبت عليه التحريض على عرقلة التداول السلمي على السلطة بقول أو فعل كمحاصرة مراكز انتخابية، أو تهديد مرشحين، أو التهديد بالحرب، أو عرقلة قيام مؤتمر تصالحي أو تشاوري، عندها يمنع المعرقل من دورة انتخابية واحدة برلمانية ورئاسية مع التغريم المالي الذي يحدده قاضي الموضوع إن لم يحدده قانون.
وفي حالة العود المتكرر يحدد العقوبة المغلظة قاضي الموضوع إن لم يحددها قانون والتي قد ترقى إلى جناية. ويمكن الاستثناء من الاستبعاد من الانتخابات، في حالة توقيع المعنيين مذكرة تعهد فردية أو جماعية يصادق عليها البرلمان بغالبية الثلثين، وإن كان البرلمان متكوناً من غرفتين، فيتطلب تصويتاً بغالبية الثلثين من كل غرفة. والتعهد له قوة القانون، ومخالفته تعتبر جنحة يحدد عقوبتها قاضي الموضوع إن لم يحددها قانون. أيضاً يمكن تخفيف العقوبة في حالة العود المتكرر فيما يتعلق بمعرقل انتقال السلطة ومعرقل تداول السلطة، بعفو رئاسي على جزاء تصالحي، بغرامة مالية وفق تقدير رئيس الدولة، في مشاريع للصالح العام.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات