فوز اليسار الفرنسي في الانتخابات، العاجل غير المتوقع، قبله ثمة إجماع باكتساح اليمين المتطرف الانتخابات في فرنسا، أيضا لم يثق الكثيرون في عودة حزب العمال إلى السلطة في بريطانيا، عند الإيرانيين أيضا نتائج الانتخابات مفاجئة. لقد ارتاح كثيرون في العالم إلى النتائج غير المتوقعة، باعتبار أنها مؤشر على قلب الطاولة على اليمين والتطرف، وبالتالي ضربة غير متوقعة للاعقلانية ما اجتاحت أوروبا، وكأن ملاكم العقل الذي نجح في كسب الجولة قد يكسب الرهان. لكن الحقيقة أن كسب هذه الجولة مؤشر على أن البشرية في خطر، وأن العالم على كف عفريت.
ثمة تغريدات ثالوثية، تشبه الدين لهذه اللحظة الاستثنائية، لكنها قديمة جديدة من ناحية، ومن أخرى هي تغريدة واحدة منشطرة، وكالبصلة لا لب لها لكن كل قشرة فيها اللب، ونعني بذلك في اختزال واختصار مخل: المرض كالفيروس كورونا، والخلل المناخي كالاحتباس الحراري، والهجرة كالهجرة غير النظامية. وأما الخطاب الأيديولوجي اليميني، فيتخذ من هذا الثالوث سيفا مقدسا لحربه الصليبية، فتبرير وجوده باعتباره المخلص الأخير. التغريدات القاتلة تتمظهر كسيمياء للهويات القاتلة، التي تغير جلدها كالحية لتحيا، وتتمظهر كزحف مقدس ضد الثقافة، معتبرة سدنة التنوير كيسار ملحد تآمري، فتتسور بأسمنت مسلح من التعصب العرقي، ذي الطابع الديني، مستعيرة الفاشية كطريقة، لكن في صيغة العصر بالضرورة، ولسان حالها: المرض غير حقيقي، فالكورونا وسيلة لمحاربة النمو الاقتصادي، وثقب الأوزون احتباس حراري في أدمغة تتخذ العلم تقية، أما الهجرة فغزو خارجي يهدد كيان الدولة. فتشيطن معضلات العصر هذه باعتبارها الفيضان، والخطاب اليميني سفينة نوح.
إذا هذا حال خطاب اللاعقلانية الغربية ومن ينسج على منوالها، في مواجهة هذه المستجدات الخطرة، ومرجعية هذا الخطاب/ تغريدات واقع الحال، هو الطور الجديد في الأزمة، التي واكبت المجتمعات الحديثة وانعكاساتها على العالم، منذ نشأة الرأسمالية الغربية كما رصدها المفكرون الغربيون العقلانيون، ثم واكبها البحاث العلماء والاقتصاديون، وكان الفنانون والمبدعون عامة قد عبروا عنها مبكرا. لكن هذا الطور يجيء، وقد استنفدت سرديات كبرى مقارباتها، ما أضحت في قسم التاريخ بالمكتبات وبالمتاحف، مع تطور نوعي ونقلة تكنولوجية لا مثيل لها. وقد أشار الفيلسوف زيغومت باومان، إلى هذه اللحظة باعتبارها الحداثة السائلة، التي تشير إلى المعاناة من الأرق، وكوابيس الخوف من التخلف عن الركب، أو السقوط من نافذة مركبة تسير بسرعة فائقة.
وفي هذه اللحظة الانتخابات تتم في العالم، متتالية وعلى جناح السرعة، لكن لا يواكبها أي حراك جماهيري، فهناك إجماع على عدم الثقة في الأحزاب وتلك الانتخابات ونتائجها المعتادة. وليس ثمة مراهنة ما على أي شيء، فلم يعد للخوف من المستقبل ومن الحرب والتهديد النووي مقام، وأيضا العيش على كف عفريت اللحظة الراهنة لم يعد له معنى ما. لقد لعب فيروس كورونا في الأدمغة البشرية، فجعلها خالية من التفكير كما أخلى الشوارع، فيما الاحتباس الحراري أنهك الأجساد وجعلها على عروشها خاوية، أما الهجرة فأمست كإنفلونزا معتادة، وإن تحمل على أسنة الرماح. ويحدث هذا والحروب تضرب العالم، أو تخيم أجواؤها على الأقل، ويلاحظ أستاذ الاتصالات الرقمية الأسترالي روب كوفر، أننا فقدنا كل قاعدة معيارية معهودة تتعلق بالحياة اليومية، خاصة في هذا الزمن، حيث إننا على مشارف مستقبل مجهول نمضى قدما إليه. وتبدو البشرية في هذه اللحظة أكثر هشاشة مما هي عليه في أية لحظة، ولهذا تعلو صيحات شعبوية وتثار غرائز، في مواجهة مسائل وحقائق ساطعة ومهددة للبشرية.
كرة الأرض تشيخ وزعماؤها أيضا شاخوا، وفي هذه اللحظة الاستثنائية المليئة بالتناقضات يرتبك النهج، ما يصيب عقولنا بالوهن، الذي كلما تفكرت فيه يستعصي. في هذه اللحظة الاستثنائية، التي قد تكون أول لحظة بشرية شاملة تجتاح كل مكان، وتضرب كل بشرى مهما تضاءل شأنه، وتهدد المستقبل والآن وهنا بتغريدات قاتلة، ليس بإمكان أحد تفاديها مفردا، مهما علا شأنه وملك من قوة.
وثمة ترابط بين واقع الأرض وحال البشرية والمعيارية التي ينظر بها، فإن خطاب الهشاشة يعبر عن قطيعة متفاقمة، مع النظرات السابقة للأزمات المستجدة، ومن هذا فالحاجة الملحة لنظرة جديدة، لكن الانتخابات رغم نتائجها غير المتوقعة ما زالت أسيرة الأزمات وردود الأفعال، ما يفصح عن أن الأحزاب تلفظ آخر أنفاسها وأن كل من فيها يغرد على ليلاه، وأنها تحصد ما زرعت ليس إلا، فديمقراطية الأحزاب باتت ديمقراطية بائتة تقليدية ولا تفي بالغرض، كما تؤشر نتائج هذه الانتخابات!
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات