Atwasat

وتستحي الثقافة الذكورية من أفعالها (10)

محمد عقيلة العمامي الإثنين 08 يوليو 2024, 03:42 مساء
محمد عقيلة العمامي

ما تقتنع به الثقافة الذكورية تجاه نصفها الآخر، تنفذه، ولكن فيما يبدو هناك من الذكور، وبالتأكيد الإناث، من يستحي مما يُفعل بالإناث. ويفسر الأستاذ الغذامي في فصل: (الثقافة حينما تستحي من ثقافتها)، مشيراً إلى أنه هناك حيل كثيرة وظفت للتعبير عن رأي الذكر في الأنثى، والسخرية منها، مؤكداً أن ذلك جلى الوضوح في حيل، وأساليب متنوعة قام بها الذكر نحوى الأنثى. مبرزاً أن الأمثال، والأساطير وظفها الذكر للنيل من صورة المرأة وذكائها، والعجيب أنها انتشرت حتى وصلت إلينا من دون أن نعرف مصدرها، أو مؤلفها، ويقدم لنا مثالاً حيّاً وظف فيه رمز جمال المرأة، وهو تمثال (أفروديت) أو فينوس الذي لا يجده المرء إلا من دون رأس! كما لو أن الثقافة – الذكورية – تريد أن تؤكد عبر العصور كافة أن الجنس اللطيف، بلا رأس، أي بلا عقل! يعنى جسد لا فائدة منه، أو معطل. ويستشهد أيضاً بتماثيل ومنحوتات للمرأة في متحف (بومبيدو) الفرنسي، بأعضاء جنسية ضخمة ورؤوس فارغة! أحد التماثيل برأس امرأة كحبة زيتون، ونهود وأعضاء تناسلية ضخمة!

ويتساءل من قطع رأس فينوس، وكسر يديها؟ ويجيب أننا لا نستطيع الإجابة عن هذا السؤال، تماماً، مثلما لا نعرف مؤلفي هذه الأمثال والأساطير. الثقافة، إذن، مثلما يورد المؤلف تداري سوءتها من خلال مثقفيها لرفض هذه الأفكار والتعبير بصور غير مباشرة عن هذا الرفض، ويستشهد بحكاية الأديب توفيق الحكيم عن تمثال (بجماليون) الذي تنهيه حكاية الحكيم بتحطيم رأسه! ويضيف الموضوع مستعيناً ببيت قصيدة للشاعر عمر أبوريشة عن حبيبته التي غابت عنه سنوات، وعندما قابلها بعد زمن وتغيرت بالطبع ملامحها، ولم تعد كما كانت في شبابها، فينهي قصيدته بقوله: «أخشى تموت رؤاي إن تتغيري... فتحجري».

(فينوس) نموذج جمال الأنثى، صامتٌ راكدٌ لا حياة فيه، وبلا رأس ولا يدين، وذلك بالتأكيد إشارة مجازية تقول أن الأنثى لا تحتاجهما! وأن أي تغير في جسد الأنثى بسبب العمر مرفوض. وهذا ما جعل الشاعر أبوريشة يطلب منها أن تتحجر كفينوس!

ويختتم الأستاذ الغذامي فصله هذا، مبرزاً أن التحجر هو معادلة تنجزها الثقافة لتأكيد الرؤية المترسخة في عقول الذكور الباطنة، ولعل ذلك يبرز أن أية إضافة حيوية ليست سوى نقص في الجمال الجسدي، وأن كل حيوية في الجسد الأنثوي يصبح ميزة، تعطل اللسان، ميزة حتى أنهم استحسنوا اللثغة في الحسناء، والعجيب أن الشاعر أبوريشة، عندما شاهد فتاة عمياء أنشد مبتهجاً بإحساس فحولي قائلاً:

عيونك أجمل ما في الوجود *** لأنك لست ترين بها
وهكذا كل ما يعطل حاسة فعالة خلقها الإنسان للأنثى، كالرأس واللسان واليدين زاد من جمالها، حتى إن الشعراء طلبوا تحجر الجسد ليكون أبكم!

فمن قطع رأس فينوس؟ ومن قطع يديها، سوى إنسان هذا العصر، الذي يقول عن الفتاة الناشطة، المتعاونة الممتلئة حيوية وابتسامات منشرحة: «كويسة، مرحة دمها خفيف، وخدومة... لكنها ليست رصينة، (طايره شوي) ..».



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»