قد يسعى الإنسان إلى توظيف ما يملكه من قدرات ومهارات في التعامل مع المواقف الصعبة التي يعيشها العالم من خلال التغيرات الفجائية في المناخ السياسي، وهو المزاج العام وآراء المجتمع السياسي في وقت معين التي تُستخدم عادة لوصف الحالة المزاجية والرأي عندما تكون غير مستقرة بدلا من أن تكون في حالة توازن بشكل إيجابي في جعل المواطن يشعر بالأمان والهدوء والطمأنينة عند اتخاذ القرارات المصيرية، إلا أنه يتراجع في اتخاذها استشعارًا منه بالخوف والقلق والاكتئاب، والمشاكل النفسية والاجتماعية، والمؤثرات التي تحدث نتيجة التقلبات في المزاج العام لدى المجتمع، وكيفية التعايش معها كأسلوب حياة، حتى تتحول تدريجيا إلى فقدان الثقة، وعدم القدرة على التركيز على المدى البعيد، مما يؤثر سلبيا على حياة واستقرار التكتلات والتجمعات البشرية!
وأفادت العديد من الدراسات والأبحاث العلمية بأن هناك الكثير من العوامل التي تؤدي إلى حدوث أزمات سياسية واقتصادية واجتماعية كبيرة مثل: النزاعات الدولية، والاضطرابات السياسية،
والتدخلات السافرة في الشؤون الداخلية للدول، وعدم الاستقرار في المنطقة، كما هي الحال مع الوضع في ليبيا بعد انتفاضة فبراير وتداعياتها السياسية التي تشهدها البلاد نتيجة الأزمة الخانقة، وعدم وجود إرادة حقيقية في التصدي لها، مع التحديات الأمنية بصورة خاصة، ومن ثم السياسية والاقتصادية التي كانت لها انعكاسات سلبية على الشارع الليبي، وعجزه التام عن مواجهتها.
عندما تكون الأمور في غير نصابها، والمعايير مقلوبة رأسا على عقب، وكلٌ يرى نفسه الحق، وتتصحر العقول، وتجري المياه الضحلة في مسارب وشرايين الأودية وسهولها الفيضية، تنبت الأعشاب الطفيلية في مستنقعات الوحل، وتنشر الأوبئة وتنثر نتانتها لتزكم الأنوف، وتعمي البصيرة، وتبسط الشجيرة الشيطانية فروعها وأوراقها لتفترش الأرض خبثا ونكدًا، وعلقًا وغصة!!!
من هنا بدأت الأزمة وتأزمت الأوضاع في البلاد، وأصبح المصير الحقيقي هو عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي، الذي بات يهدد حياة المواطنين منذ سنوات بسبب المراهقين السياسيين الذين كانوا يعيشون تحت وطأة الفساد الإداري والمالي، ولا يكترثون لِمَ آلت إليه الأمور من تفاقم الأوضاع في ظل وجود حكومات متعاقبة إلى أن صارت متزامنة تتقاسم السلطة الحاكمة في الدولة، على الرغم مما يحدث من خلافات جوهرية بينهما من جهة، وبين حملة السلاح من جهة أخرى! مما زاد في حدة التوتر بين القوى المتصارعة على الأرض، ومحاولة السيطرة عليها بشكل كامل، حيث يحاول كل منهم فرض سيطرته على أكبر جزء ممكن من الجغرافية الليبية، لكسب مزيد من أوراق القوة التي تمكنه من كسب تأييد شعبه، وبسط نفوذ قواته المسلحة على مقدرات البلاد ومنافذها الحدودية، برا وجوا وبحرا، والفوز بنقاط قوة أخرى من أجل التفاوض مع الأطراف المعنية بالحوار تحت خاصية المد والجزر.
وفي ظل سعي كل طرف في تعزيز دوره السياسي والعسكري حتى فاقت اللامعقول، تدعمه نرجسية أطراف الصراع الداخلي، وخبث الطرف الأجنبي كحديقة خلفية موجودة في شكل منظمات حقوقية وخيرية دولية وإقليمية بادعاء الأخذ بيد السلطات المحلية في البلاد عن طريق تبني لقاءات ومؤتمرات علمية وتثقيفية خارج الوطن بدعم مجهول المصدر!! كما تتبنى دورات تدريبية لفئات منتقاة من المجتمع المدني تحت عناوين ومسميات مختلفة مثل المنظمات التي تعمل على تشكيل المجتمع المدني، والتي تتميز بشكل عام بأن الغرض من وجودها أهداف أخرى غير ربحية، إذ إن لوجودها أسبابا عدة تهدف إلى تحقيق مجموعة واسعة ومتنوعة من المشاريع والأنشطة.
وتتراوح المنظمات غير الحكومية من مجموعات الضغط الصغيرة، على سبيل المثال مخاوف بيئية محددة وانتهاكات محددة لحقوق الإنسان من خلال الجمعيات التربوية التعليمية الخيرية والجمعيات الثقافية وبرامج المساعدة الإنسانية، وأغراض أخرى ذات طابع استخباراتي، لجر المجتمع المدني وتنويمه تحت تأثير الشعارات السياسية والاجتماعية التي تشكل جزءا أساسيا من المسؤولية الحقوقية الدولية في مجالات متعددة، ومنها على سبيل المثال: مركز الحوار الإنساني الذي أسهم بشكل أساسي فى عملية اختيار أعضاء ملتقى الحوار السياسي الليبي! ولا نستثني من هذا الدور المشبوه السفارات الأجنبية التي تصول وتجول دون تدخل مباشر من طرف الدولة، في انتهاك صريح لقواعد القانون الدولي المنظم للعمل الدبلوماسي التي تتحكم في عمل البعثات الدبلوماسية الدائمة والمؤقتة.
وأحد المفاهيم الأساسية للقانون الدبلوماسي هو مفهوم الحصانة الدبلوماسية، الذي يشتق من حصانة الدولة وسيادتها، ولكن نرى تلك الأطراف تمرح سداح مداح دون رادع، تلتقي الرئيس والوزير، والقادة العسكريين، ورؤساء الحكومات والهيئات، ورجال القضاء، وزعماء القبائل، وحتى الغفير، وكأنهم الآمر الناهي والوصي على دولة مستقلة، وإن كانت تحت طائلة البند السابع. ناهيك عن الولاءات العشائرية التي طغت على المشهد السياسي، وأصبحت هي الأخرى في دائرة النفوذ والصراعات السياسية والاجتماعية، وكلٌ يغني على ليلاه!!
فصارت البيانات المؤيدة والداعمة، أو الرافضة والمستهجنة لعمل بعينه أو قرار ما من جهة ما لا تؤتي أُكلها، وهي تصدح من تحت أسقف مغلقة لا يتجاوز صوتها حيز المكان، فالكلمة الفصل للشارع، وهو الرافض والمؤيد وفق إرادة حرة غير مقيدة من خلال مظاهرات حاشدة أو اعتصامات عامة، لتعلن آراءها وتطلعاتها ببيانات تجد صداها في الداخل والخارج، وتبعث رسائلها الهادفة كمدخلات عن الرغبة في اجتياز الحواجز وتحقيق أمانيها لعالم يقدر المعنى الحقيقي لتحرك الشعوب المعبرة عن كسر قيودها بعيدا عن النعرات القبلية والجهوية والمناطقية، والتدليس والالتفاف على الانتصارات، وتغييرها لمصلحتهم، والتلحف بعباءة الحق المبطن، فالوطن يبنى بسواعد أبنائه البررة، ويهدم بهم أيضاً إذا ما تم توظيفهم بأجندة الطيور الناعقة!!
وفيما نحن فيه من تيه في المعايير والازدواجية، واختزال المواقف واحتكارها، والتمترس خلف الشرعية المنتهية الصلاحية، تُطرح الأسئلة الباحثة عن الإجابة الموضوعية: من يمثل من؟! ومن يرفض من؟! ومن يقاضي من؟! ومن يدين من؟! ومن يعتذر لمن؟! والسؤال الأكبر: هل لنا أن نعلم إلى أين نحن ذاهبون؟ أم إلى ربك منتهاها في موقع العلة للإنكار الذي اقتضاه قوله تعالى: «فيم أنت من ذكراها»، ولذلك فصلت، وفي الكلام تقدير مضاف، والمعنى: إلى ربك علم منتهاها.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات