لم أقرأ رواية، عربية أو غير عربية، تمور بهذا القدر الهائل من التوحش والضراوة التي يمارسها الإنسان على «أخيه» الإنسان، بل وعلى شريكه في الوطن والتاريخ والثقافة، و«تزخر» بهذا العدد الجم من الجثث والمقابر الجماعية.
إنها رواية جمعة الموفق التي اختار لها عنوان «الضحايا»*.
تعذيب بالغ البشاعة لا مانع من أن يفضي إلى الموت، فالذي سيموت ليس إنسانًا، وقتل، ليس بدم بارد مثلما يقال، ولكنه بغير دم. كما لو أن القتلة مخلوقات آليه مبرمجة على التعذيب والقتل.
في مقال قديم لي** تساءلت: «ما الذي يدفع إنسانًا ما إلى تعذيب إنسان آخر وحتى قتله؟!»
وكانت إجابتي:
«أعتقد أن الضمير الإنساني والمشاعر الإنسانية لا تسمح لأي فرد بإتيان مثل هذه الأفعال المؤذية والمهلكة ضد أي فرد من نوعه، أي من النوع الإنساني. بل لا بد من اللجوء إلى إوالية Mechanism نفسية تجعله يقوم بهذه الأفعال ضد إنسان مثله.
وتتمثل هذه الإوالية في «نزع الصبغة الإنسانية» عن هذا «الكائن» بحيث يشعر أنه لا يقوم بتعذيب أو قتل إنسان صنوه في الإنسانية وإنما ضد «كيان» آخر ليس له من الإنسانية سوى الهيئة. إنه «شيطان»، أو أي مسمى شبيه، يتخذ صورة إنسان، أو مسخُ إنسان».
وأضفت:
و«نزع الصبغة الإنسانية» هذا يتم بدوافع سياسية أو أيديولوجية (سواء من قبل نظام سياسي وأجهزته الأمنية، أو من قبل حركة مسلحة تعمل على إسقاط هذا النظام) أو لأسباب دينية. فهو «خائن للأمة، أو الشعب، أو الطبقة» في الحالة الأولى، أو «خارج عن الملة» أو «كافر» في الحالة الثانية. فالجلاد يحتكر الإنسانية لنفسه وينفيها عن خصمه أو عدوه.
وفي إطار «نزع الصبغة الإنسانية» هذا تجري أعمال التعذيب والتنكيل والقتل الجماعي التي تعج بها الرواية، والتي استمدها (ولا أقول استوحاها) مؤلفها من الوقائع التي جرت في مدينة ترهونة إبان سيطرة أنصار النظام السابق على المدينة، فأشاعوا الرعب والموت وحاولوا إبادة المختلفين معهم.
وكما ذكر د. عبدالحفيظ العابد في كلمة الغلاف، فإن قارئ هذه الرواية يجد نفسه بإزاء ما أسماه «شعرية البشاعة» حيث «... أجساد الضحايا التي تؤثث مشاهد البشاعة تبتني في الوقت نفسه جماليات هذا المتخيل السردي الذي يتخذ من المذابح الأخيرة في ترهونة مرجعًا له»
أريد أن أختم هذه الإطلالة على الرواية بملاحظتين:
الملاحظة الأولى، موقف الروائي من شخصياته، فالشخصيات «السلبية» لا تتمتع بحسن الهيئة وفظة السلوك، بينما الشخصيات «الإيجابية» حسنة المنظر وأنيقة ودمثة. أعتقد أن كاتب القصة والرواية ينبغي أن يكون محائداً إزاء شخصياته.
الملاحظة الثانية، الإكثار من إلحاق صفات سلبية على الأشخاص السلبيين. وسأكتفي هنا بمثال واحد:
«...كان يجره من ذراعيه سجانان نذلان» (ص 68)
أمثال هذه الصفات والنعوت زائدة، إذ ينبغي أن يستنتجها القارئ بنفسه من خلال مناخ الأحداث ومجراها.
* جمعة الموفق. ضحايا. دار الفرجاني. القاهرة (د. ت).
** https://alwasat.ly/news/opinions/75956?author=1
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات