Atwasat

مبرر وجود

منصور بوشناف الخميس 20 يونيو 2024, 08:51 مساء
منصور بوشناف

«الإنسان يبحث عن معنى» هو كتاب لعالم النفس «فيكتور فرانكل» قدمه لي الشاعر محمد قرين ونصحني بقراءته لأنه مهم كما يرى.

وقرأته وأدركت أن «قرين» قادني كخبير ممتاز إلى كتاب كنت بحاجة لقراءته منذ زمن بعيد وعلمني «قرين» والكتاب ليس حرفًا بل صفحات وتجارب أثرت بؤس أيامي المعرفي.

يسرد الكتاب تجربة مؤلفه «فرانكل» في المعتقلات النازية، ليس تجربته كمعتقل فقط بل كمعالج وعالم نفس متميز وسط ذلك الجحيم النفسي الرهيب، راصدًا انهيارات الذات الإنسانية وتجريدها من دفاعاتها التي منحها الله لها، لتواجه ليس بصدر عارٍ فقط، كما يقال، بل بكيان عارٍ تمامًا، ماكينات الدمار النفسي والجسدي الشامل.

كنت بالطبع ونتيجة لتجربتي السجنية الليبية البائسة قد قرأت الكثير من مذكرات السجناء وحفرت تلك التجارب في داخلي كهوفًا من الرعب، شلت قدراتي الدفاعية لسنوات حتى بعد خروجي من السجن وما زالت تفعل فيّ أفاعيلها أمام أي بوليس أو مخبر أو بوابة أو رجل مرور، ما زلت أسير متوجسًا وأدخل المطارات خائفًا وأغادرها خائفًا وأتجنب الكلام عن السلطة أو شتمها، كنت أتحرر فقط حين أكتب، فالورق والقلم مساحة الحرية الوحيدة التي ظلت لي وحفظت ما تبقى مني.

فرانكل المعالج النفسي والعالم كان يسأل مرضاه أولًا «لماذا لم تنتحر؟» بعضهم يجيب لتعلقه بأسرته أو أهله، بعضهم لأسباب دينية أو فكرية، أما بعضهم الآخر فلأنه يملك موهبة يراها مهمة ويريد الحفاظ عليها.

لقد ظل السبب الأخير سبب بقائي سجينًا وطليقًا مهمشًا طوال عقود من هذا العمر الصدئ، كما يقول خليفة الفاخري، ظللت أؤمن بأنني كاتب فقط لا غير وأن الكاتب هو ما علي الحفاظ عليه، أما ما تبقى مني فهوامش.

بالطبع هذه مناورة ممتازة للهروب من كل المسؤوليات، فلست مثقفًا عضويًّا رغم ولع مثقفي العالم الثالث بالعضوية على أية حال، بل لا يسكن أعماقي إلا «عدمي» صغير تربى على ميراث البير كامو وكافكا وصمويل بيكيت وهارولد بنتر، رغم فرويد وماركس ودارون الذين شكلوا عقلي الضليل.

لست أحب السجن ولا الحديث عنه، فلقد ألقيت به كله خلف ظهري وأنا أغادر بوابته الكريهة، كنت أريد الخروج بالكاتب والنجاة بما تبقى منه، كنت أخاف على الكاتب من رعب السجين ومخاوفه فهو أمهر القتلة للكاتب، السجين أخطر قاتل للكاتب، لا يقتله بل يبقيه هناك خلف تلك الجدران القاتلة، كان عليّ أن أطلق سراح الكاتب من أسر السجين المحبط والمدمر وبتعبير أدق «زومبي الحرية».

كتبت مسرحية «الإرث»، نشرت في كتيب صغير في تسعينيات القرن الماضي كنت قد بدأت كتابتها بعد خروجي من السجن بشهور قليلة، وانتهت تلك المسرحية على نحو مأساوي، فبطلها الذي يغادر السجن على أنغام «أصبح الصبح» يقتل الزوجة التي انتظرته والصديق الذي ساعدها على البقاء ويحرق البيت الذي بنته له.

اللعنة، هل كنت أشيطن السجين ونفسي؟

كلما تذكرت تلك المسرحية «الوقحة» الآن ألعن الفن لما يقوله لنا قبل أن يحدث.

كنت أقف من تلك المسرحية موقف القبيلة من زرقاء يمامتها.

الآن وبعد كتاب دلني عليه الشاعر «محمد قرين» أتساءل: هل كنت أعالج الكاتب كما كان يفعل «فرانكل» مع مرضاه؟ حيث ينبه المريض إلى جانب مضيء ونافع وله معنى في حياته يجعله يتشبث بالحياة رغم بؤسها.

«مبرر الوجود» كما يسميه فلاسفة الوجودية، تلك هي المسألة التي علينا أن نجدها لنبرر بقاءنا ووجودنا، أيًّا كنا وفي كل الظروف. وما عداها هوامش، ففي لحظات كثيرة تبدو حياتنا جحيمًا، وأوطاننا معتقلًا نازيًّا يجردنا مديروه من كل دفاعاتنا، من كل إنسانيتنا، ونكون بحاجة لذلك السؤال، لماذا لم تنتحر؟ لينبش كل في حياته وعذابه عن معنى أو بالأحرى عن مبرر وجود. نسميها هدفًا، أو قيمة أخلاقية أو دينية، لأننا إن لم نجد ذلك المبرر «الإنساني» فسنتحول إلى وحوش تقتل وتدمر ما حولها بحثًا عن الخلاص من الموت بالموت.