Atwasat

يا مرعي

منصور بوشناف الخميس 04 أبريل 2024, 10:55 مساء
منصور بوشناف

في لوحتك الأولى عن الموت تتخبط السمكة على الأرض بعد أن سقط حوض الزجاج وتناثرت شظاياه وسال الماء بعيداً عنها وتركها تختنق، جسد السمكة ينتفض ويرتعش ويتخبط بحثاً عن الحياة التي تناثرت شظاياها وسال ماؤها بعيداً.

السمكة في اللوحة لم تمت بعد.. إنها تتخبط ولا تريد الاستسلام.. تقاوم رغم عبث المقاومة.

في طريق المطار بطرابلس وأنت تقود سيارتك ترى حشداً من الناس يتجمعون حول سيارة مقلوبة ومهشمة خارج الطريق، توقف سيارتك وتهرع لترى.. كان ثمة امرأة أوروبية ملقاة على الأرض تتخبط في دمائها.. تشهق وتزفر الهواء كذبيحة قبل أن تسلم الروح.. لا أحد يقترب منها.. الكل واجم يحدق.. تحاول أن تحملها إلى أقرب إسعاف فيمنعونك «الإسعاف والشرطة في الطريق» يقولون لك. تتسمر واجماً مثلهم والمرأة تتخبط كذبيحة.

في اليوم الثاني تشرع في رسم لوحة السمكة وحوضها المهشم، لتخوض مع المرأة والسمكة المعركة الأخيرة ضد الموت.

في لوحتك الثانية عن الموت يموت العصفور الصغير الملون وهو يفر من داخل المرسم «مرسمك واللوحات «نحو» خارج المرسم واللوحات متلهفاً للفضاء والحياة والحرية، فنافذة مرسمك تطل على البحر والسماء وطرابلس وزجاجها نظيف وشفاف..

عصفورك المتلهف للفضاء والحياة والحرية يفرد جناحيه الصغيرين ويغادر اللوحة لتتسمر الفرشاة كأم ترى طفلها يهم بالقفز إلى الهاوية..

عصفورك الذي أعماه النور والعطش للحرية يصطدم بالزجاج الشفاف النظيف فيتهشم رأسه ويسقط ميتاً.. تبكيه الفرشاة والمرسم والألوان.

بعد خروجك من المستشفى إثر آلام العصفور الصغير قلبك، كنت واثقاً بأن الموت لم ينل منك وهزمته ولا شيء يستدعي القلق سوى السجائر، وتركتها.

في مرسمك ظللت تحاول الرسم دون أن تستطيع.. تلجأ إلى الأغاني الليبية القديمة كعصافير نجت من المذبحة وتدندن على «عودك» «خود الريشة يا فنان» دون أن تستطيع لمس الريشة.. تطغى أصوات القذائف على الأغاني وعلى خود الريشة وتنخرط القبائل في حربها على العاصمة وعلى البحر والمراسم والمسارح والكتب وعلى الريشة وترى أجنحة الوحش الأسود وهي تظلل، ثم تُغرق، كل شيء في ليلها الحالك السواد الطويل.

تدرك أن ساعة الخراب قد أزفت.. تحمل سنارتك وتمضي إلى البحر ملقياً خلف ظهرك بالحرب والقبائل والموت.. يطير قلبك العصفور خارج المرسم واللوحات نحو فضاء البحر، رغم معرفتك بأن زجاج شباك المرسم مقفل والعصفور ينتحر.

إذن، كنت أيها الساخر من كل شيء تومئ لنا مبتسماً رغم آلامك التي نعرف، أن الحوض سيتهشم والعصفور سيموت ولن تستطيع الفرشاة ولا الألوان إنقاذه.. كنت تكتب مرثيتك منذ سنوات، وترى موتاً هادئاً رغم تراجيديته.

تماماً يا مرعي، كما رأيت منذ سنوات «طرابلس وبنغازي وليبيا» حوضك الذي يمنحك الأكسجين يتهشم وتتناثر شظاياه شعوباً وقبائل متناحرة ويجف بحره لتختنق روحك كسمكة لوحتك وهي تتخبط على الأسمنت البارد الخشن.

تماماً يا مرعي كما رأيت منذ سنوات عصفورك «قلبك الطفل» يغادر فاراً من اللوحة والمرسم الذي تحاصره القذائف والصواريخ ليقتله زجاج بارد ومخادع.
ولكن يا مرعي «إن على الفن أن يتأمل الموت ليصنع الحياة» كما يقول «بوريس باسترناك» زمن حرب روسيا الأهلية، وهذا ما ظل فنك يفعله وظلت روحك تصرخ به.
«سلاماً أيها الأمير الحبيب
ولتصاحبك الملائكة مرتلة حتى مثواك الأخير».



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»