على الرغم من أن "السجن" بحسب القوانين والأعراف عقوبة تأديبية وجزاء قانوني أقرّته الدساتير الوضعية والشرعية لحماية المجتمعات من الجريمة وردع الجاني عن الجريمة أو تهذيباً له، أو لردّ حقوق الناس، ولكنه ليس عقوبة أساسية، بل هو عقوبة تعزيرية مناطة بالقانون العدلي.. إلّا أن الجريمة، باختلاف أنواعها الجنائية، استمرّت فيما عجزت الأنظمة عن وضع الحلول البديلة لمبتغى الإصلاح والتهذيب، أو بوضع الخطط العلاجية المستدامة للمجتمعات وتنميتها بما يكفل حماية الأفراد ورعاية حقوقهم للحدّ من نزعة الجريمة وتفشّيها في المجتمع.
ويظل "السجن السياسي" علامة بارزة في سجون الأنظمة القمعية، و"عقوبة فاشلة" تسيء للنظام السياسي أكثر ممّا تسيء للسجين السياسي، والنتيجة كانت دائماً في حبس حرية الجسد لا العقل والعاطفة، فقد يتأذى الجسد ويبقى العقل قوياً في تحدّيه للظلام ومتجاوزاً للقضبان حالماً بلحظة الحرية.. وأن معظم السياسيين والمبدعين من سُجناء الرأي في العالم كتبوا عن السجون من داخلها ومن خارجها بمنطلقات حقوقهم الإنسانية فأثروا المكتبة العالمية بأروع أعمال السيرة من المذكّرات والاعترافات وأبرز تلك الكتابات كان "أدب السجون".. فمن هؤلاء المبدعين من أمضى عقوبته القسرية باحثاً عن الجمال في زنزانته فكتب أعظم القصائد على جدرانها الفاحمة، وهناك من غادر السجن بأربع لُغات أجنبية وكانت تكفيه لُغة واحدة، وكأنّ "السجين" بهذا المستوى "الذاتي" كان في أكاديمية للفنون والصنائع دون قصد النظام والسجّان، فالنظام المستبد، أينما كان، تعمّد سجن "المثقّف" لكي يهلك صبره وينهي عقله قبل بدنه، ولم يُدرك للحظة أن حياة الإنسان لا تنتهي أبداً في زنزانة!
في المقابل هناك من يعيش في فضاءات الطبيعة الخلّابة وبراحات المدينة المزدهرة ويعاني السجن الأمرّ نفسياً، فيضيق به المكان كما الزمان.. ولعلّ هؤلاء كانوا أكثر سوءاً في الحياة العامّة لأنهم يعيشون بشروط محيطهم وقسوته فلا يبدعون من ذاتهم شيئاً.. بخلاف الذين انفكّوا ذهنياً عن محيطهم فكان "السجن" بزنزانته الضيّقة براح خيالهم وعنوانهم الكبير للحرية، تلك الحرية "المقتبسة" جمالاً من حال العصفور الصغير في القفص، لا تدري لمن ينشد ويغرِّد طوال الوقت، هل لذكرى العالم الفسيح الذي كان يعيشه طليقاً في الحياة مع أسرابٍ تشبهه تطير في السماء ويعبر معها الأشجار والأنهار، أم أنه يغرِّد تعبيراً عن حياته الهادئة داخل القفص يمرح برفّة جناح نزقة بين القضبان ثم يعود إلى السكينة على قشور القصب وعلّاقه صغيرة في شكل غصن تمرجحه في فضاءٍ محدود داخل أسلاك مزخرفة لزينة المكان كما لون العصفور!
في القفص كما في السجن، هي ذات الروح المتحفّزة لمبتغاها في الحرية، يحلم العصفور بإطلاق جناحيه في السماء كما يحلم الإنسان بإطلاق ساقيه في الريح، فالأرض والسماء هُما وجه الكون في حياة المخلوقات جميعها.. غير أن الإنسان بطبيعته الأزلية هو صانع الخيال الأكبر في الدنيا ويستطيع أن يعيش في السجن بذاكرة الحياة، ليس مع الماضي فقط، وإنما مع المستقبل الذي يراه بين القضبان دون انتباه السجّان، فيستطيع السجين أن يستحضر من الذاكرة رائحة البيت والعائلة والمقهى عوضاً عن رائحة السجن الكريهة، كما يستطيع أن يحيل أصوات أبواب الزنازين إلى أصوات أبواب السوق في المدينة، وهرج السُجناء إلى هرج الباعة في الذروة.. أما تعذيب الجسد فقد لا يخطئه المكان، سواء كان في السجن بتوصية المأمور أو في الخرابات على يدي المجرمين وقُطّاع الطُرق المبتزّين.. والتعذيب ليس من العدل بطبيعة الحال وإن وقع في سجن يدّعي الإصلاح والتأهيل، حينها فقط يخرج السجين عن طوره معتوهاً ومؤهّلاً لجريمة أكبر في المجتمع.
يظل السجن تجربة مريرة لمن عاشها شهراً أو عاماً أو أعواماً، ولا تختلف سجون العالم عن بعضها سوى في طبيعة النظام السياسي وجبروته ومزاج مأمور السجن والسجّان، فالسجون والمعتقلات في أوروبا ليست كالسجون والمعتقلات في البلاد العربية و"إسرائيل"، ولا يصف مرارة السجن وعذاباته غير السجين، أمّا السجّان فهو الشخص المريض النفسي الذي يقهر السُجناء في إنسانيتهم ويعود إلى بيته إنساناً مزيّفاً في علاقته بأهله وذويه، حتى الشوارب الكثّة التي يضعها السجّان على وجهه وصرامة عينيه وصوته القاطع لا تجعل منه إنساناً متّزناً وإنما حيواناً في شكل إنسانٍ بهيم.. إنها المهنة الغاشمة التي تعيش على الأذى فتتحوّل مع الوقت إلى مرض يؤذي البشرية فلا ينعم صاحبها في حياته بالأمن والأمان.
ولا يوم عالمي لسُجناء الرأي في العالم، وكأنهم في العِقابِ الجماعي منبوذون ومجرّدون من حقوقهم الإنسانية خلف أبواب الحديد، لكن ما يخفّف عنهم الوجع هو يقينهم بأن من يعيش خارج السجن ليس حُراً طليقاً كما ينبغي للطائر، وإنما سليب الإرادة في دنيا صارمة تحكمه بالأعراف والقوانين الوضعية.
- لعلّ أهم ما صدر عالمياً من مذكّرات واقعية عن الحياة في السجون كان منها هذه العناوين المقتضبة لسلسلة عالمية لا تنتهي من الأعمال التي تدين فكرة السجن من الأساس وتفضح الممارسات في ظِل غياب حقوق الإنسان والحُرّيات:
-"جيم كرو الجديد: السجن الجماعي في عصر عَمَى الألوان" (The New Jim Crow: Mass Incarceration in the Age of Colorblindness) بقلم "ميشيل ألكسندر"، وهو كتاب واقعي يستكشف تاريخ السجن الجماعي في الولايات المتّحدة وتأثيره غير المتناسب على الأشخاص الملوّنين. -"البرتقالي هو الأسود الجديد: عامي في سجن النساء" (Orange Is the New Black: My Year in a Women's Prison) بقلم "بايبر كرمان"، وهو مذكرات عن تجارب كرمان كسجينة في سجن فيدرالي للنساء. -"الشمس تشرق: كيف وجدت الحياة والحرية في انتظار تنفيذ حكم الإعدام" (The Sun Does Shine: How I Found Life and Freedom on Death Row) بقلم "أنتوني راي هينتون"، وهي مذكّرات حول إدانة هينتون الخاطئة وسجنه في انتظار تنفيذ حكم الإعدام لمدة 28 عاماً. -"هل عفَّى الزمن على السجون؟" (Are Prisons Obsolete?) بقلم "أنجيلا ديفيس"، وهو كتاب واقعي يرى أن السجون ليست وسيلة فعّالة للتصدّي للجريمة وأنه ينبغي إلغاؤها.
- "أرخبيل غولاغ" (The Gulag Archipelago) للكاتب "ألكسندر سولجينتسين"، وهو كتاب واقعي يصف نظام معسكرات الاعتقال السوفييتية. -"بابيلون" (Papillon) بقلم "هنري شاريير"، وهي مذكّرات عن هروب شاريير من مستعمرة جزائية فرنسية في "غيانا" الفرنسية، وكانت قصّة لأروع أفلام السجن والمعتقل جسّده ببراعة الأمريكي "ستيف ماكوين". -"في بطن الوحش: رسائل من السجن" (In the Belly of the Beast: Letters from Prison) بقلم "جاك هنري أبوت" وهو عبارة عن مجموعة من الرسائل كتبها أبوت، القاتل المُدان، أثناء وجوده في السجن. -"بيت الموتى" (The House of the Dead) بقلم "فيودور دوستويفسكي" وهي رواية عن تجارب دوستويفسكي كسجين سياسي في معسكر العمل السيبيري. -"الحاكم: حياتي داخل السجون الأكثر شهرة في بريطانيا" (The Governor: My Life Inside Britain's Most Notorious Prisons) بقلم "فانيسا فريك"، وهي مذكّرات عن تجارب فريك كمحافظ سجن في بعض السجون الأكثر شهرة في بريطانيا.
تظل هذه الإصدارات المهمّة نماذج قليلة من سلسلة مذكّرات وتاريخ وأدب السجون في العالم، لكن لا توجد مؤسسة دولية راعية ومهتمّة بخلاصات هذا الكم الهائل من الكُتب الحقوقية والإنسانية والذاتية في حياة السُجناء، وكأنّ "النظام العالمي" هو المجموع الناتج لمنظومة الأحكام التعسُّفية في العالم، متضامناً معها في الجريمة ضد القيم الإنسانية المؤسَّسة على الأديان والأعراف، وكأنّ السجون بطبيعتها المتوارثة من أساسات الخدمة المجتمعية للحكومات، مثل المدارس والجامعات والمشافي والحدائق والمنتزهات!
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات