Atwasat

(الجطلاويون) (1-3)

محمد عقيلة العمامي الإثنين 06 نوفمبر 2023, 01:59 مساء
محمد عقيلة العمامي

انتقيتُ هذا المصطلح الشعبي الليبي، المستخدم في المنطقة الشرقية، لتوظيفه لحكايتي هذه التي قد تتواصل لمجموعة مقالات عن الذين يستخدمون في حياتهم أيديهم اليسرى، والذين وددت أن أسميهم اليساريون، ولكن هذه التسمية أصبح لها مدلول سياسي اتفق العالم عليه، فتركتها. ويسمى أيضًا من يستخدم يده اليسرى: (الأشول)، وأيضًا (الأعسر) ولابد أن هناك تسميات أخرى ولكنني اخترت هذا المصطلح، الذي حاولت معرفة تعريفه في معجم اللغة ولكنني لم أوفق. ولكننا منذ طفولتنا البنغازية نطلق هذه التسمية على من يستخدمون أيديهم اليسرى، وأذكر أن والدتي قالت لوالدي، ذات يوم، أثناء تحلقنا حول وجبة الغداء: (قدوره، يا عقيلة جطلاوي، مثل أخته سالمه!)

ولم أدرِ، حينها، هل كونه (جطلاوي) ميزة حسنة أم سيئة؟ ومع الأيام عرفت منهم كثيرين، وفي مرحلة متقدمة من شبابي أكرمني الله بأخ ثان لم تلده أمي، وكان (أجطل جدًا.. جدًا)، بمعنى أن يده اليمنى لا يستخدمها إلا للمصافحة فقط! بعكس أخي عبدالقادر، الذي يستخدمها عندما يحلف بالطلاق منذ أن كان طالبًا في الإعدادية! ولأنه يحلف طوال اليوم فيده اليسرى أكثر نشاطًا من يد أخي الذي لم تلده أمي. ولأن الموضوع الذي قرأته عن أولئك الذين يستخدمون أيديهم اليسرى طويل، وشائق، ومفيد، وعجيب، فرأيت أن ألخصه، مقتبسًا منه ما يفيدنا، أو على الأقل يسلينا.

ولأن 10% فقط من سكان العالم يستخدمون أيديهم اليسرى، ينسون أنهم يعيشون في عالم يستخدم اليد اليمنى! وينسون أيضًا، أن أدمغتهم وأجسادهم تعمل بشكل مختلف عن أولئك الذين يستخدمون أيديهم اليمنى، ولأن (الترزي) الأشول، أعني (الجطلاوي) يصعب عليه كثيرًا أن يقص، بدقة، قماشته بخط مستقيم بمقص مصمم أساسًا ليستخدم باليد اليمنى! ولذلك قد يتسبب في بعض التأثيرات البسيطة، على صحته الجسدية والعقلية. والحقيقة أن الممثل الفكاهي الساخر (تشارلي شابلن) لم يكن التمثيل هدفه، إنما الموسيقى، فهو عازف كمان، ولكن الفرق الموسيقية رفضته، لأنها لو قبلته معها لرأينا الكثير من عازفي الكمان، في الفرق العالمية كلية الأناقة، بتلك القماشة السوداء، تغطي أعينهم اليسرى، لأن كل عازفي كمان، لأية فرقة، يمينيون وبالتالي اتجاه أعواد أوتارهم نحو اليسار، فيما يكون وتر (تشارلي تشابلن) نحو عين جاره مباشرة!. بالمناسبة (مايكل أنجلو، وليوناردو دافنشي، ونابليون، وبيل كلينتون، وجورج بوش، ومارلين مونرو) جميعهم شُوَل، ولكن لم يكن فيهم شرير، سوى واحد، أو اثنين!

وهكذا تسمى بمن له رأي يخالف الأغلبية باليساري، مع العلم بأن العالم لا ينتبه إلى أن هذه النسبة خاطئة، التي ليست دقيقة جدا، لو قيست بحسب قانون النسبة والتناسب! ولذلك أنا من الذين يرفضون توظيف مصطلح اليساري على من يستخدمون أيديهم اليسرى! إلاّ إذا توقف من يطلقون مصطلح اليساري على من يخالفون الأغلبية في آرائهم وقناعاتهم! ثم لماذا يُصر المحلفون في العالم الغربي على رفع اليد اليمنى أثناء القسم؟ لماذا لا يرفع الأشول يده اليسرى، علمًا بأنها الأقرب له من اليمنى؟

أحد أروع وأذكى وأشرف أصدقائي، الذين يلقبونه بـ (القصير)، والذي يعرفون أنه ينتظر أيًا منهم ، في غرفته عندما يسافرون معه وهم يعرفون أنه ينتظرهم، صباح كل يوم، لتثبيت زر قميص يده اليسرى، لأن أصابع يده اليمني يصعب عليها تثبيت زر كف اليد اليسرى، وهي التي يستخدمها، فقط، للقبض على ورك البنكنوت، ليعده باليد اليسرى!. صديقي محمد إبراهيم السوسي تعاقد مع شركة (التويوتا) عندما كان وكيلها قبل تأميمها بعد ثورة سبتمبر، لتصنع لوكالته سيارات يسارية المقود! وجميعنا يعرف أن صديقنا هذا إنسان متميز كامل العقل، وخّير حد التهور، وذكي انتبه لحاجة اليساريين لمقود سيارة يساري، وقد تكون تلك أول مرة تصمم سيارات (تويوتا) بحسب هذه المواصفات. إذن تأثير استخدام اليد اليسرى لا علاقة له باستخدام أي من اليدين.

قد تكون أدمغة وأجساد الأشخاص (اليساريين) تعمل بشكل مختلف عن (اليمينيين)، لذلك يقول الدكتور (رونالد يو) أستاذ علم النفس في جامعة تكساس- أوستن: «يبدو أن استخدام إحدى اليدين يتحدد في وقت مبكر جدًا من نمو الجنين، عندما يتم تحديد الكثير من الأشياء المتعلقة بمستقبله أيضًا». وتأسيسًا على ذلك، لعله من المفيد أن نعرف بعض الحقائق عن هؤلاء الذين يستخدمون أيديهم اليسرى، (الجطلاويون)، وهنا لابد أن أسميهم (اليساريين) لتتوافق مع بقية العالم، وأكرر بعيدًا عن استخدام هذا المصطلح بمعناه السياسي، فذلك يبين لنا ما قد يعنيه ذلك حقًا لصحتهم.

يقول العلماء، أنهم ليسوا متأكدين تمامًا من سبب استخدام بعض الأشخاص لليد اليسرى، لكنهم يعرفون أن الجينات مسؤولة على نحو 25% من الحالات. ويضيفون أن استخدام اليد اليسرى يؤثر في العائلات، ولكنني أجزم أن كون شقيقيَّ (جطلاويين) تمامًا، إلاّ أن ذلك لم يؤثر أبدًا لا في عائلتنا، ولا أيضًا في عائلتهما اللتين أصبحا، الآن، يتبوأن فيها مكانة الجد! وأصبح لهما عدد من الأحفاد (جطلاويين)، ولكنهما مازالا يلوحان بيدهما اليسرى، فيما يحلف، ويتوعد، أحدهما حتى بعد تبوأ مكانة الجد في الأسرة. في الواقع، يمكن للتوائم المتماثلة، التي تشترك في نفس الجينات، أن يكون لها في بعض الأحيان أيد مهيمنة مختلفة. هناك الكثير من النظريات حول العوامل الأخرى التي قد تحدد، مثلًا، اليد التي تكتب بها، لكن العديد من الخبراء يعتقدون أن الأمر عشوائي إلى حد كبير.