1-
كتب إدواردو غاليانو في كتابه الأشهر «كرة القدم في الشمس والظل»: «كان ألبير كامو هو القديس بطرس، الذي يحرس بوابة مرمى فريق كرة القدم بجامعة الجزائر، وخلال سنوات ممارسته لحراسة المرمى، تعلم كامو أشياء كثيرة. تعلم أن الكرة لا تأتي مطلقًا نحو أحدنا، من الجهة التي ننتظرها منها، وقد ساعده ذلك كثيرًا في الحياة، وخصوصًا في المدن الكبيرة؛ حيث الناس لا يكونون مستقيمين عادة. وتعلم كذلك أن يكسب دون أن يشعر بأنه إله، وأن يخسر دون أن يشعر بأنه قمامة، وهذه حكمة شاقة. كما تعلم بعض أسرار الروح البشرية، وعرف كيف يدخل في متاهاتها، في رحلات خطرة، على امتداد كتبه».
2-
ومن ذاك أبتغي تسليط الضوء، فالتنبيه لمشروع صغير، مفارق وقوي فاعل، فيما هو ضد الحرب، مخصب الأرض للسلام، للسلم الاجتماعي، ما هو سماد الاستقرار، أس بناء المجتمعات فالدول.
كان ومازال المشروع الثقافي، ما يميز دولة الكويت، في المحيط العربي، ما جعلها بحق عاصمة الثقافة العربية الراسخة!، فـ (العربي) المجلة، صدر عددها الأول عام 1958م، ولم تتوقف عن الصدور، حتى ساعة المحنة، احتلال الديكتاتور صدام حسين للكويت، فلقد صدرت بالقاهرة حتى تحرير بلادها.
مجلة (العربي) الشهرية، لم تتوقف عن الصدور، عن التوزيع من عمان حتى تطوان، مع ثمن بخس وجودة طباعة متصاعدة، وإن في حال تحرير متباين، الأهم أن (العربي) أس مشروع ثقافي، توطد ونما، فكان المشروع الثقافي التنموي العربي الوحيد، ما استمر وما طال جمهور العرب، على مستويات ثقافية عند الرسالة والمتلقي: (عالم المعرفة) الكتاب الشهري النوعي، (عالم الفكر) المجلة الفصلية الأكاديمية المحكمة، (الثقافة العالمية) المجلة العلمية المترجمة المواكبة، (إبداعات) الكتاب الشهري المترجم في الآداب، مع كتاب (روائع المسرح العالمي)، ثم مجلة (الفنون) العربية الشهرية، هذا يوضح الركائز الرئيسة، للمشروع الواضح المبني على ركائز، تعكس رؤية شاملة واستقرارًا لا يحيد، ولا يرتج مع النوائب والمحن، فمن يبني يضع في حسبانه، الرياح والعواصف والشح، فتقلب السنين.المفارقة أن بعضًا من أبناء الدول، ما تعثرت مشاريعها خاصة الثقافية، يرجعون نجاة النجاح الكويتي، إلى (برميل النفط)، في صيغة الذم ليغطوا عوار مصابهم، دون أن ينتبهوا، إلى أن المال دون عقل عاقل لم ولن يصنع حياة، وأن المؤسسة الثقافية الكويتية، كما تبين النتائج، تأسست ضمن معايير، سليمة منفتحة متطورة، لا أيديولوجية لكن علمية موضوعية، شارك في صوغها خبراء عدة، منهم الخبراء العرب الراسخون في العلم، فمنهم من اتخذ من الكويت الملاذ، بهذا وغيره هو مشروع عربي، من أسه حتى رسالته فالمتلقي، ويمكن للعرب أن يعتبروه مشروعهم الناجح، لأن الناشر الكويتي، شاركه الخبير العربي كمثل (الدكتور أحمد زكي)، ومتلقيه العربي أيضًا، سأشير لنمذجة هذا الاستنتاج، بأن بمعرض القاهرة للكتاب، السنوي الأكبر في المنطقة، يكون جناح الكويت فيه، كعبة الرواد من التلميذ حتى البروفسور، من العرب والعاربة.
3-
أما كون، هذا المشروع الثقافي الناجح، يتيمًا في دنيا العرب، فلا أظن أن ثمة مجادلًا في هذا، ونجاحه طال العربي، من الصحراء الموريتانية، إلى الصحارى الكبرى، حتى الربع الخالي، في المبحث والباحث والتلقي، ما جعله أس أي مكتبة، ومن لزوم ما يلزم للباحث العربي، وحتى للباحث في الشأن العربي، حتى إن نجاحه في المترجم أساسًا، شكل في هذا للشأن العربي مساحة معقولة.
أما كون، نجاة النجاح الكويتي، لافتًا للنظر، في هذا الخضم العربي المتضارب، ما تعمه الحروب الظاهرة وغيرها، فلا أظن في هذا أيضًا يمكن الجدال، وأن ينجي المشروع الثقافي الكويتي، فلا بد من مساهم، جسور ومكابد قابض على الجمر، لأن الثقافة، التي هي الحياة، تهون عند الحرب، لدى البشر كافة منذ قابيل وهابيل، لكن يمكن ملاحظة، أن البلاد الصغيرة القديمة، كالكويت أو النرويج، ما في محل جغرافي مميز، وتاريخ راسخ الثراء ولو في الكفاف، تعد بلادًا مستقرة منفتحة، جاذبة قوية واضحة، فجاذبية المستقر قوية، وكما رأينا فإن في الاستقرار قوة، ما وفر نجاة النجاح الكويتي، رغمًا عن أي شوائب، تعكر النهر ما لا تجتازه مرتين، أو كما قولة الفيلسوف الإغريقي هرقليطس!.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات