Atwasat

المدن الهشة

منصور بوشناف الخميس 05 أكتوبر 2023, 05:07 مساء
منصور بوشناف

لو نظرت إلى طرابلس الآن «وهي مدينة ليبيا الأهم» لوجدتها معبراً لطرق القوافل منذ «الجرمنت» وحتى الآن، طرق يحرسها بدو وفلاحون استقروا على أطرافها في البداية لتتحول تلك الأطراف إلى أحيائها الكبرى التي تغص بالجنود والعمال والموظفين والبوليس، وكلهم يعملون بالدولة كحراس ومشغلين لدواليبها، يسكنون منذ أكثر من قرنين من عمر هذه المدينة السيئة الحظ على مر العصور، على أطرافها.

سكان أطراف طرابلس التي صارت هي طرابلس الكبرى تنتظم خارطة سكناهم الطرابلسية شرقاً وغرباً وجنوباً، كما كانت منذ أكثر من ألفي سنة على الأقل، حين كانت القوافل القادمة من الشرق أو الغرب أو الجنوب تعسكر خارج المدينة قبل أن يؤذن لها بالدخول، فكانت القوافل القادمة من الغرب تعسكر غرب المدينة والقادمة من شرقها وجنوبها تعسكر كل في طرف المدينة الذي وصل إليه.

عبر عقود كثيرة تحولت «محطات ما قبل الدخول» إلى مراكز خدمات، ثم إلى أحياء وقرى يسكنها قادمون مع القوافل من كل أرجاء الصحراء الليبية الشاسعة، فظل سكان جنوب طرابلس مثلاً إلى الآن من أولئك القادمين من الوسط والجنوب، وكذا سكان شرقها وغربها من الشرق والغرب.

كانت الفترة التركية ثم الإيطالية الأفضل في تاريخ طرابلس في إدماج هؤلاء الهاجين إليها وإدماجهم في مجتمع مديني لا يهتم بالأصل أو القبيلة، فكان أهل طرابلس المدينة «حضريين» مستقرين تربطهم روابط المدينة الاجتماعية والثقافية الخاصة بالمدن. كانت طرابلس المدينة، ورغم أطرافها، صلبة ومتماسكة كمدينة لها ثقافتها وفنونها وعاداتها وتقاليدها وقادرة على دمج أي من عابري بواباتها المدينية.

مع تأسيس الدولة الليبية الحديثة، وبالتحديد مع تفجُّر النفط، كان التوطين والتعليم أهم أولويات الدولة الليبية الحديثة وأحدث كل ذلك نقلة مهمة في حياة سكان ضواحي المدينة وجعلهم يندمجون بشكل أو؟؟ لكنه أيضًا جعل المدينة تتعرض لما يشبه السيولة في تركيبتها السكانية والثقافية لتصب في مجراها روافد جديدة مصدرها البادية والريف، ورغم كل الانتقادات لهذا فإن هذا التوطين ورغم الهشاشة التي أصابتها إثر ذلك فإنه جعلها تنفتح على أطرافها وضواحيها وتتحول إلى مدينة لكل الليبيين.

منذ نهايات الحرب العالمية الثانية بدأت موجات التحرر تصل إلى أطراف المركز الأوروبي ومستعمراته وكانت مدن تلك المستعمرات «الهشة» تعاني نظرة سكان أريافها وبدوها لها كمركز للمستعمر. فكان شعار غالبية تلك الثورات وحركات التحرر «زحف الريف على المدينة» و «سيطرة الضواحي على المراكز التي أسسها المستعمر، تلك الشعارات وصلت ليبيا وتبناها نخبة المثقفين القوميين واليساريين وحتى الإسلاميين الذين أنتجهم «تعليم وثقافة الاستقلال» ليزيد كل ذلك في هشاشة المدينة في ليبيا وطرابلس بالتحديد.

سبتمبر وحركة الضباط الأحرار وصلت إلى السلطة تحت تلك الشعارات وشرعت مباشرة في تنفيذها عبر قوانين ثورية جذرية «إسلامية متشددة» في بداياتها وصلت إلى إحراق الكتب وإغلاق دور السينما وحرق الآلات الموسيقية الغربية، لتنهار المدينة تماماً وتسود ثقافة الأرياف والبادية.

كان على المدينة الهشة المغلوبة في تلك الأجواء أن تتحول إلى مقلد ثم إلى مستلب في تلك الثقافة بدل أن يحدث العكس كما كان، وتذوب مكوناتها في هذا الطوفان، ليشرع سكانها المدنيون في التفتيش عن جذور أسلافهم الريفية أو البدوية ليعودوا إليها. كل ذلك تم بالشرعية الثورية والاجتماعية فتشكلت في طرابلس روابط للقبائل والأرياف القادمة إليها في كل أحيائها.

طرابلس نموذج كبير لكل ما يمكن تسميته بالمدن الليبية، ظلت هشة وغير قادرة على الإدماج والتأثير بعمق في القادمين إليها، بل وبقوة النفط والسلاح ظلت تزداد هشاشة كل يوم، وتستلب وتذوب في القادمين إليها بثقافتهم القبلية والريفية.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»