ارتفاع درجات الحرارة الاستثنائية لصيف فرنسا هذا العام اشتد سخونة على أصداء تصريحات الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي التي جاءت في مقابلة حصرية ومطولة مع جريدة لوفيكارو الباريسية يوم الأربعاء من الأسبوع الماضي، وذلك على هامش صدور كتابه الجديد المعنون بـ «زمن المعارك» Le Temps des Combats.
يأتي إصدار ساركوزي الأخير «زمن المعارك» كتكملة لمذكراته الشخصية والسياسية الذي جاء بعنوان «زمن العواصف» Le Temps des Tempêtes الصادر منذ عامين.
«ساركو»، كما تناديه العامة في الشارع الفرنسي، أطلق في المقابلة تصريحات مثيرة للجدل كعادته يمكن اعتبارها حالة تسويق لمطبوعته الجديدة، فقد تراوحت تصريحاته النارية بين انتقاد سياسة ماكرون في التقارب مع الجزائر على حساب المغرب، واستهجن الاعتماد التام على سياسة التواجد والحشد العسكري الفرنسي طويل المدى في منطقة الساحل، وإعلانه بذات المقابلة، بشكل مفاجيء، تأييده ودعمه السياسي لوزير الداخلية الحالي، جيرالد دامانان، كخلف لماكرون، كما انتقد الأوكران فى حربهم ضد بوتين، موضحاً أن الوضع في شبه جزيرة القُرم لا يمكن إعادته إلى سابق عهده قبل الحرب. وأوضح ساركوزي في آخر المقابلة بأنه «غير نادم على تدخل فرنسا فى ليبيا» لأن البلاد في نظره «كانت تتجه نحو الفوضى، ولو لم نتدخل لكان هناك آلاف القتلى».
يظل مقصد ساركوزي من هكذا تصريحات مثيرة هو جذب الانتباه لحضوره بالمشهد السياسي الذى أُبعد عنه، بسبب فضائح سياسية وأحكام قضائية نافذة، وأخرى لا تزال قيد الاستئناف، بينما هو لا يزال تحت مراقبة البوليس، بارتدائه أسورة إلكترونية تساعد السلطات على تتبعه وتحديد مكانه. المثير في الأمر أن انتقادات ساركوزي لماكرون تأتي في ظل حديث في الأوساط السياسية والإعلامية بالبلاد تعتبر أن ماكرون يستشيره في العديد من القضايا، بل إن ماكرون قد أوفد ساركوزي، والأسورة الإلكترونية في قدمه، للتفاوض مع بوتين قبل اندلاع الحرب في أوكرانيا. عموماً هكذا تصريحات من ساركوزي لا تصلح معها الا تهكمات موقع ميديا بارت الباريسي وبراعة الصحفي الشهير إدوي بلينيل رئيس تحرير الليموند سابقاً.
«زمن المعارك» الصادر مؤخراً، كمذكرات سياسية، لن يأتي بجديد تفاصيل تخص فضيحة ساركوزي السياسية، وقصة التمويل الليبي لحملته الانتخابية، بكونها قضية لا تزال بعض التفاصيل فيها مطروحة أمام القضاء، رغم تورط بعض من وزرائه ومساعديه، إلا أن حصانته أنقذته في أحيان كثيرة، كما لن يكشف «ساركو» في مؤلفه الأخير عن تفاصيل نوعية وحصرية بخصوص مقتل القذافي لإنكار تورطه فيها عديد المرات، بل إنه ذكر في آخر المقابلة مع لوفيكارو أن كل ما جرى فى ليبيا حينها «كان يحدث كعمل جماعي منسق بقيادة الناتو» نافياً تورطه بتصفية القدافي كما «تجرأ البعض بالقول بأنه أعطى الأوامر بذلك».
على مدى سنوات طويلة نشر ساركوزي عدة مؤلفات، كخطوة لترسيخ حضوره في المشهد السياسي الفرنسي كمحافظ يميني. البداية كانت مع «التوازن» صحبة ميشيل دينيسو عن دار ألبان ميشيل عام 1995، و«الحرية» عام 2001 عن دار روبير لافون، وبعدها بسنوات قليلة أصدر «الجمهورية، الأديان، الأمل» عن دار سيرف، وفي عام 2004 جاء كتاب «شهادة» عن الناشر إكس. أو، وفي عام 2016 أصدر ساركوزي كتابين عن دار يلون هما «فرنسا من أجل الحياة» و «جولة من أجل فرنسا»، ثم كتاب «شغف» عن دار أوبسيرفاتوار حول علاقاته السياسية والشخصية، وهو الكتاب الذي حقق إيرادات عالية تصدرت قائمة المبيعات حينها. وفي صيف عام 2020 عن أوبسيرفاتوار أصدر مؤلفه «زمن العاصفة» لأجل تسجيل حضوره السياسي، في وقت يشهد حزبه الجمهوريون ضعفاً بيّناً، وتعوزه - إلى اليوم- شخصية قيادية قادرة على حماية الحزب من الانهيار.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات