حب الاستطلاع والولع بالتعرف إلى الغريب والمثير من الأشياء (الفضول) نلاحظه في سنٍّ مبكرة من طفولة أولادنا؛ يدفعهم لمعرفة المزيد عنها واستجلاء خفاياها. حب الاستطلاع طريقهم للتعلم والاستكشاف، ويمتد أثره فيما يلي من أعمارهم ليكون دافعاً للدراسة والبحث في الأشياء الملموسة ومسائل العلوم والفلسفة على حد سواء. يوجد رغم هذه الأهمية الكبرى للاستطلاع قصور في التشجيع عليه ورعايته، أوضح ما يكون في غياب تنمية روح الشغف بالقراءة والسعي إلى التميز واكتشاف الجديد لدى النشء.
يبقى الاستطلاع عند البعض علماً على مسار حياة يتصدرها الاستكشاف والبحث عن الغامض والجديد، بعيداً عن واجبات وظيفة أو دواعي مصلحة. مثالٌ على ذلك نجده في محمد حسن الهنيد.
وُلد محمد الهنيد في درنة سنة 1932. درس المرحلة الابتدائية بها وكان من معلّميه عبدالكريم جبريل وسالم الأطرش. التحق بمعهد المعلمين في بنغازي ما بين سنتي 1948 و1950، ومن ثم عُيّن مدرساً لمادة الرسم بمدرسة الأبيار الداخلية، حيث كان من طلبته الرسام الساخر المعروف محمد الزواوي. عرفتُه في الأبيار حيث كانت إقامة والدي بين سنتي 1952 و1954 وكنت طالباً بين الصفين الثاني والرابع ابتدائي. أتذكره جيداً في تمريناته الرياضية في فناء المدرسة وعلى العُـقلة بوجه الخصوص. بعد الأبيار كنت أسمع القليل من أخبار رحلاته واكتشافاته على فترات متباعدة، وأخيراً قرأت ما كتبه الأستاذ عبدالعزيز الزني عن لقائه به في كتابه الذي تكرم بإهدائي نسخة منه، «الحصاد.. لقاءات».
كهوف الجبل الأخضر
كان الأستاذ الهنيد رحالةً شديد الولع باستكشاف الجديد، رائداً في استكشاف الجبل الأخضر؛ من هواياته السباحة والغطس والرسم والنحت والتحنيط والعزف على المزمار. من الأبيار قادته إحدى رحلاته إلى منطقة اسْقفة (الأساقفة؟) على بُعد حوالي 20 كم منها، حيث يوجد كهف يضم مدافن زُيِّنت جدرانها برسومٍ ونقوش يعود تاريخها إلى العهد الروماني، فكان ذلك الكهف نقطة البداية في رحلة استكشافية طويلة لكهوف الجبل الأخضر على وجه الخصوص.
من مدرسة الأبيار انتقل محمد الهنيد إلى مدرسة سوسة الداخلية، ودفع طلبته فيها إلى الاهتمام بالجرائد الحائطية المدرسية التي كانت إحداها مختصة بالاستكشاف، وإلى تكوين الجمعيات التاريخية والجغرافية. من سوسة كانت رحلاته الاستكشافية الأولى في الجبل الأخضر، وظهر اهتمامه بمشاركة الشباب وغرس روح المغامرة والاستكشاف فيهم، وكوّن منهم الفرق الاستكشافية وأنشأ الجمعيات. جمعية «الهيلع للدراسات الميدانية والاستكشافية» التي أسسها سنة 1975 كانت أشهر تلك الجمعيات وأوسعها نشاطاً، وضم مقرها بمدينة درنة قطعاً أثرية ومخطوطاتٍ تعود إلى عصور الإغريق والرومان والعثمانيين والإيطاليين.
أول اكتشافات محمد الهنيد بالجبل الأخضر كان كهف الصخرة على مسافة سبعة كيلومترات غرب سوسة، وهو كهف يحتوي على تشكيلات طبيعية ونقوش ورسوم وكتابات تعود إلى 400 سنة قبل الميلاد قام بترجمتها وفك رموزها خبراء من إحدى الجامعات البريطانية. وقد بلغ عدد الكهوف التي اكتشفها حتى سنة 1977 خمسين كهفاً. سُجِّلت تلك الاكتشافات من كهوفٍ وآثار باسمه بدائرة الآثار بشحات، ومنها ما كان موضوع اهتمام ودراسة مؤسسات أكاديمية ومجلات متخصصة.
الأهوية والأوشاز
لم تقتصر اكتشافات محمد الهنيد على الكهوف، فهو من اكتشف «هَوَا ارحيّم» بين مدينتي سوسة وشحات، و«الهوا» هو الفراغ الكبير في اللهجة الدارجة، (الهواء: كل فارغ، وجمعه أهوية. معجم المعاني الجامع). يصل عمق هوا ارحيّم إلى حوالي مئة متر تحت سطح الأرض ويحتوي في باطنه على أشجار منها الزيتون والخروب وأنواع شتى من الزهور والأعشاب.
إلى جانب الكهوف والأهوية، كان لدى محمد الهنيد اهتمام باستطلاع المساكن المعلَّقة على ارتفاعات تصل إلى 70 متراً بسفوح الجبل ما بين درنة وتوكره وتُعرف بالأوشاز (الوَشَز: السّنَد، الملجأ). من الأوشاز ما كان يُستعمَل قبل قرون للسكنى، وقد وفرت لساكنيها - علاوةً على حمايتهم - شروط التهوية والإضاءة وسبُل الصعود إليها وقرب مصادر المياه منها. أوشاز الجبل الأخضر بحاجة إلى دراسة علمية واسعة من حيث تاريخ وثقافة الحقبة الزمنية التي انتشر فيها استخدامها للسكنى، وطبيعة العلاقات الاجتماعية بين متساكنيها، والأسباب التي ألجأتهم للسكن في تلك الكهوف الجبلية المعلقة، والجوانب المعمارية للأوشاز نفسها.
أسماك الجغبوب
لا يتكامل استعراض إنجازات محمد الهنيد من دون ذكر مشروع زراعة الأسماك في بحيرات واحة الجغبوب، حوالي 290 كم جنوب شرقي مدينة طبرق. جُمِعت «بذور» الأسماك من خليج بمبه ورأس التين والتميمي شرقي مدينة درنة سنة 1996، ونُـقلت في خزانات من المياه الصالحة لحياتها إلى بحيرتي الملفا والعراشية، حيث تم زرعها ورعايتها إلى أن اكتمل نموها. نجح المشروع وإن بقي دوماً عرضةً لمخاطر الصيد الجائر.
ختام
الاستطلاع يقود إلى استكشاف الجديد ويفتح أبواب الاستنباط والدراسة والبحث والابتكار، الأمر الذي يحتاج إلى بيئة مناسبة تنمي حب الاستطلاع لدى النشء خاصة، وتوفّر الإمكانيات والحوافز الدافعة نحو الاستكشاف والدراسة والبحث في مختلف أشكالها ومستوياتها.
لكن غياب السياسات الرسمية المشجعة والإمكانيات والحوافز المؤسسية، كما هو الحال عندنا، لا يعني غياب مبادرات ونشاطات مواطنين تقف أعمالهم وإخلاصهم شاهداً على حيوية مجتمعهم والخير فيه، رغم الفساد العظيم الطافح على سطحه. أولئك قدوة، لهم التكريم والتقدير.
مدّ الله في عمر محمد حسن الهنيد ومتّعه بموفور الصحة.
* العنكبوت، الآية 20.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات