Atwasat

مقادير: بين المذكرات والسيرة الذاتية

إبراهيم حميدان الخميس 29 يونيو 2023, 11:10 مساء
إبراهيم حميدان

تُعتبر المذكرات التي يكتبها من تولوا مناصب قيادية سياسية أو عسكرية خلال العهود الماضية في بلادنا غاية في الأهمية، لأنها تساهم في حفظ الذاكرة التاريخية، وزيادة الوعي بأهميتها، وتسلط الأضواء عادة على جوانب خفية في المرحلة التاريخية التي عاشها المؤلف، سواء كان صانعاً للقرار أو من المشاركين في صنعه، أو شاهداً عليه.

الكتاب الذي أعرض له اليوم حمل عنوان «مقادير.. مذكرات الزعيم مصطفى القويري أحد الضباط المؤسسين للجيش الليبي 24/12/1929- 24/12/2012 »، صدر في مطلع هذا العام 2023 عن شركة آفاق ليبيا للطباعة والنشر، مصراتة.

الطفولة والشباب
في الفصل الأول الذي جاء بعنوان: (في مصراتة الطفولة والشباب) يتناول المؤلف مرحلة الطفولة والشباب، فيذكر أنه ولد بمصراتة سنة 1929 في بيت أبيه محمد الذي ورثه عن جده مصطفى الذي لم يره لأنه ولد بعد موته، وكان تاجراً نابهاً في تجارة القوافل بين طرابلس والسودان، كما أخبره والده. لكن احتلال إيطاليا لليبيا أجبر عائلته، كما بعض العائلات، على الرحيل إلى الصحراء، وحين عادوا بعد الحرب وجدوا بيتهم مهدماً من قبل المحتلين الطليان، مثل بيوت كثيرة بالبلدة، حيث كان الغزاة يقتحمون البيوت بحثاً عن المجاهدين. ويتحدث عن دور الجامع في تأسيس القرى، وحفظ الدين فيها بالقرآن، ويتطرق إلى ختان الأطفال، ويبدي رأياً نقدياً تجاهه، ثم ينتقل بنا إلى بداية رحلته مع التعليم، حين أصبح يذهب إلى الكُتّاب لغرض حفظ القرآن، ثم انتقاله إلى زاوية البي ليواصل تعليمه القرآني هناك، ثم ينتقل مرة أخرى إلى زاوية سيدي الزروق مواصلاً دراسته، ويرسم صورة كئيبة لحياة الناس خلال الأربعينات: «في زمن طفولتنا وشبابنا كان المرضى أكثر من الأصحاء فلا الوقاية ممكنة ولا الدواء موجود». ص47

ثم يروي لنا السارد، حكاية توضح لنا حبه للتعلم، حين سار على قدميه 40 كيلومتراً من مصراتة إلى المعهد الأسمري بزليتن، وكاد أن يموت في الطريق من شدة العطش، لغرض مواصلة دراسته هناك، دون علم الأهل، لأنهم كانوا سيعترضون إن هو فاتحهم في الأمر. ثم تعلم الأسرة بوجوده هناك، ويزوره شقيقه، وعندما يجده مصمماً على الدراسة، ينفحه بعض النقود، ويعده بتوفير كل احتياجاته. يدرس هناك لفترة من الزمن ثم يعود الحاج عبدالله القويري إلى مصراتة من الاسكندرية في أول زيارة له منذ هجرته إلى مصر في بداية الحملة العسكرية الإيطالية، ويعرض على والده أن يصطحبه معه ليواصل دراسته في الأزهر فيوافق الوالد، ويرافق الفتى مصطفى الحاج عبدالله القويري إلى مصر عبر سيارة شحن إيطالية. وخلال الصفحات التالية من هذا الفصل يروي لنا المؤلف إضافة إلى بعض تفاصيل رحلته إلى مصر، حكايات مأساوية عن معاناة الليبيين تحت الاحتلال الإيطالي: الاعتداء والاغتصاب والتعصب العنصري والهجرة والتهجير، وكذلك معاناة الليبيين من الأتراك أيضاً في زمن طغيانهم. رغم أنه لم يكن معاصراً لهذه المراحل:
«إن نظرتي على تلك العهود الماضية مستخلصة من السماع القليل في صباي، الذي تكونت فيه قناعتي بأن ليبيا تعرضت للحكم الأجنبي مرتين: التركي باسم الخلافة، والإيطالي بالاستعمار». ص69

الدراسة مدنية وعسكرية
في الفصل الثاني يروي لنا السارد قصة انتقاله إلى القاهرة والتحاقه بالأزهر قسم اللغة العربية، والتقائه بأهله وأقاربه من آل القويري المهاجرين إلى مصر هرباً من الحرب والمقيمين في الصعيد، ومن بينهم والدة الكاتب عبدالله القويري الذي يذكر بعض التفاصيل عن سيرته، دراسته، عودته إلى ليبيا، سجنه، تكليفه بالوزارة، عودته إلى مصر وزيراً. كما يتطرق إلى شخصيات أُخَر قابلها هناك. ولأن السنة الأولى لدراسته في الأزهر كانت العام 48/49 وشهدت كما هو معروف الاحتلال الصهيوني لفلسطين وهزيمة الجيوش العربية، يخصص لهذا الموضوع ولقضية الوحدة العربية عدة صفحات من هذه المذكرات. كما يتطرق إلى تنظيم الإخوان المسلمين الذي كان ناشطاً في هذه الفترة، ويُبيّن كيف عُرِض عليه الانضمام لهذا التنظيم، لكنه رفض العرض كاشفاً عن موقف نقدي تجاه هذا التنظيم من عدة نقاط، من بينها: «قضية ليبيا كانت غائبة تماماً عن أدبيات الإخوان، وهي قضية مهمة بالنسبة لشاب يحلم بأن تكون بلاده موضع اهتمام وعناية الدنيا كلها». ص100

الرجوع إلى الوطن
الفصل الثالث والأخير يخصص المؤلف أغلبه للجانب العسكري في حياته. فبعد أن عاد إلى وطنه محملاً بالشهادات العالية: من كلية اللغة والعالمية للتخصص في التدريس، ودبلوم في التربية وعلم النفس من عين شمس، وشهادة ضابط احتياط من الجيش المصري، وبعد أن يلتقي أسرته في مصراته، يسافر إلى طرابلس ويلتقي وزير الدفاع علي الجربي الذي يخبره أن الحكومة عازمة على تأسيس جيش وطني حديث بعد انتهاء مهمة الجيش السنوسي، إثر ذلك يسافر إلى سوسة ليلتحق بمعسكر من مخلفات الجيش الإيطالي لا يوجد به سوى 80 جندياً إضافة إلى ضابطين جاءا معه من طرابلس. من هذا المعسكر بدأ يتشكل الجيش الوطني الليبي وفقاً لمصطفى القويري الذي يروي الكثير من التفاصيل عن هذا الأمر متوقفاً عند زملائه الضباط الذين يذكر أسماءهم المرفقة بصورهم ونبذ عن هؤلاء المؤسسين توضح تأهيلهم، ومستواهم العلمي، ومواقفهم، وبعض ما قاموا به من أعمال.

كما يذكر أن الحكومة الليبية طلبت من دولة العراق إرسال بعثة عسكرية للمساعدة في تكوين الجيش وتأهيله، وقد أتاح وجود هذه البعثة إرسال مجموعات متتالية من الطلاب الليبيين إلى العراق سواء للكلية العسكرية أو لدورات مختلفة في المجالات التخصصية التي كان نصيب المؤلف منها دورة لمدة شهرين تم تعيينه بعد عودته منها رئيساً للمحكمة العسكرية.

يتحدث المؤلف عن انعكاسات اغتيال (إبراهيم الشلحي) الذي أدى إلى غضب الملك إدريس، وقطيعة مع قرابة الدم والنسب، وعلى العائلة السنوسية كلها ضيقاً ونفياً وقصاصاً، كما يتحدث عن شخصيات عسكرية أخرى، ليبية وعراقية، عملت في الجيش الليبي في تلك الفترة، وعن حضوره مناورة عراقية في العراق ولقائه بالملك فيصل ونوري السعيد على هامش حضور المناورة، ثم انقطاع العلاقة العسكرية مع العراق عقب انقلاب عبدالكريم قاسم، وعودة البعثة العسكرية العراقية إلى بلادها.

ويشيد بالسنوسي لطيوش رئيس الأركان في تلك الفترة من ناحية أدائه المهني، حيث شهد الجيش في هذه المرحلة توسعاً في أعداد المنضمين إليه واقتناءاً للمزيد من المعدات واستلام المزيد من المعسكرات من الجيش البريطاني.

ويكشف المؤلف عن مسألة نشوء تكتلات وتنظيمات سياسية مكتومة داخل الجيش، وأنها كانت معروفة، بعضها بعثي، وبعضها ناصري. ويتطرق إلى علاقته بعثمان الصيد رئيس الوزراء الذي يصفه بأنه كان مختلفاً عن غيره من السياسيين، ويشير إلى العلاقة التي تكاد تكون مقطوعة بين المسؤولين المدنيين والعسكريين في الدولة الليبية آنذاك.

ويروي المؤلف أنه جاءه أمر بالنقل إلى طرابلس لتولي آمرية المنطقة الغربية والجنوبية دون أن يذكر التاريخ، وهذه من سلبيات السرد لدى مصطفى القويري، حيث يروي الأحداث دون ذكر التواريخ في أغلب الأحيان.

يتوقف السارد عند اغتيال إدريس العيساوي مدير الحركة برئاسة الأركان الذي ظل سر اغتياله غامضاً، خاصة وأن نوري الصديق الذي كان قد عُيّن رئيساً للأركان خلفاً للأطيوش كان قد زاره في المستشفى قبل موته على إثر حادث السيارة الذي تعرض له، وألقى كلمة انفعالية عند تأبينه في المقبرة أذيعت على الهواء مباشرة في الإذاعة، ومن ضمن ماقاله: «إنني سأقول الحقيقة ولن أخشى في الحق لومة لائم» إلا أنه اتضح فيما بعد أنه سكت عن قول الحقيقة. ص194

ثم ينتقل المؤلف إلى مرحلة بعيدة زمنياً، ويروي كيف طرده الملازم ثاني امحمد المقريف الذي كان وزيراً للإسكان من بيته عقب انقلاب سبتمبر.

كما يتحدث عن العرقلة الفاشلة لترقيته إلى رتبة زعيم هو وجبرين صالح ونوري الصديق، مشيراً إلى أن ما أسماه «عصابة القصر المؤيدة لتيار الشلحي» هي التي كانت تقف وراء هذه العرقلة الفاشلة.

ويُحمّل الرئيس جمال عبدالناصرالذي يصفه بالديكتاتور مسؤولية هزيمة 67، وبعد أن يتطرق إلى تفاصيلها المعروفة، يتحدث عن انعكاسات الهزيمة على ليبيا التي تمثلت في حالة الطوارئ في الجيش والشرطة نتيجة المظاهرات الاحتجاجية الغاضبة التي انطلقت في بعض المدن الليبية مثل طرابلس والزاوية وتم خلالها الاعتداء على ممتلكات الأجانب.

يصف لنا الرواي اللحظة التي قرر فيها الاستقالة من الجيش، وكيف اتصل به رئيس الأركان ليتأكد من تصميمه عليها، ثم موافقة هذا الأخير، وصدور مرسوم بهذا الخصوص في أغسطس 68، وأن السبب وراء ذلك كما يقول «إن العهد الملكي قد ترهل كنظام ودولة».
ورغم إشادته المستمرة بالملك إدريس، إلا أنه لا ينفي عنه الأخطاء التي ارتكبها: «ليس معنى الإشادة بالملك إدريس وعهده أن أنفي عنه أي إهمال، فذلك مستحيل، لأن الأخطاء جزء من طبيعة البشر». ص228

لكنه يعود في خاتمة الكتاب ليؤكد أننا «خسرنا ملكاً صالحاً وخسرنا عهداً تميز بالخير والمحبة والاستقرار منذ الاستقلال بسبب هزيمة 67 التي ألقت علينا بكلكلها بحكم العلاقة والجوار». ص233

توفي الزعيم مصطفى القويري في 24 ديسمبر 2012، بإحدى مصحات مدينة صفاقس التونسية، كما يذكر ابن شقيقه يوسف محمد القويري في خاتمة الكتاب.

يعتبر الكتاب من الكتب الرائدة في مجال مذكرات العسكريين الليبيين، فهذه حسب معلوماتي أول مذكرات لشخصية عسكرية رافقت ظهور الدولة الليبية منذ بداياتها، وكان معاصراً لكثير من الأحداث المهمة، وإن خلت المذكرات من الوثائق والمستندات باستثناء الصور المهمة التي رافقت السرد، أو تلك التي ضمنها المؤلف ملحق كتابه وإن لم ترفق صور الملحق بمعلومات توضحها للقارئ. أيضاً يبدو أن المؤلف قد خلط بين كتابة السيرة، وكتابة المذكرات، وهو أمر يحدث أحياناً في مثل هذا النوع من المذكرات، التي لا يلتزم أصحابها بطبيعة هذا النوع من الكتابة. فهناك كثير من التفاصيل غير المهمة في موضوع الكتاب الذي كان يتوجب أن ينحصر في الحياة العسكرية للكاتب منذ بدأ في تلقى تدريبه العسكري في مصر وحتى استقالته من الجيش، لكن هذه الملاحظات لا تقلل من أهمية الكتاب، ولا تنتقص مما احتواه من مادة تاريخية مهمة.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»