أسلوب ما بعد السجن: إجراء تنظيمي اقترحناه (للرصد الأسلوبي stylistic لتطور الدلالة الذاتية إلى إيحائية في قصص الكاتب عمر أبو القاسم الككلي. وبهذا التطور تتعدى الذاتية أن تكون وحدها الأطار الأساسي الذي يتحرك ضمنه النص لبلورة كونه القصصي عالمه ومحيطه. بل تدعمها الإيحائية لأن تكون العنصر الرئيسي في تكوين «أدبية» الكتابة.
عرّف هنري لوفيفر Henri Lefebvre الإيحاء بأنه «أصداء العلامات العقلية التي تلتبسها العناصر الانفعالية، فوظيفة الإيحاءات أن تلهم الألفاظ المتداولة في سياق النص قيمًا إضافية متصلة بالعلامة وملازمة لها بدون تغيير في محتوى عقلانيتها».
هذا المقتطف من قصة «الاحتشاد» يضع ثنائية العقلي ـ الانفعالي في كفتي الميزان «يستلقي الرجل، آخر الليل، وحيدًا، وكما البرعم، مضمومًا على نفسه: ينتقي ذكريات بها شيء من البهجة (تكون الحصيلة فقيرة جدًا).. ينصرف تفكيره إلى الحال الذي هو فيه، باحثًا إمكانية الخلاص.. يضع صفين من الاحتمالات متجابهين.. يحتكم إلى ما لديه من وقائع ودراية بمنطق الأمور، فيستعصي المنطق على الانضباط وتهتز الكفتان»
اهتزاز الكفتين المنطق والعاطفة هو ما عبر عنه فندريس Vendryes بـ«أن الإيحاء يؤرجح حول المعنى المنطقي للكلمة جوًا عاطفيًا يحيط بها ويمنحها ألوانًا مؤقتة على حسب استعمالاتها، وهذه الألوان هي التي تكوّن القيمة التعبيرية أو الإيحائية لها». ولكي تتحقق ظروف الإيحاء بمستواها الأدنى في (الكلمة) ينبغي:
1 ـ أن يكون للكلمة وقع صوتي يجعل منها ذات رمزية صوتية موحية مثل كلمات انبثت في عناوين قصص: كـ الدمار في «قبلة الدمار»، والتشييع في «قُبلة التشييع» وكـ أحراش وفداحة في «مسارب الحب في أحراش الفداحة» وكـ استعذاب وعذاب في قصة «الانتباه».
2 ـ أن تكون الكلمة بطبيعتها مثيرة وموحية، فيصعب تجريدها من الشحنة العاطفية. ففي قصة «أثناء شُرب الشاي» تنضاف الخشونة للصمت والخضخضة للهواجس، وفي قصة «أكواب الماء وقطع الخبز» تلتصق صفة واهنة بالعتمة. وفي قصة «أكوام الريش» حركة السكين تنضاف لها شحنة رُعب، و يحوز اسم ثمرة الحنظل في قصة «منابت الحنظل» الوقع الصوتي ذا الدلالة الرمزية الصوتية الموحية. ويتجاوزه بقوة الاستدعاء الشعوري للمرارة والصلابة والقسوة.
3 ـ أن تحوز الكلمة قوة الاستدعاء؛ إذ إن وقوع الكلمات في سياقات معينة يكسبها جوًا خاصًا، ويحيطها بظروف تعين على استحضار البيئة التي تنتمي إليها. فعنوان القصة «كوب ماء بارد» تستدعيه بيئة العطش في الجملة الافتتاحية: «عطشت، أثناء الدوام، قيظ ذات يوم، وكان مكان العمل أكثر رثاثة وإهمالاً من أن توجد به ثلاجة للشرب، كما أنه لم يكن ممكنًا الشرب من المياه العامة، لثلاثة أسباب مانعة». فالعطش والقيظ، وعدم وجود ثلاجة، والمياه العامة ـ التي يعلمنا السارد ـ أنها تأتي شديدة السخونة (بسبب حفظها في صهريج معدني فوق السطح)، كل هذه الكلمات المنبثة في سياق الجملة تستدعي الحاجة الماسَة للحصول على «كوب، زجاجه الأبيض الشفاف الأملس يكتنف ماءً باردًا».
تتجاوز اللغة الأدبية (الإحالة Denotation) كونها الدلالة الأساسية للتداولية في لغة التخاطب ويستبدل بها (الإيحاء Connotation) أو الدلالة الإيحائية. فالفلاسفة ـ المناطقة أمثال جون ستيورات ميل، وجوتلوب فريجة ورودولف كارناب، فسروا الإحالة في الكلمة بأنها ما تشير إليه، وأن الإيحاء هو تلك الخصائص الملتبسة بما تشير إليه؛ ولذلك ارتبطت الإحالة بـ(الماصدق Extension) والإيحاء بالمفهوم (Intension). وزيادة في الإيضاح يفرّق جان كوهن بين مصطلح (الإيحاء Connotation) الذي يشير إلى الاستجابة العاطفية وبين مصطلح (الإحالة Denotation) الذي يشير إلى الاستجابة العقلية، وكلتا الاستجابتين تمثل وظيفتي اللغة العقلية والعاطفية.
لجمع طرفي الثنائية عقل ـ تدبير وعاطفة ـ انفعال في محور تحليلي موحد نرجع إلى نص «الحلم بأبي»، حيث يتعدى الحلم كموضوع لشعريَّة نص ما، إلى جامع لنص بتعبير جيرار جينيت، أي مجموع الخصائص العامة أو المتعالية التي ترفع بالحلم «الأب» من مرتبة الوظيفة البيولوجية كـ«والدي» إلى مرتبة الوظيفة الوجودية كـ «أبي» حسب تحديد السارد في النص للوظيفتين: «وأنا هنا أقول أبي، وليس والدي، لأن المصطلح الثاني ينتمي إلى البيولوجيا، في حين ينتمي المصطلح الأول إلى الآنثروبولوجيا وعلم الاجتماع، إلى ثقافة المجتمع، وبالنتيجة إلى السلطة. الوالد أصل.. معطي حياة وواهب وجود. لكن الأب سلطة قد تقيد الحياة وتحصر الوجود. تخنق الحرية».
ما لم تتم تسويته بخصوص العاطفة «الأبوية» في الواقع، بين العقلي والانفعالي يمكن تسويته في الحلم بالتخييل في قصة «الحلم بأبي» أخذ أبي ـ بعد سنوات من خروجي من السجن وموته ـ يظهر في أحلامي بشكل مسالم أحيانًا،حيث يكون عاديًا، إلا أنه أحيانا يكون يعرف القراءة والكتابة، بل ويؤلف!. وبذا لم أعد متميزًا عنه. كأنه كان يتقرب مني أو يبطل تميزي».
إن «حدّ الأب» باصطلاح التحليل النفسي هو من جهة، يخلي مكانه في الحلم لأنواع من المساومات التي تبطل التميز، وتحقق القرب بين أب/ ابن أو بالعكس، ومن جهة ثانية، كما بيّن السارد بضمير الأنا المتكلم في قصة الحلم بأبي أن «أبي يقتحم أحلامي بشكل يجعل الخلافات تنشب بيننا ويتحول الحلم إلى كابوس!» إن عودة الشقاق نجمت عن اهتزاز كفتي العقلي والعاطفي، وعبرت عن تباين بين منطق المؤسسة الأبوية، وبين منطق الفرد العاطفي الانفعالي الذي تجليه الإيحائية المضافة للأدبية في النص القصصي.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات