Atwasat

حقبة الملك تشارلز الثالث

جمعة بوكليب الأربعاء 10 مايو 2023, 01:14 مساء
جمعة بوكليب

لست ملكي الهوى، وهو اعتراف لا أرى سبباً يوجبه، لولا حفل التتويج الملكي البريطاني يوم السبت الماضي، والاهتمام الذي استقطبه في جميع أنحاء العالم، وحرصت أنا بدوري على مشاهدته مثل ملايين غيري. وبالتأكيد، فإنني أتوقع أن كثيرين من أنصار عودة الملكية إلى ليبيا حرصوا على متابعة تفاصيل مراسم حفل التتويج، وهم يمنّون أنفسهم باليوم الذي يرون فيه النظام الملكي السنوسي وقد عاد إلى ليبيا.

وهو أمر متوقع، ولا ضرر منه، وإن كان في نظري خارج نطاق التحقق، حسب معطيات الواقع المعاش وآلياته المعقدة، ما لم تحدث معجزة!

احتفال التتويج البريطاني، كما هو متوقع، كان مثيراً جداً، والإعداد له استغرق سنوات طويلة، وليس كما يعتقد خطأ البعض. وكان منتظراً ليكون بمثابة إثارة دولية هائلة، قادرة على استقطاب انتباه شعوب العالم إليه. وبمثابة ضخ دم جديد في الأسرة الملكية وتوثيق علاقتها بالشعب، خاصة في الفترة الزمنية الأخيرة التي تعرضت فيها العائلة المالكة إلى هزات عنيفة إعلامياً بسبب ما أذاعه الأمير هاري من معلومات، وما كشف عنه من أسرار، وقبلها كانت الفضيحة التي تسبب فيها الأمير أندرو بتورطه في قضايا أخلاقية. ومن المهم الإشارة إلى أن الاحتفال جاء في ظروف اقتصادية صعبة.

واستفتاءات الرأي العام تؤكد أن الشباب البريطاني لا يولي تتويج الملك أهمية. وأبدى كثير من رجال القانون عدم رضاهم على ما أنفق من أموال، بتأكيدهم أن طقوس التتويج لا يشترطها الدستور ولا يتطلبها القانون.

حظيت كل التفاصيل في الحفل، حتى الصغيرة منها، بالاهتمام واتصفت بالدقة، ولم يترك رجال ونساء البلاط الملكي شيئاً للحظ أو للصدفة. التأهب الأمني كان على أشده، خاصة بعد محاولة اختراق القصر الملكي في لندن، قبل يومين أو ثلاثة من الحفل، من قبل مواطن تقول وسائل الإعلام إنه ربما كان جمهوري الولاء. ذلك الهجوم دفع برجال الأمن إلى إعادة مراجعة الخطة الأمنية، بإنزال فرق من الجيش، شكلوا مع قوات الشرطة والأجهزة الأمنية سوراً أمنياً يصعب تجاوزه.

اللافت للانتباه أن المشاهد لمراسم التتويج يشعر وكأنه جالس في مقعد بدار عرض ويشاهد شريطاً سينمائياً يتناول فترة تاريخية قديمة. الملابس والاكسسوارات والكاتدرائية والموسيقى والطقوس كلها تنتمي لعصور مضت، وأحقاب تاريخية ولت. إلا أنها ما زالت براقة، وقادرة على إنزال الرهبة بالنفوس، كونها استمرارا لتقاليد حقب تاريخية موغلة في القدم، حيث الملوك كانوا ملوكاً، يستمدون مشروعيتهم وقوتهم من الله مباشرة، ويمثلونه على الأرض.

وحيث التحالف التاريخي بين السلطة (الملك) ورجال الدين (الكنيسة). ذلك التحالف التاريخي، في الحقيقة، لم يكن قصراً على بريطانيا، أو الدين المسيحي، ونظرة خاطفة واحدة تكفي للتعرف عليه، حتى في الدول غير الملكية.

مراسم طقوس التتويج، قصد بها أن تكون مبهرة للأبصار. ورغم الحضور الكبير ممثلاً في رؤساء دول وملوك ورؤساء حكومات إلا أن ما أثار انتباهي كان الحضور اللافت لرجال الدين، الذين استحوذوا على مجريات الحفل من البداية وحتى النهاية. إذ لا شيء كان يحدث من دونهم، وهم يتحركون ببطء وتؤدة مرتدين عباءات جديدة بألوان مختلفة، والملك بأبهته الملكية بينهم، يأمرونه فيطيع بصمت، وتحيط بهم جميعاً وبالمشهد هالات من غموض، يجعل المرء يشعر وكأنه متعمد، وأكثر مما تعوده، بقصد الإثارة.

الكاتب البريطاني «الان كاول-Alan Cowell» قال في مقالة نشرت مؤخراً في جريدة ذا نيويوك تايمز الأميركية، يفسر ذلك الغموض بقوله إن: «الغموض المحيط بالعائلة المالكة البريطانية - جد ضروري لقبول الأمة لنظامها الوراثي وامتيازاتها- وكان دائماً المنبع الذي تستمد منه قوتها، وهو مزيج من السرية والرمزية يتحدان في مشهد مصمم بدقة».

المشهد التتويجي انتهى كما بدأ بسرعة. والملك الجديد، تشارلز الثالث، الذي انتظر هذه اللحظة التاريخية منذ ولادته، نزع عنه أثواب أسلافه الملكية، وأعيد وضع التاج في الخزانة المعهودة، وعليه منذ الآن تدبُّر أمر ترتيب البيت الملكي المنقسم. وهي بداية لا تسر، ولا تتناسب مع حقبة ملكية جديدة.

ويدرك كذلك جيداً أن ولديه رغم خصامهما المعلن، ما زالا يستشعران ألم فراق والدتهما - الأميرة ديانا - المؤسف وما أحاط به من ظروف غامضة، ويرون المرأة التي كانت سبباً فيما حدث من كوارث عائلية، تأخذ مكانها وتتوج ملكة، على مرأى ومسمع من شعوب العالم، وعليهما أن يدينا لها بالولاء والطاعة.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»