Atwasat

«سيرة عالية»: الانحياز إلى الجمال

إبراهيم حميدان الأربعاء 03 مايو 2023, 01:21 مساء
إبراهيم حميدان

يرى البعض أن هذا الزمن هو «زمن الرواية»، وأنها الجنس الأدبي الذي صار يجتذب إليه الأدباء من كتاب الشعر والقصة القصيرة، ويستقطب اهتمام النقاد والناشرين والقراء، لكن هذا الكلام ليس صحيحاً بالمطلق، فهناك العديد من القصاصين في ليبيا والعالم العربي الذين نراهم ما زالوا يحافظون على إخلاصهم للقصة القصيرة، نذكر منهم في بلادنا على سبيل المثال القاص عمر الككلي، والقاص أحمد يوسف عقيلة، والقاص محمد المسلاتي، كما أننا نشهد بين حين وآخر، صدور مجموعة قصصية جديدة لكاتب أو كاتبة جديدة، متميزة شكلاً ومحتوى، كما هو الحال مع هذه المجموعة القصصية «سيرة عالية» للكاتبة الأستاذة «محبوبة خليفة» والصادرة مؤخراً عن دار الفرجاني.

وعلى الرغم من أنه إصدارها القصصي الأول؛ فإنها تبدو وقد تخطت ارتباك البدايات، فالكاتبة تدخل إلى ساحة القصة القصيرة بكثير من الثقة والثبات من خلال نصوص قصصية ناضجة فنياً، تعكس مقدرة ومهارة عالية في الكتابة الإبداعية، وتوحي بموهبة قوية، صقلتها معرفة بفنون السرد الحكائي ودراية بتقنيات الكتابة القصصية، فنجدها تزاوج بين كتابة تقليدية هي أقرب إلى الذكريات الشخصية منها إلى القصة القصيرة، كما في نص (من «درنة» إلى «اسكوتلاند»)، وكتابة حداثية، وأخرى ما بعد حداثية، كما في قصة (سيرة عالية) التي حملت المجموعة عنوانها، وكانت مختلفة عن بقية النصوص من حيث الحجم، إذ بلغت ثلاثاً وستين صفحة من الكتاب، وجاءت في ثمانية أجزاء، في حين أن بقية القصص لم يزد بعضها عن عدة صفحات.

ويتجلى الأسلوب ما بعد الحداثي في قصة (سيرة عالية) حين نجد أنفسنا أمام تداخل في أصوات الساردة أو الكاتبة التي تخاطب القارئ تارة، وتارة تخاطب شخصياتها وتحاورها:
(ترددت في الاستجابة، فأنا لا أعرفها، فكيف تناديني باسمي؟ لا بل تقول أنا ابنة من فتحتِ سيرتَها على الملأ وأخبرت الناس ببؤس حالها ولوعة قلبها)

هكذا تخبرنا الساردة أن إحدى شخصياتها الرئيسية تكلمها وتناديها بالاسم، وترد الكاتبة على بطلتها: («عالية».... صرخت بأعلى صوتي، وواصلت: «ما أجملك يا صبية وما أجمل سيرتك وسيرتها! أنا وقلمي تحت أمركما. اطلُبا ما تشاءان، وسيُطاع الجمال وأهله». اقتربت مني ووضعت يدها على كتفي، وأخبرتني بسعادة: «لا تنزعجي وتزعجي قُرَّاءَكِ، «يامنة» بخير، لقد أقنعتها وبدأت هي استعدادات الفرح، ستأخذني وصديقاتها إلى بيتي، وإلى من اختاره قلبي وقدري).

إذن، إحدى الشخصيات الرئيسية في هذه القصة القصيرة، وهي «عالية» تخاطب الكاتبة بألا تنزعج، فـ«يامنة» - وهي والدة «عالية» في هذه القصة - بخير، واستجابت أخيراً لرغبة ابنتها «عالية»، وقبلت تزويجها من ذلك الراعي الذي يعيش مع خرافه وعشيرته في قرية قريبة من مدينة «درنة» التي استقرت بها «يامنة» بعد أن كانت جاءتها هي أيضا، من قرية أخرى تقع بالقرب من «المدينة».

منذ سنوات طويلة، وأرادت أن تعيش وأسرتها بهذه المدينة، سعياً إلى تطوير أحوالهم عملاً وعلماً وتلاقحاً مع مجتمعات بينها اختلافات وبينها أيضاً تواد ورحمة ولُحمة ما عرفت شرخاً في تاريخها القريب. لكن ابنتها تقرر عكس إرادة الأم، مستجيبة لنداء قلبها بعد أن علقت بشباك ذلك الراعي من نظرة واحدة و«غناوة علم» واحدة، قالها لها مذهولاً بجمالها: (اعزاز وطنهم فاتوه سمعوا نباك جو جاي ياعلم).

وتروي لنا الساردة حكاية «عالية» ابنة «يامنة» الممرضة التي تعيش في «درنة»، وتنتقل بنا عبر الأماكن من «درنة» إلى إحدى القرى المجاورة التي انتقلت إليها «عالية» بعد زواجها من راعي الغنم، ثم تنجب «عالية» طفلة تسميها على اسم أمها «يامنة»، لكن سعادتها لا تكتمل فترحل بعد أن توصي أمها بصوت واهن: (يايام آني جيتك وان جتني ابنيّه انريدها كيف صِيتك.

وودي تكون سمّيتك، يايام «عالية» توصيك) تتولى «يامنة» الجدة تربية حفيدتها «يامنة» إلى أن تنتقل الحفيدة إلى «طرابلس»، كي تواصل دراستها هناك وتكون لها صديقات من مختلف أنحاء البلاد من بينها فاطمة ابنة منطقة «الغريفة» في الجنوب الليبي، التي توجه الدعوة للحفيدة «يامنة» بعد تخرجهما معا من المعهد كي تحل ضيفة على أهلها بضعة أسابيع، في منطقة الغريفة وتقبل «يامنة» الدعوة وهي تتذكر «تلك الأغنية الشعبية الدرناوية الشهيرة: «اليوم ياغريفة فيك الضي... وفيك إزويل ايعز علي» وتبتسم متعجبة: «هل كان يعنيني ذلك «الغنَّاي».

ونلاحظ مهارة الكاتبة في هذه القصة وقدرتها على الإيجاز والتكثيف، والتحكم في تقديم ورسم الأحداث في تلاحقها السريع، والتي تبدو غير منطقية ونحن نرويها هنا لكن الكاتبة تمتلك القدرة على تقديم المشاهد والحوارات في سرد يتوفر على بلاغة وإقناع فني، وبراعة في طي مراحل زمنية طويلة نسبياً، في مشاهد قصيرة، دون الوقوع في الافتعال، أو القفز على الفترات الزمنية، كما نلحظ مهارة في تقديم الشخصيات وتحولاتها في التفكير واتخاذ القرارات، كما في قرار زواج الابنة «عالية» من الراعي والذي يتعارض مع رغبة والدتها أو في قرار «يامنة» الحفيدة الاستجابة إلى دعوة صديقتها فاطمة في الذهاب معها إلى «الغريفة» بالجنوب الليبي، كما أن الخاتمة لم تأتِ مفتعلة لأن القاصة قدمتها على هيئة ترجيحات واحتمالات متعددة في نهاية مفتوحة متروكة للقارئ لترجيح الاحتمال الذي يراه.

تحضر «درنة» في قصص «محبوبة خليفة» بكثافة، وتبرع الكاتبة في رسم مشاهد عديدة لمدينتها التي تقدمها للقارئ عبر لوحات رسم تشكيلية أخاذة، توظف فيها خيالاً خصباً وجماليات الشعر وتقنيات الكتابة السينمائية والمسرحية وإيقاعات الموسيقى. وعبر مشاهد متقنة، تصف لنا الكاتبة «درنة» الجمال، الطبيعة الخلابة، بتفاصيلها: الوادي والشلال والزهور والأعشاب والنباتات والأشجار والعطور وحكايات «درنة» وتراثها الشعبي وأغاني العلم والشتاوة، والعلاقات الإنسانية، ولقاءات الشاهي المترعة بالحكايات والضحكات، والمناسبات الاجتماعية التي تجمع الأحبة، والشوارع والأزقة والأسواق، والشخصيات التي تصورها الكاتبة بكثير من الحب، خاصة الشخصيات النسائية، حيث نرى المرأة حاضرة بكثافة في قصص هذه المجموعة: أماً وزوجة وجدة وفتاة شابة وصبية وطفلة.

لوحات تعبق بالجمال تحشدها الكاتبة، وكأنها آلت على نفسها اقتناص الجمال الدرناوي في هذه المجموعة القصصية، فهي لا تتردد في انحيازها إلى الجمال حتى وهي تصور الوجع، حين يصبح الجمال وتحديداً الموسيقى أداة لمقاومة الألم، كما في قصة بديعة حملت عنوان «تك تك يا أم سليمان» التي تصور لنا فيها الكاتبة أماً ليبية يمرض طفلها في بغداد حيث تقيم هي وعائلتها، فتسرع به رفقة زوجها إلى المستشفى، وهناك تضطر إلى الجلوس على كرسي إلى جانب الطفل المريض الذي وضعت الممرضات بناءً على أوامر الطبيب كمامة الأوكسجين على فمه.

فيما كان الصغير يتملص ويعافر الكمامة، لكن الأم الجالسة إلى جواره تمسك بيدها الكمامة وبيدها الأخرى تمسك يده، وقلبها يجاور قلبه الطري، وهي تهمس له في أذنه: تك تك تك يا أم سليمان، تك تك تك زوجك وين كان... تك تك تك كان بالحقلي .....عم يزرع خوخ ورمان»

«سرح الصبي مع الدندنة وارتخى جسده وما عاد يقاوم الكمامة، إلا إذا توقفتُ قليلا لآخذ نفسي. عندها يعاود تمرده! ظللت على هذه الحالة ليلة كاملة، حتى ظهر علينا الصباح، وأتمت الكمامة مهمتها، بنجاح، واستعاد المتذوق الصغير للفن الجميل صحته وتنفسه».

في قصة «عمتي وتشرشل» تصور لنا الكاتبة العمة التي اتسمت بسطوة على الناس، سطوة الجمال وقوة الشخصية، «فكل من حول عمتي مريدات وحواريات، ينظرن لها بحب وهيبة ويخشين غضبتها».

لكن هذه السطوة لا تعني الغطرسة أو التكبر، بل هي سطوة الجمال، جمال الشكل الخارجي والروح، فمن بين ما تتميز به هذه العمة الجميلة، خفة الدم «فقد كانت ملكة بلا عروش أو تيجان. وكانت ظريفة، ولها قدرة هائلة على إضحاك والدي المتزن، بشخصيته القوية».

وإذا كانت الكاتبة قد بدأت هذه القصة بمفتتح تخبرنا فيه بأن عمتها في غفوة مقدسة، «معتزلة من حولها، ومن كان حولها سيعتزلونها خوفاً وهيبة واحتراماً»، فإنها تختتم قصتها بسطر يوحي ويومئ ولا يفصح بشكل مباشر عن نهاية حزينة: «كانت قيلولتها، ذلك النهار، طويلة........ أطول مما يجب».

وفي قصة بعنوان «قطرات من الزهر» نجد أنفسنا إزاء خاتمة مشابهة، حين يعود الأب إلى بيته مجرجراً قدميه على غير عادته، وبعد أن تفتح له ابنته الباب في خوف، وقد رأته على هذه الصورة يجلس متهالكاً على الكرسي، تهرع إليه الزوجة وتشرع في سقيه ماء الزهر ثم تمسح رأسه ووجهه بمنديل معطر بالقطرات العجيبة، فيهدأ القلب الواجف ويتبادلان الابتسام، ثم يخبرهما، الزوجة والابنة، بأنه تعرض لهجوم من قبل اثنين من المجرمين دخلا عليه المحل وأجبراه على أن يترك الخزينة مفتوحة ويغادر «لقد حذره بعض أصدقائه في طرابلس من العاصفة القادمة ونصحوه لكنه لم يصدقهم إلى أن تعرض إلى هذا الاعتداء، وبعد أن يحضن أحفاده وقد استعاد هدوءه، وبعد أن تأمل صورة ابنته وقرأ رسالتها التي بعثت بها إليه تطمئنه عليها وعلى عائلتها وقد اختار لها القدر غياباً قسرياً خلال سنوات العتمة.

لم يكن يعرف خلالها أخبارها إلا خلسة، ودون علم السلطات، فلا مكالمات ولا زيارات ولا شيء يطفئ لوعة البعد، بعد هذا كله، تختتم الكاتبة قصتها بهذا المشهد: «فتح باب الحديقة الخلفية، فباغته الهواء البارد فزادت راحته، وأخذ نفساً عميقاً، وتبادل مع قطعة الأرض الصغيرة النظرات! كانت تبثه الشوق، منذ زمن بعيد، وكان يؤجل الرد إلى زمن آخر، ولكن يبدو أن ذلك الزمن جاء غريباً وحثيثاً وسريعاً، أسرع مما تصور».

وهكذا، تقدم الكاتبة قصصها عبر مشاهد متتالية موحية، وبلغة مكثفة، وحوارات قصيرة ذكية، تقدم واقعاً ليبياً، بعضه ينتمي إلى الزمن الحاضر وبعضه يعود بنا إلى زمن مضى، بعضه ماضٍ قريب، وبعضه ماضٍ بعيد، مستعينة بذاكرة قوية، وتجربة حياتية غنية، عرفت فيها الناس في مناطق ومدن وعواصم مختلفة عربية وأجنبية عبر سنوات الغربة الطويلة، أكسبتها خبرة.

علاوة على امتلاك القدرة على تصوير المشاهد القصصية بأسلوب يتكئ على تجربة شعرية عرفت الكاتبة كيف توظفها في السرد بغير إسراف، إضافة إلى مهارات توظيف التراث الشعبي، والحوار باللهجة الدرناوية الجميلة التي أضافت نكهة خاصة على هذه القصص التي قد تعرفنا من خلالها على كاتبة جادة مثابرة، نتطلع أن نقرأ لها المزيد من القصص الجميلة. فتحية لها على هذه المجموعة القصصية الرائعة وتحية للناشر الأستاذ غسان الفرجاني الذي عودنا على حسن اختياراته.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»