Atwasat

أين ذهبَ ذهبُ ليبيا؟

سالم العوكلي الثلاثاء 18 أبريل 2023, 01:57 مساء
سالم العوكلي

يتجه المستثمرون في السنوات الأخيرة إلى التركيز على شراء الذهب كسلعة مضمونة وحامية من تداعيات الأزمات الاقتصادية والمالية المفاجئة، ورغم أن الذهب لم يعد رصيداً للعملات في البلدان المتقدمة التي تعتمد على قوتها الاقتصادية أو العسكرية، إلا أنه مازال له تأثير قوي على قيمة العملة وبالتالي مستوى المعيشة، ولعل ما تعرضت له العملة الليبية من تراجع ناتج عن اللعب باحتياطي الذهب بالبنك المركزي.

نقلاً عن صحيفة (عربي 21) الإلكترونية بتاريخ 16 يونيو 2023، أفاد تقرير لمجلس الذهب العالمي بخصوص آخر تحديث عن كميات الذهب في البنوك المركزية في العالم، بأن احتياطي الذهب في مصرف ليبيا المركزي انخفض منذ العام 2011 إلى 116 طناً بدل 143 طنا، ما يعني اختفاء 27 طناً من احتياطي الذهب الليبي. ونقلا عن "العين الإخبارية" 30 أكتوبر 2020 فقد كشفت وكالة بلومبرج الأمريكية عن أن تركيا باعت 22.3 طنا من الذهب في الربع الثالث من العام 2020 وذلك للمرة الأولى في 13 عاماً.

كما أن المتحدث الرسمي باسم حزب الشعب الجمهوري التركي فايق أوزتراك صرح في سبتمبر 2020 بأن واردات تركيا من الذهب "بلغت في الأشهر الثمانية الأولى من هذا العام 16 مليار دولار، بينها 576 مليون دولار من ليبيا وحدها".

ويؤكد خبراء اقتصاديون ليبيون أن أنقرة تسيطر على المصرف المركزي الليبي في طرابلس، وهو ما يمكنها من الاستيلاء على أطنان الذهب الليبي لتحسين مستواها الاقتصادي، أمام تردي الليرة التركية.

ويقول الخبير الاقتصادي الليبي، عيسى رشوان، إن تركيا استولت على 22 طنا من احتياطي الذهب في مصرف ليبيا المركزي، خلال الفترة بين 2011 و2019، مشيرًا إلى أنه لا يوجد أي اتفاق بين ليبيا وتركيا في بيع أو شراء الذهب.

وأوضح الخبير الاقتصادي الليبي، في تصريحات لـ"العين الإخبارية"، أن ليبيا ليست دولة مصدرة للذهب بشكل رسمي، وتعجب قائلا: "كيف استوردت تركيا من ليبيا في الأشهر السبعة الأولى ذهبا بقيمة 576 مليون دولار؟".

وأكد أن الرقم الذي أعلنته وكالة "بلومبرج" اليوم، ببيع تركيا 22.3 طن ذهب خلال الربع الثالث من العام 2020، يتطابق مع نقص احتياطي الذهب الليبي في البنك المركزي الليبي سابقا ما بين 2011 إلى 2019.

ويقول الدكتور سليمان الشحومي الرئيس السابق لسوق الأوراق المالية في ليبيا، إنه لا توجد عمليات تصدير رسمي للذهب من ليبيا، لكن يتم ذلك من قبل تجار الذهب والعملة بشكل غير قانوني.

المحلل السياسي الليبي رضوان الفيتوري قال، في تصريحات لـ"العين الإخبارية"، إن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ينظر إلى ليبيا على أنها "ملك مستباح، وأنها إحدى مستعمرات الدولة العثمانية البائدة".

أشار المحلل السياسي الليبي إلى أن الرئيس التركي يحاول عبر محافظ مصرف ليبيا المركزي الصديق الكبير، الاستيلاء على الذهب الليبي الذي يعتبره الأخير ملكية خاصة يتصرف فيها كيفما شاء. وأكد أن أردوغان يحاول أن ينقل رصيد ذهب مصرف ليبيا المركزي إلى تركيا عبر صفقات شكلية.(العين الإخبارية . 30 أكتوبر 2020 ).

وتأتي هذه الشبهات التي تتدوالها العديد من المصادر الاقتصادية الدولية والعربية وبعض أجهزة الرقابة المحلية في وقت يتفشى فيه الفساد في ليبيا على كافة الأصعدة، حيث يشير تقرير أصدرته منظمة الشفافية الدولية عن العام 2021، أن ليبيا حلت في المرتبة الـ172 من بين 180 بلدًا شملها المؤشر، لتكون بذلك ضمن قائمة الدول التسع الأكثر فساداً في العالم.

أما صحيفة حفريات الإلكترونية التي تصدر عن مركز دال للأبحاث والإنتاج الإعلامي بالقاهرة، فقد ذكرت بتاريخ 18 أكتوبر 2020 وتحت عنوان: "كيف نهبت تركيا أموال ليبيا؟" أن تقارير دولية تحدثت عن "عمليات تهريب واسعة لأموال ليبية وسبائك ذهب الى تركيا منذ العام 2012 وسيطرة الميليشيات المسلحة على مفاصل الحياة السياسية والاقتصادية والأمنية وخاصة على المصرف المركزي الليبي.". وتضيف الصحيفة أن أستاذ القانون العام والمحلل السياسي الليبي الدكتور محمد الزبيدي، أكد"أن الأتراك يعتبرون حلفاء أقوياء لعناصر الإخوان فى ليبيا، وتعمل أنقرة على مص دماء المواطن الليبي، ونهب أمواله وثرواته من خلال عملاء ليبيين يعملون فى المجال العام. وأشار الزبيدي إلى وجود تحويلات مالية تقدر بملايين الدولارات ترسل إلى تركيا بحجة استيراد مواد غذائية وغيرها، ولكن في الواقع تكون هذه المواد وهمية، وترسو السفن التركية بالموانئ الليبية وهي فارغة من البضاعة أو محملة بسلع تالفة.".

من جانب آخر، وفق الصحيفة نفسها، أكد مسؤول مالي في الحكومة الليبية أن تركيا تحتجز الأرصدة الليبية المودعة في مصارفها بدعوى انها تطالب بتعويض للشركات التركية عن عقودٍ توقفَ تنفيذها بسبب سقوط النظام السابق، ويشير السيد رمزي آغا، رئيس لجنة أزمة السيولة بمصرف ليبيا المركزي الموازي بالبيضاء، أن لديه معلومات موثقة عن وجود تعليمات من محافظ البنك المركزي بأنقرة للصديق الكبير بعدم استخدام الأرصدة الليبية المودعة بالبنوك التركية إلى حين انتهاء تسوية الديون الليبية، ومنها تكاليف المساعدات العسكرية المقدمة لحكومة الوفاق، وعلاج الجرحى الليبيين في المستشفيات التركية، ونفقات نقل المرتزقة، إلى جانب تنفيذ الأحكام القضائية بتعويض الشركات التركية عن أعمال ومشاريع نُفذت في ليبيا، وأخرى تعطلت ولم تُسدد.

كما أشار آغا إلى أن المصرف المركزي الليبي الذي يملك احتياطات من النقد الأجنبي تتجاوز 80 مليار دولار، قام بتحويل جزء كبير منها إلى البنوك التركية خلال الأيام الماضية، وذلك بعد شهرين من تحويل 4 مليارات دولار، مضيفا أن كل هذه الأموال أصبحت اليوم بموجب قرار المصرف المركزي التركي غير قابلة للتصرف والاستخدام من قبل الدولة الليبية. والجدير ذكره أن الكثير من الليبيين الذين زارو تركيا خلال السنوات الأخيرة يتحدثون عن انتشار كميات من الدولارات المزيفة (مزيفة وليست مزورة بمعنى أن لا قيمة لها) في السوق الموازية، وتعرف بالدولارات المجمدة، وفضلا عن كل هذا انتشرت في الفترة الأخيرة كمية من الدولارات بلا قيمة ولكنها ليست مزورة، وهي عملة يتم تداولها في الأسواق ولا يمكن إيداعها في البنوك، وتباع في السوق السوداء بنصف وربع قيمة الدولار الحقيقية، حيث إن العديد من تجار الدولار في ليبيا يجلبونها من تركيا بأسعار منخفضة ويبيعونها بأسعار السوق السوداء الليبية. وبرزت ظاهرة "الدولار المجمد" لأول مرة عندما تعرضت البنوك العراقية إبان حرب الخليج الثانية للنهب، وفي هذه الحالة يتم الإبلاغ عن أرقام تسلسلها من قبل البنك الأمريكي الفيدرالي، وبالتالي لا يمكن التعامل بها إلا في البيع والشراء وفي السوق الموازية، تماماً كما يحدث مع الدولارات الليبية المجمدة في تركيا، حيث إ مئات ملايين من الدولارات المهربة إلى تركيا يتم تجميد أرقامها التسلسلية أثناء رحلتها، وتصل إلى هناك فاقدة قيمتها رسمياً.

كما كشف مرصد الشرق الأوسط وشمال إفريقيا الإعلامي "مينا"، عن أن اسطنبول أصبحت تعرف بأنها "ثلاجة الأموال الليبية" حيث تباع العشرة آلاف دولار من الأموال الليبية المجمدة بخمسة آلاف دولار، وأحيانا بربع قيمتها، كما يذكر مرصد مينا أن "السراج دفع 12 مليار دولار للحكومة التركية، توزعت بين 8 مليارات دولار كوديعة (ذات عائد صفري) في المصرف المركزي التركي، و4 مليارات نقداً لحكومة أنقرة.".

من جانب آخر، كانت بيانات صادرة عن إدارة التجارة الخارجية بمصلحة التعداد والإحصاء التابعة لوزارة التخطيط بحكومة الوفاق الوطني السابقة قد كشفت قبل سنوات عن تهريب أطنان من الذهب الليبي إلى الإمارات قدّرت قيمتها بنحو ثلاثة مليارات دولار، لكنها لم تحدد الفترة الزمنية. ما يعني أن اختفاء الذهب من ليبيا لا يقف عند الكمية التي حددها المجلس، بل إن كميات كبيرة يحتمل أن تكون اختفت من البلاد.

ورداً على ما جاء في تقرير مجلس الذهب العالمي، قال مصرف ليبيا المركزي، في بيان (العام 2020) إن رصيده من الذهب كما هو دون نقصان منذ 20 أغسطس 2011 وحتى الآن. دون أن يكشف عن حجم الاحتياطي من الذهب. غير أن هذا الدخان الكثيف الذي يثار حول هذه الشبهات ليس من دون حريق يبثه، ولا أحد يعرف حجم هذا الحريق في مقدرات الشعب الليبي، بل وكرامته، لأن كرامة المواطن من قيمة عملته وقيمة العملة مرتبطة بهذا الاحتياطي، حيث توصف احتياطيات الذهب بأنها وسادة الأمان خلال الأزمات الصعبة التي تمر بها الدول، وهذا مايؤكده تهافت تركيا والكثير من الدول على الذهب في السنوات الأخيرة، إذ سجلت مشترياتها أعلى وتيرة منذ خمسين عاماً، أو ما يزيد على 650 طن متري. وهذا النهم الدولي تجاه المعدن الأصفر ما يجعل شبكة الإنترنت مكتظة بمقاطع سرقة الذهب من جبال جنوب ليبيا، ويذكر موقع (أسطرنت) أن قاعدة الكفرة أبلغت رئاسة الأركان والحكومة الليبية عن نزول طائرات أمريكية وفرنسية تابعة لشركة التنقيب عن الذهب في جبل العوينات وفق شهادة أحد العاملين بالشركة التي لا تملك عقداً مع السلطات الليبية للتنقيب، وقد ورد في تقرير للمجلس العالمي للذهب أنه "تحت جبل العوينات الجرانيتي وصخوره النارية السوداء يقع ثاني أكبر مخزون للذهب في القارة الإفريقية"، وفق موقع (عربي بوست).



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»