ذكرى 7 أبريل مرت خلال الأيام الماضية، لكن كما يقول إخوتنا في مصر «على سُكاتْ». ولم تحظَ من وسائل الإعلام الليبية إلا بقليل من الاهتمام، غابت عن مواقع التواصل الاجتماعي. ولم أقرأ سوى مقالة يتيمة تستحق الاهتمام، كتبها الصديق الكاتب المسرحي والروائي منصور بوشناف، في موقع جريدة الوسط، حول جريمة إعدام الشهيدين عمر دبوب ومحمد بن سعود، رحمهما الله. لماذا؟
في تفسير ما حدث، يمكن القول إن رادار الذاكرة الليبية، على ما يبدو، في حالة بيات شتوي أطول مما يجب. أو ربما كان عرضة لتأثيرات شهر الصوم. ولذلك السبب، يبدو أنه افتقد المزاج للتفكير والتدبر في أمور دنيوية.
ولنكن منصفين، ليس للصوم دخل في تجاهل إحياء الذكرى الطلابية. لأن الذاكرة الليبية بطبعها اصطفائية ومزاجية، والمثابرة ليست من خصائصها المعروفة.
سبعة وأربعون عاماً مرت على ذلك اليوم المشهود في جامعة طرابلس. حيث وقفت الحركة الوطنية الطلابية الليبية، شباباً وشابات، بصمود وشرف تدافع عن استقلالية الحرم الجامعي، وحقها في تأسيس اتحاد طلابي يمثلها ويدافع عن حقوقها، وعن حقها في وطن، اختطفه واستباحه العسكر.
رأس النظام العسكري، كان هو من اختار موعد ومكان المعركة الأخيرة. والفاشيون، من أعضاء اللجان الثورية، في الجامعة وخارجها، والأجهزة الأمنية والاستخباراتية، كانوا من تولى تنفيذ الخطة، وبقسوة عرفوا بها، ولا يحسدون عليها.
المعركة الأخيرة كان ميدان كلية الهندسة موقعها. والذين حضروا المعركة الأخيرة، من التيار الوطني الطلابي، من الجنسين، ممن كانوا يدرسون في مختلف الكليات، وينتمون إلى جميع مناطق ليبيا، وما زالوا أحياء، يتذكرون، من دون شك، تفاصيلها. والفاشيون من أزلام النظام يتذكرونها أيضاً. كان الطلاب الوطنيون يدركون، منذ البداية، أن المعركة لن تكون متكافئة. وكانوا يعرفون أنه ليس بإمكانهم هزيمة نظام عسكري فاشي الطبيعة والمنهج، وكان بإمكانهم الانسحاب والتواري. لكنهم اختاروا البقاء. ولم يهربوا من الميدان، ووقفوا صامدين حتى اللحظة الأخيرة، وتحملوا العواقب بشجاعة.
تحية للأحياء منهم، ورحم الله من غادروا منهم عالمنا الدنيوي.
مَنْ أنتَ؟
قبل أن تموت أمه الملكة إليزابيث الثانية، ملكة بريطانيا العظمى، شغل الملك الحالي تشارلز الثالث، لمدة 73 عاماً منصب ولي عهدها. وكان حريصاً على القيام بواجباته ومسؤولياته الملكية. كانت زياراته إلى المستشفيات والمدارس والجمعيات تحظى بتغطية إعلامية في الجرائد، وفي القنوات التلفزية الإخبارية. وصدف في إحدى المرات، أنني شاهدته على شاشة التلفزيون يقوم بزيارة إلى روضة أطفال، تقع في واحدة من مناطق لندن الفقيرة. كان الأميرـ وقتذاك، كعادته بشوشاً مع الأطفال. يلاعب هذا الطفل، ويضاحك تلك الطفلة، ويتحدث مع المشرفين والمشرفات. وفي واحدة من اللقطات التي لا تتكرر مطلقاً، وقف أمام طفلة، وظل ينظر إليها مبتسماً، وكأنها أعجبته أكثر من غيرها. رفعت الطفلة نظرها نحوه، وبدت متضايقة من وجوده قربها. كان عمرها لا يتجاوز الأربعة أعوام. وسألته بنبرة يبدو منها الانزعاج: من أنت؟
تغيرت ملامح الأمير فجأة، وغامت ابتسامته. رد على وجه السرعة، وبما يشبه الهمس: ليتني كنتُ أعرف.
أهلاً بالربيع
«عينقابل أو عين قابل» لا أدري أيهما أصح. تعبير شعبي ليبي، يقال لدى تذوق أول جني من فاكهة في بداية موسمها. وفي سنوات طفولتي، كانت أمي، كلما أحضر أبي إلى البيت أول فاكهة موسم، تحرص على أن تشارك جاراتها منها. فتقوم بتقسيم الكمية في صحون صغيرة، وتغطيها بأطباق، وتطلب مني توصيلها إلى بيوت الجيران. وكانت تحرص على تذكيري بأن أقدم لكل جارة نصيبها من الفاكهة، وأقول لها: «أمي تسلم عليك، وقالتلك عينقابل».
تذكرت ذلك التعبير الجميل، صباح ذلك اليوم، حين استيقظت من نومي، ووجدت شمساً ربيعية، كاملة الأوصاف، في انتظاري، تغمر أركان غرفتي، لأول مرة، رغم أن الربيع، وفق الروزنامة، حل منذ أسابيع مضت. فقلت لنفسي:«عينقابل»
تخيّل أنك تتذوق بهجة شمس صباحية، وتحسّها تذوب في ريقك من فرط عذوبة دفئها، وكأنك تتذوق عسل حبة تين جبلي طازجة، ولم تغادر فراشك بعد.
أول قطفة، وأول جني، من شمس ربيعية بهيجة، حلت بيننا في لندن هذا الربيع، من دون سابق إنذار، وبعد غياب طويل نسبياً. شمس تذكرك بأول قبلة اقتطفتها خلسة، في زقاق ضيق، بعيداً عن الأعين، من ثغر أول حب أغوى قلبك الطري، أو كحُنو لمسة من يد ناعمة، تتخلل شعر رأسك صباحاً، لتوقظك من نوم غير مريح.
شمس ربيع فاجأتني، واقتربت مبتسمة بصحوها من سمائي، فانقشعت غيومي، وتلاشت همومي. وفي برودة حنايا قلبي شع نور دفء كأغنية من عمر مضى، فشعرت وكأني أسبح في بحر من ضياء. إنه الربيع حقاً، وقد جاء لينقذني من عتم وأسى خريفي، ويعيدني إلى ما فقدت وافتقدت من هوى.
مرحباً بالربيع. وأهلاً وسهلاً بأمنا الشمس الحنونة، بعد غياب طويل. ياعشب الحدائق، يا أعزَّ الأصدقاء: صباح الخير. وأنتِ أيتها الأشجار، التي تصطف على جوانب الطرقات، وقد استيقظت مبكراً، على زقرقة الطير: هيا افتحي شبابيكك المغلقة على اتساعها، لتنسل بهجة اخضرار أغصانك المورقة بدعة وتستحم في ضوء الشمس، كي تستروح العيون المتعبة، وتتخلص مما ترسّب فيها من رماد الغيوم.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات