Atwasat

ما أحلى الرجوع إليه

جمعة بوكليب 3 أيام
جمعة بوكليب

في عهود قديمة، وصفوا السفر بأنه قطعة من عذاب. وكان وصفاً صحيحاً، غير قابل لنقاش، أو محط جدال. لكن بفضل التطور الإنساني، وتراكم التقدم العلمي، لم يعد السفر كما وُصف. بل صار، بمرور الوقت، متعة مشتهاة، وسياحة ضرورية يتطلبها العقل والبدن والروح والوجدان.

المسافات التي كان يقطعها المسافرون قديماً سيراً على أقدامهم، أو محمولين على ظهور دواب، في أسابيع وأشهر، صارت الطائرات والسيارات والحافلات الحديثة تقطعها في ساعات محدودة. وتحول السفر إلى صناعة عالمية هائلة ومربحة، تدر الأموال على أصحابها.

في السنوات التي حل فيها الوباء الفيروسي «كوفيد- 19» بالأرض، تمكن ذلك الفيروس اللعين، خلال أسابيع قليلة، من وضع عصي في دولايب الحياة وتعطيلها مؤقتاً. وفيما يخص السفر، تمكن من إعادة عقارب الساعة إلى الوراء. وأضحى السفر، كما كان في العهود القديمة، قطعة من عذاب، وأسوأ.

مطارات مدن العالم خلت من المسافرين. ومهابطها أضحت مثل مقابر لطائرات جاثمة هامدة بلا حياة. وتحولت صالات المسافرين فيها، ومراكز النقاط الحدودية إلى مقار حجر صحي، لا ينفذ المسافرون منها إلا بشق الأنفس، إن أفلحوا.
الفيروس اللئيم كان عدوانياً. ومثل جيش زاحف غير مرئي، لا يقبل بأسرى.

بل يقتل كل من يلقاه في طريقه، وكأنّه جيش جنكيزخان الوحشي.

إلا أنه، من جهة أخرى، كشف لنا حقيقة مهمة كنا نسيناها. وهي أن الحياة البشرية الحديثة، بكل تطورها وعلمها وتقنيتها وامتيازاتها، ليست بضمان صك مصرفي مصدق، ومن الممكن جداً أن تُخسر، بين يوم وليلة، وفي ضربة واحدة، من قنبلة نووية أو هيدروجينية أو من فيروس لا يُرى بالعين المجردة.

الفيروس اللئيم علمنا درساً لا ينسى، وهو أن الدور الفخمة، والبيوت الأنيقة، والعمارات الشاهقة بشققها العديدة، من الممكن جداً، بين لحظة وأخرى، أن تتحول إلى سجون، لا يستطيع ساكنوها مغادرتها، والخروج إلى الشوارع، خوفاً من أن يقتنصهم عدو متربص غير مرئي، ويقضي عليهم.

تلك الأيام والأسابيع والشهور المريرة- الله لا يردها- ولّت وانقضت، والحمد لله، لكن مرارتها احتلت جزءاً من ذاكرة كل فرد منا، بعد أن تمكن الباحثون في المختبرات العلمية، في فترة زمنية قصيرة، من اكتشاف أمصال واقية، أتاحت لنا ثانية فرصة استعادة ما فقدناه، والعودة تدريجياً إلى سابق روتيننا الحياتي، وعودة الطمأنينة والسكينة إلى نفوسنا. وانقشع مؤقتاً غمام التهديد بالموت عن سمواتنا.

وعاد، من جديد، تحليق الطائرات في الأجواء، بحمولتها من المسافرين، واستعدنا، بعد معاناة تواصلت قرابة سنوات ثلاث، ما سلبه الفيروس منا عنوة.

بعد هجر طويل عاد إلينا السفر، كما يعود عاشق إلى عشق قديم، وجعلنا نغني طرباً مع نجاة الصغيرة، ما كتبه نزار قباني، ولحّنه محمد عبد الوهاب: «ما أحلى الرجوع إليه>>.

تذكرت كل ذلك، وأنا أعد العدة استعداداً للسفر، قاصداً مدينة القاهرة لأيام قليلة، لحضور بعض من أنشطة معرض كتابها الدولي السنوي. وليس غريباً أن يقترن السفر إلى قاهرة المعز بالكتاب. القاهرة والكتاب صنوان. من منا زارها مرة ولم يعد محملاً بحقائب مليئة بزاد من كتب؟ من منا عاش بها فترة قصيرة من الزمن، ولم يدمن زيارة مكتباتها، ويحرص على حضور مناشط قصورها الثقافية؟ من منا سار في شوارعها ولا يتذكر الكتاب والشعراء والروائيين الذين ساروا على أقدامهم، يوماً ما، على ذات الأرصفة، في نفس الشوارع، في وسط البلد؟

لذلك، فإن مجرد ذكر اسم تلك المدينة التاريخية في حديث يستدعي فورياً في الذاكرة الكتب والمكتبات. وزيارة معرض القاهرة الدولي للكتاب، صارت بمرور الوقت، وتعاقب الدورات، تقليداً ثقافياً سنوياً مثل موسم حج، يستقطب عشاق الكتب من كل فج عميق، ليلتقوا، ويتعارفوا، ويتناقشوا، ويتدارسوا، ويقتنون آخر إصدارات دور النشر والطباعة، من جميع أنواع المعرفة.

ما أحلى الرجوع إليه. ما أحلى الرجوع إلى السفر.