Atwasat

التنظيمات السرية في الجيش الليبي 1952- 1969 (15)

سالم الكبتي الأربعاء 24 أبريل 2024, 11:58 صباحا
سالم الكبتي

..ثم كان تنظيم الرواد كما وصف داخل الجيش من العارفين ببداياته. أقبل ليأخذ دوره في مشوار تلك التنظيمات ويحاول من جهته بذل جهده في التغيير. ولعل صبغته القومية (والناصرية تحديدًا) التي تميز بها بعض أعضائه أكدت ضرورة القيام بتحركاته ونشاطاته تحت هذا الغطاء. إن نكسة يونيو عام 1967 كانت زلزالًا هز المنطقة بكاملها ومنها ليبيا ونتج عنه ارتدادات لم تهدأ أو تستقر. وأحدث استجابة قوية لدى التنظيم للمزيد من الحراك والتفاعل. قد يكون التنظيم أيضًا شرع في التفكير للتأسيس والإعداد قبيل النكسة غير أنه كما تشير الروايات من مصادرها المباشرة والوثيقة الصلة بالموضوع برز لديه الحماس نتيجة لما أصاب الأمة. 

هذا التنظيم ظل أعضاؤه منذ كان بعضهم برتبة ملازم في فترة سابقة ضمن التنظيم المعروف للمقدم فوزي الدغيلي وبمرور الوقت شعروا بأن ثمة تراخيًا في إنجاز الهدف المتفق عليه ورأوا أن أغلب ضباطه ركنوا إلى حياة الدعة على حد رأيهم وصاروا مثل قيادات الجيش المتنفذة التي لا يهمها ما يتصل بالتغيير والإصلاح ولهذا خرجوا من عباءة الدغيلي وهو صاحب السبق الأول في أعرق تنظيم سري بالجيش الليبي نشأ كما مر بنا في العراق عام 1956 أثناء الدراسة في الكلية العسكرية هناك وكان الدافع لنشوئه خارج البلاد تماهيًا مع النضال القومي لعبدالناصر في إنجازه الإسهام باسم العرب في الحياد الإيجابي وتحقيق صفقة الأسلحة التشيكية والشروع في بناء السد العالي والصراع مع الغرب وأمريكا ومساندة ثورة الجزائر ثم تأميم قناة السويس انتهاء بالعدوان الثلاثي على مصر بسبب هذه المواقف المتوالية. كان لها الصدى والتأثير في الشارع العربي بكل مستوياته وأطيافه من المحيط الهادر إلى الخليج الثائر كما كانت تردد الشعارات صباحًا ومساء في ذلك الزمن وتطن في أذن كل مواطن. والعسكريون في النهاية كانوا جزءًا من هذا الشارع وهذا الرأي الشعبي الذي عمَّ وانتشر في المنطقة. التقطوا كل ذلك وحفظوه جيدًا وتأثروا به من دون توقف. 
كان للموضوع القومي وتياره الجارف تلك الأيام نصيبه الهائل وتأثيره في تشكيل الخلايا السرية والتنظيمات في الجيش على نحو جلي ولم يكن في الغالب وجود لأمثلة أخرى في تفكير تلك التنظيمات سوى بعض منها الذي كان يركز على الداخل والاهتمام به قبل المحيط المجاور وتغييره نحو الأفضل. وبهذا يكون تنظيم الرواد ـ وإن انفصل عن تنظيم الدغيلي مع العام 1967 ـ امتدادًا له بطريقة ظاهرة من ناحية العاطفة القومية والانغماس في قضاياها وهمومها. 
والواقع أن المتابع لهذه التنظيمات العسكرية علاوة على التنظيمات المدنية الأخرى ودون أن يلجأ إلى التماس الأعذار وطبقًا لما يراه الكثير من أعضائهما في تحليل ما قاموا به من نشاط وحراك بأنه كان يقوم على الحماس واعتبره البعض في رواياته جزءًا مضى من التاريخ مثلما تمضي أية حوادث أو قصص مشابهة وأنه من جهة أخرى أخطأ في حق الدولة بحكم قوانينها المعمول بها ذلك الوقت وأشاروا بأن أيامهم خلال تلك التنظيمات تعد من أيام الجاهلية القديمة. فيما أكد أغلبهم أيضًا وهو أمر صحيح في تفاصيله بأنهم لم يتعمدوا خيانة الوطن أو العمل ضده فليبيا جزء من العروبة والدستور نص على ذلك والمواطنون كلهم يجمعهم هذا الأمر وفي النهاية هم لم يأتوا بجديد أو طارئ مستغرب. كانوا يريدون إخراج ليبيا من عزلتها ووضعها في مكانها اللائق مع شقيقاتها الأخريات. 
في سياق تاريخي آخر لا يستبعد المتابع والمهتم عبر كل الأحوال وجود علاقة واضحة بين بعض التنظيمات العسكرية والمدنية وكان هناك تواصل وتنسيق أيضًا علاوة على وجود مفاتحات أو لقاءات بين تنظيمات عسكرية داخل الجيش. كانت التنظيمات على علم بنشاط بعضها وتتابعه وتتقصى أخباره ويجمعها التأثير القومي كما سلف أو الاهتمام بالمسألة المحلية التي تحتاج إلى العلاج في أسرع وقت!
إن ذلك الذي جرى بتفاصيله حدث نتيجة للفراغ السياسي الذي تسامحت الدولة في سد ثغراته والانتباه إلى مواطن الضعف. صحيح أنها ركزت جهودها في محاولات تلافي الأخطاء ونشر روح التسامح وعدم الانتقام والعناية بخطط التنمية ومشاريع التعليم والصحة وتطوير المدن وبناء الجديد منها وإيفاد البعثات والانفتاح على العالم والحرص الشديد على العلاقات المتوازنة مع دول الجوار والعالم. كانت سياسة الدولة متوازنة في هذه الأمور وتحاول التوفيق بينها وكان لابد خلال ذلك من ظهور جوانب القصور في الأداء وتجدد حركة الأجيال التي نمت معها ثقافات ومعارف تختلف عن مفاهيم الأجيال السابقة وتجاربها. هذا الفراغ في حقيقة الأمر سمح بوجود التبرم والضيق لدى الكثيرين واتجه بتفكيره إلى النشاط عبر التنظيمات المدنية والعسكرية. وللأسف لم تلاق مبادرات المسؤولين في محاولات ترميم الفراغ الكبير الذي ظل يتسع على الدوام أية استجابة عند عديد المواطنين خاصة من النخب المثقفة والواعية التي ترك أغلبها الدولة في محاولتها تلك بل وسخرت منها وحاربتها أيضًا وكان الحصاد مؤلمًا للغاية في انعدام العلاقة المطلوبة بين الدولة والمواطن والشعور بالانتماء والمسؤولية. كانت التنظيمات من جهتها تحديًا للدولة في تفكيرها ومشروعها ونشأ عن ذلك المزيد من التوجس والافتراق بين الطرفين. 
ووسط هذا الخضم من الحراك ونشوء التنظيمات وتململ المواطن تحرك تنظيم الرواد. قاده المقدم المكي بوزيد. كان تخرج في الدفعة العسكرية الليبية الرابعة وهي آخر الدفعات من الكلية العسكرية في بغداد عام 1959. وفي شبابه عاصر مع زملائه نشاط جمعية عمر المختار في بنغازي وشارك فيها وتطوع لمحو الأمية ضمن برامجها. كان له اهتمام ثقافي وفكري فقد نظم الشعر ونشر مقالات وبحوثًا تتعلق بتخصصه العسكري وهو سلاح الهندسة في مجلة الجيش ومجلة الكلية العسكرية التي كان ضمن طاقم تدريسها وعرف العديد من الطلبة الذين سيؤسسون بعد تخرجهم تنظيم الضباط أو الملازمين الصغار ويفاتحونه رغم رتبته الكبيرة في نواياهم لتغيير نظام الحكم. وشمل التنظيم أيضًا مجموعة من الضباط كان أبرزهم الرائدان خليل جعفر وعبدالمطلوب عزوز اللذان تخرجا في الدفعة الثانية من الكلية العسكرية في بنغازي عام 1960. جعفر كان بالمخابرات الحربية وعزوز كان في سلاح الهندسة. التنظيم سعى وضم ضباطًا وضباط صف وتحرك ونشط على مستوى واسع في الجيش. 
وخلال هذا الحراك للتنظيم برز الضابط خليل جعفر بصورة واضحة في التحرك. كان ناصريًّا يحلم بمجد الأمة والقومية وأضحى هذا المفهوم حافزًا رئيسيًّا لنشاطه. تأثر كثيرًا بأفكار ومنهج عبدالناصر. كان قد تخرج في معهد المعلمين في بنغازي عام 1958 ثم التحق بالكلية العسكرية. علاقاته الواسعة مع أطراف كثيرة داخل الجيش وخارجه ساعدته في نشاطه عبر التنظيم. في لقاء وحديث معه تواصل عدة مرات بدءًا من الرابع عشر من يونيو 2010 أكد لي شخصيًّا بأنه عمل بلا توقف في إعداد التنظيم وتأسيسه.. واقتربوا من النجاح لكن الرياح جرت بما لا تشتهي السواقي.. وكذا التنظيمات الأخرى في الجيش. وتلك حتمية التاريخ التي تدور ونتيجة طبيعية لنواميس القدر.. المفاجئة!