Atwasat

«لارا» لا جنس لها!

أحمد الفيتوري الثلاثاء 23 أبريل 2024, 08:29 مساء
أحمد الفيتوري

طالعت «لارا» لأشرف الصباغ ككتاب دون أي التفات لأي تعيير، فخلال المطالعة لم تستوقفني العناوين التي تقسم الكتاب، ومن هذا لم أكن جازما بأنني أطالع مجموعة قصصية، ولم يحكمني النص بأي إطار. لقد تدفق المكتوب كما هو دون التباس حول ماهيته، ولم تعترضني علامة أو شبهة ما حول ما أقرأ، ما جعل الكتابة تسترسل في نقلات منسابة في مكان وزمان معينين، فالمكان موسكو، والزمان زمان الكتابة، أما الراوي العليم فهو الكاتب الذي يمسك بزمام ما يكتب، في لغة تهكمية ساخرة هجائية، والتمازج بين اللغة الهجائية وصيغة الكتابة الاسترسالية يموه مسألة جنس النص بل يمحوها، لكن هذا الامحاء لن يعيق التلقي المتدفق، فالمتعة تبدو كدفق محموم حيوي.

وهنا وقبل، أنوي إحالة القاريء على فقرة ليست قصيرة، مما كتبته قبل سنوات حول رواية للكاتب، حيث جاء فيه: «الافتراض الأساس، الذي على أساسه، بدأ تحليلي نص أشرف الصباغ (كائنات الليل والنهار)، هو افتراض أنه رواية، دون أي تعليل لافتراض كهذا.

وفي حالي مع هذه الرواية، تلمست أني أمام نص ينفلت من التصنيف، أو يدخل تصنيفات عدة في نسجه السردي، بحيث إن المبنى يتنوع فيتمظهر النص، في البدء كما تقرير تسجيلي يستعيره من الفيلم التسجيلي الذي يقدم كبانوراما لمدينة الرواية، وفي الوسط تبدو رواية شخصية محبوكة تغوص في غور (عاشور) كما تشكل «بورتريها» له، وفي النهاية ينفلت النص من هذا وذاك، لتعلل الواقعية التي حكمت السرد والرؤية.

فالواقعية هنا بالمعنى الكلاسيكي تبني وتعلل من ناحية، وتنقل ما متعارف عليه وما معقول، لكن النهاية في النص تعلل الواقعية بالخروج عليها إلى اللامعقول، فتكون الفنتازيا كما نتيجة قدرية ما في حكم التراجيديا اليونانية، فالثورة حركت الراكد فحسب، فتكشفت الأعطاب أو كما تبدى لي".

وحيث «لا تستقيم وظيفة السرد من دون تحويل الأفكار إلى أشكال حكائية»، تكون حكائية الرواية كما قصة قصيرة «تشيكوفية» فيها التقديم فالوسط فالطلقة، أي النهاية.

وإني أجد في تعليل الناقد «عبدالفتاح كليطيو» لماهية النص سندا، فتوضيحا لرؤيتي حول نوع النص حيث يقول: «ما يهم في النص الأدبي هو ما يكون فيه من لبس وغموض، فتتساءل: ماذا أقرأ؟، ما هذا النص الذي أقرأه؟ وإلى أي نوع ينتمي؟».

إذاً، مبدئيا استعدتُ مما كتبت عن رواية (كائنات الليل والنهار)، لأشير إلى علاقة بينة بين النصين أي بين الرواية والقصص «لارا»، وقد يقول القائل لما أبدو كما الممسوس بمسألة الجنس الأدبي؟، وأود قبل القول أن جنس النقد فالقراءة عموما من جنس النص، وهناك روافد تصب في ذا المصب الرئيس.

فعند مطالعتي «لارا»، كنت خرجت بالصدفة من مطالعة «صلاة تشرنوبل» الحائزة على جائزة نوبل «سيتفلانا الكسي يفتش»، التي حيازتها على الجائزة أثارت مسألة النوع الأدبي، حيث لم يجر تصنيف أعمال سيتفلانا، ما يحيلنا عندها أيضا إلي قول عبدالفتاح كليطيو إنه في مثل «هذه الحالة، حينما يكون النص ملتبسا وغامضا من ناحية النوع الذي ينتمي إليه، يكون النص ناجحا أو أوفر حظوظا للنجاح»، ولعل هذا ما فسر لي نجاح سيتفلانا في الفوز بالجائزة، ومن ثم وضع مسألة الجنس الأدبي علي المحك.

حين اضطررت لدوافع بحثية قراءة «صلاة تشرنوبل» باتت عتبة للتفكر في سيتفلانا الكسي يفتش، وفي الكتابة اللانوعية التي استحدثت، أو الكتابة الملتبسة النوعية حسب كليطيو، وهي كتابة منتشرة خاصة في هذه المرحلة، مما دفع النقد التطبيقي لجعل مسألة النوع من لزوم ما لا يلزم. بالإضافة لذلك، فإن «لارا» لما أخذت أقلب صفحاتها، دفعتني بعيدا عن أي نسق سردي، فما أسترسل في قراءته، كتابة رأي حول موسكو/ روسيا في الآن وهنا، يتخللها مس للأيقونات الروسية من كتاب وكتب، شعراء وسراد وزعماء وقادة، وثمة مقاربات مفارقة في النص/ الكتاب، للكاتب/ الراوي حينا والواصف في حين آخر، من تتلبسه روح هجائية تهكمية من العرب وشخصيات عربية في النص، شخصيات يعرفها الراوي، لكن النص يجعل منها متكأ للرأي لا للسرد، ومن هذا تتلبس القاريء الحيرة والغموض من ماهية النص/ النصوص.

إذاً، فإن «لارا» من هذا تبدو قابلة للقراءة الحرة، «لارا» التي سبكت موضوعها في سياق يكسر النسق السردي، فمنذ العنوان الأول «اللكمة» وحتى الأخير «لارا» -ما عنوان الكتاب- ثمة نسق يشبك مجمل الكتاب، حتى يبدو رواية في متتاليات نصية، أو نسق لا سياق سرديا له واضحٌ، بل ثمة حيرة وغموض يتلبسان النص. النص الذي كما أشرنا، محمل بطرح أفكار حرة للكاتب حول روسيا اليوم، في تنويعات أسلوبية قماشتها هجائية، لكن لها روافد أخرى كشعرية «لارا» خاتمة الكتاب.

مسألة الكتابة المحيرة هذه في «لارا» تتجاوزها حالة الكتابة الممتعة، من حيث جدة وطرافة أطروحات الكاتب حول روسيا وعاصمتها موسكو، التي تبدو كعاصمة لبلاد مترامية الأطراف والأيديولوجيات المتناقضة والمتعايشة، وكعاصمة لمناضلين هزليين من شعوب العالم، هذه العاصمة التي يعرف الكاتب سرها المكنون، ما يكشف مثالبه المثيرة، ويفضح في لغة عابثة عبثيتها وادعاءاتها. من هذا «لارا» سفر في الروح الروسية، وفي علائقها بشعوب العالم، والعربية منها على الخصوص. وقراءتها بمسبار كهذا سيجعل تأويلها كرحلة في تضاريس الروح الروسية، كاشفة وعابثة في الوقت نفسه بمسألة جنس النص وسياق النسق السردي.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1- لارا – قصص – أشرف الصباغ – روافد للنشر والتوزيع – الطبعة الأولي – 2024م.
2- كائنات الليل والنهار - رواية – أشرف الصباغ – دار العين – الطبعة الأولي- 2019م.