Atwasat

منهجية هابيل لتجديد الخطاب الديني

سالم العوكلي الثلاثاء 01 نوفمبر 2022, 12:04 مساء
سالم العوكلي

«موافقات الأحكام والحكمة: منهجية لتجديد الخطاب الديني» كتاب مهم للمؤلف عبد الرحمن هابيل. توقفت بداية عند غلافه، وخصوصاً عند جزئية تجديد الخطاب الديني التي سبق أن اتخذت منها موقفاً، ومن منطلق عجلتي وغياب روح البحث عندي التي عادة لا يمتاز بها سوى الأكاديميين، حكمت على الكتاب من العنوان، لأن وجهة نظري التي لطالما طرحتها، ترى في مقولة «تجديد الخطاب الديني» نوعاً من العبث الذي لن ينتهي أبداً، وكنت أميل إلى أن الدين كمنظومة روحانية ضرورية للبشر يجب أن تبعد عن المجال العام وعن السياسة وتدبر أمور الدنيا التي تزداد تعقيداً.

ولكن حين شرعت في قراءة الكتاب، توقفت بإعجاب، أولاً عند اللغة والأسلوب المكتوب به، ومنطلقات ومنهج وأهداف هذا الكتاب، وتبين لي مع القراءة أن مشكلة الشريعة أو الحكم لا تقتصر على السياسة، بل على العلاقات الشاملة داخل المجتمع، وهي مسألة اجتماعية قبل أن تكون سياسية، كما أن السياسة لا يفرد لها الكتاب إلا حيزاً ضئيلاً في سياق جرده وتحليله ونقده للتراث الفقهي مستعيناً بالكثير من المراجع المهمة، وفاحصاً ما يسميه أزمة فكرية كبرى لا تقل شأناً عن الأزمات السياسية الحالية، تتمثل في الفوضى التي يخلفها طرح فقه النصوص الفردية الظنية كسبيل للتطرف بديلاً لمذاهب الفقه المذهبي المتواتر كسبيل للتسامح.

وهنا يصعب عليَّ عرض هذا الكتاب أو مناقشته لأنه كتاب مُركّز ومكثف، وينبيء عن بحث جاد وشاق في تراثنا الديني بكل مدارس فقهه، وبنقد حاذق لظاهرة الانغلاق داخل آحاد النصوص وما ينجم عنه من خلط كبير بين الفقه والتفسير.

وصعب عليَّ الدخول في جدل مع منهجيته المبتغاة لأني غير مختص في هذا المجال المعقد، ولكن سأعرض بعض الفصول أو العناوين المهمة التي توقفت عندها كثيراً وبانتباه لأنها مدار جدل اللحظة، ونظراً لاهتمامي بمفهوم الشريعة والدساتير التي تشير إليها كمصدر للتشريع، وعلاقة الشريعة بالقانون، سأتوقف عند الفصل الثالث «الإجماع والمقاصد»، وخصوصاً تحت العنوان (الشريعة «الخالصة») ص 180.

حيث يستهل هذا الجزء بتمهيد حول إحدى أهم النظريات في فلسفة القانون: من النظريات المعروفة في فلسفة القانون «نظرية القانون المحض» للفقيه النمساوي هانز كلسن، ومدرسته الفقهية المعروفة بـ «مدرسة فيينا».
تنطلق هذه النظرية من أحد المبادئ المأثورة عن كانط وهيوم، وهو مبدأ الفصل بين «الينبغي» و«اليكون»، لتنادي بمقاربة القانون «كما يكون» وليس «كما ينبغي»؛ أي بمعزل عن السياسة والفلسفة والتاريخ، وعموماً بمعزل عن جميع الاعتبارات والآيديولوجيات التي قد تشكل خلفية أو بنية تحتية للقانون، ولكنها في حد ذاتها ليست قواعد قانونية.

فعلى الرغم من أن القانون يتكون من مجموعة من قواعد «الينبغي»، فإن نظرية القانون المحض تحذر من مقاربته «كما ينبغي»، فذلك يجب، في تقديرها، أن يُترك للساسة والفلاسفة، بينما يجب أن تكون قراءة دراسة القانون من قِبل رجال القانون علماً (وإن كان «علماً معيارياً» لا «علماً طبيعياً») يدرس قواعد «الينبغي» «كما هي».

ويدرس علاقتها الداخلية فيما بينها كبناء هرمي تستمد فيه كل قاعدة قانونية شرعيتها من قاعدة أعلى منها، أو أعم منها، حتى نصل إلى «القاعدة الأساس العليا»، التي تُفترض افتراضاً، ويجب تقبلها على علاتها من زاوية النظر القانونية المحضة، إذ لا يمكن تبرير هذه القاعدة الأساس من داخل التراتبية القانونية».

دون أن يشكك المؤلف هنا في كون الشريعة الإسلامية نظاماً قانونياً قائماً بذاته، يسعى عبر هذا التمهيد لطرح سؤال مهم: «فلو نظرنا إلى الشريعة الإسلامية كـ «قانون»، فهل يمكن مقاربتها كـ «قانون محض» أو كـ «شريعة محضة»؟.

ولتناول هذا السؤال يقر بأن مقاربة الشريعة كنظام قانوني، بالنظر إلى شقها المدني أو الحضاري كمكون أساسي للحضارة العربية الإسلامية، هي المقاربة التي يمكن في ضوئها تفسير أي دستور من الدساتير ينص على مبادئ الشريعة الإسلامية مصدراً.

ويضرب مثلا بدساتير دول فيها نسبة من المواطنين غير مسلمين، حيث لا يقصد بالنصوص الدستورية فيها سوى الشريعة الإسلامية كـ «قانون محض» أي «كنظام قانوني متكامل ومستقل ذاتياً يستمد شرعيته، أو«قاعدته الأساس العليا»، من فرضية ذات جذور فلسفية ــ سياسية، كالإجماع الوطني مثلاً على أن «الإسلام الحضاري» مقوم أساسي من مقومات الهوية الوطنية» أو «من فرضية ذات محتوى فلسفي ــ اجتماعي، كأن يقال مثلاً إن الشريعة الإسلامية، في جوهرها، تعبير عن نظرة كونية معينة ذات رؤية أخلاقية محددة تنبثق عنها قيم معينة».

ورغم اختلافي مع هذا الإقرار ــ وكتاباتي السابقة عن إبعاد الدين عن المجال السياسي العام، وأن العلمانية ابتكار كوني، لا يعمل وفق المكان ولكن وفق الزمان الحضاري، وأن إشكالية تقنين الشريعة لا تعني المكونات الدينية الأخرى فقط، ولكن تعني المسلمين أنفسهم وهم يعيشون زمناً تأثر بكل الحضارات الإنسانية وابتكاراتها في كل العلوم المعيارية والطبيعة ــ إلا أنني سأجادل في صيغة تساؤل حول ما يخص الفرق بين نظرية هانز كلسن أو غيرها من النظريات الوضعية، وبين تسويغ الشريعة كقانون محض، كون الأول اجتهاداً بشرياً مرحلياً قابلاً للتغيير والاستبدال أو حتى الإلغاء، بينما الثاني يعتبِر المصدر مقدساً، وغير قابل للنقد إلا في فضاء اختلاف التأويل للنص الذي لا يخرج عن دائرة المقدس.

ينطلق الكتاب من سؤال جوهري: إذا كان الفقه المذهبي في طريقه إلى الزوال، فعلامَ التعويل؟ ومن خلال هذا السؤال يسعى لاقتراح منهجية جديدة تسد الفراغ الذي أفضى إلى فوضى عارمة في الاجتهاد والفتوى، ونابشاً عن سر التطرف الكامن في التأويلات الراهنة لفحوى الإسلام، ويحيل بعضه إلى ظاهرة التمسك بالنصوص الفردية دون التوقف عند ظنيتها، بدل منهجية الإجماع المتواتر والمقاصد المنضبطة، ويخوض في أمثلة مهمة تغلب على الجدل الراهن تجاه تطبيق الشريعة، مثل المعاملات الأسرية، والمعاملات المصرفية، وحقوق المرأة، والنظرة لغير المسلمين.

كما يذهب إلى أن مباديء الحرية والمساواة تشمل مقصداً نهائياً للشريعة حين تقرأ وفق المنهجية التي يقترحها لتجديد الخطاب الديني، غير أن التعامل مع هذه القوانين المستقاة من الشريعة كنصوص مقدسة هو ما يجسد الفرق بينها وبين نظريات القانون الوضعية. ويظل مفهوم «الإسلام الحضاري» غائماً مثل قولنا «الحضارة الإسلامية» في الوقت الذي نرى حضارات مختلفة وبلغات مختلفة نشأت وعاشت بثقافتها المتعددة في ظل روحانية الإسلام، كل منها بيّأت الإسلام وشريعته وفق مرجعياتها الحضارية.

ولمحاولة الإجابة عن مثل هذه الملاحظات أو الأسئلة التي تنبثق عن تحليله التفصيلي، يذهب في الفصل نفسه إلى مقاربة «التعبديات» أو الفرائض الأربع التي تتطلب التزاماً فردياً، باعتبارها شريعة محضة، ومقاربة مباديء قوانين المعاملات المالية والأسرة على أنها قانون محض مع أن مصدرها الأولي شريعة دينية.

يمكن بالتالي أن ينظر إلى التعبديات على أنها «قواعد سلوك «منضبطة» تهدف إلى التربية الذاتية الأخلاقية والروحية، وتنبع من رؤية كونية معينة دون أن تنطوي بالضرورة على نظرة دونية للرؤى الكونية الأخرى، أو لتكفير معتنقي هذه الرؤى أو تفسيقٍ للمخالفين في المذهب».. وبالتالي نصل إلى حل إشكالية تطبيق الشريعة المقاصدية على كل المواطنين.

وفي هذا السياق «المقصود بـ (القانون المحض) أو (الشريعة المحضة) هو النظر إلى الشريعة نظرة (موضوعية) مثلما يجب أن ينظر إليها (الآخر) خالصة من شوائب التكفير واحتكار الخلاص الأخروي».

«وبذلك يتميز (الديني) عن (السياسي)؛ فالمواطنة هي المناط الوحيد للمسؤولية في مجتمع لا يقوم على دكتاتورية الأغلبية العقائدية أو الطائفية؛ بل يقوم على المشاركة لا المغالبة.».

يختتم المؤلف هذا الجزء بالتطرق إلى وضع الديمقراطية كمنتج حضاري في سياق هذا الخطاب التجديدي، مشيراً إلى أن أفلاطون قد رأى أن الديمقراطية أسوأ أنظمة الحكم بعد الطغيان، واعتبرها المرحلة الممهدة لعودة الطغيان لأنها تمثل حكم الغوغاء الذي يأتي بعده الدكتاتور بذريعة فرض النظام (ولا يخلو، حسب وجهة نطري، هذا التخريج من بعض وجاهة، ونحن نعاين انتكاسة ديمقراطيات الربيع العربي، ونرى اليمين الفاشي في أوروبا يعود إلى الحكم عبر آليات الديمقراطية ذاتها).

لكن الجانب الإيجابي في الديمقراطية ــ كما يرى هابيل ــ والذي «يجب التمسك به مكسباً إنسانياً حضارياً لا يمكن التفريط فيه، هو تقبل الآخر باختلافاته العقائدية والسياسية، وهو هنا (فهم) المسلمين الآخر وتقبله، وليس مجرد التسامح معه، في نظرته الكونية وطريقة حياته، وفهم الآخر المسلمين وتقبله الرؤية الكونية وطريقة الحياة الإسلامية، وليس مجرد التسامح معها».

وهنا تبرز ملاحظات تتعلق بوضع الإسلام كطرف متحقق في مواجهة الآخر غير الإسلامي، بينما ما أراه أن العالم ينقسم، في جانب، إلى غلو وانغلاق في جميع الأديان وفي أصقاع مختلفة، وفي جانب آخر، إلى انفتاح حضاري يمثل عديد الأديان فوق الأرض، فالشريعة الدينية ليست مطلباً إسلامياً فقط، لكن دعاتها يتكاثرون في جميع الأديان مع تفاوت درجات الغلو والإقصاء والعنف.

ومن جانب آخر، أعتبرُ، كما قلت مرارا، وفي سياقات جزمية حرصت أحيانا على تخفيف حدتها: إن الديمقراطية، بما لها وعليها، منتج ثانوي للعلمانية إذا ما فهمنا أن العلمانية هي الداعية الأولى لتقبل الآخر باختلافاته العقائدية والسياسية، ولفكرة التعايش والفهم المتبادل بدل التسامح.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»