Atwasat

درس في تحمل المسؤولية

عمر أبو القاسم الككلي الأحد 30 أكتوبر 2022, 10:55 صباحا
عمر أبو القاسم الككلي

أظن في المرحلة الإعدادية، قرأت مجموعة قصصية للروائي وكاتب القصة المصري المعروف محمد عبد الحليم عبد الله. نسيت، بطبيعة الحال، عنوان المجموعة. لكن قصة محددة منها، نسيت عنوانها هي الأخرى، ظلت عالقة بذاكرتي كل هذه العقود.

ملخص القصة أن صبيا في منطقة ريفية ذهب مع بعض رجال أسرته إلى السوق الأسبوعي، وبعد أن عادوا، وأثناء إعداد وجبة الغداء، حدث خصام ما بينه وبين أحد أفراد أسرته، فقرر الإضراب عن تناول الغداء. كانت الوجبة، كما هي العادة يوم السوق، متميزة باحتوائها على اللحم.

كان الصبي يتوقع أن تقوم أسرته باسترضائه والإلحاح عليه بـ "فك إضرابه" وتناول الوجبة معهم.

لكن شيئا من هذا لم يحدث. لم يكترث بشأنه أحد، وظل منزويا في ركنه يشم روائح الطعام ويسمع أحاديثهم أثناء الأكل، ثم صارت تصله أصوات رنين الملاعق وهي تصطدم، قرب نهاية الوجبة، بقاع القصعة وجوانبها، الأمر الذي زاد من حدة جوعه وأسفه على تسرعه في اتخاذ قراره الطائش وخيبة أمله في عائلته.

لكن المهم أنه تحمل مسؤوليته ولم ينثنِ عن قراره وموقفه أثناء تناول أفراد عائلته وجبة الغداء ويلتحق بهم قبل الإتيان عليها.

لقد مررت أنا شخصيا، وأنا في سن هذا الصبي، بأكثر من تجربة مماثلة كان فيها رد فعل أسرتي، أو لا ردة فعلهم، نفس تصرف عائلة هذا الصبي.

الآن صرت أرى أن موقف العائلة الحازم هذا، كان موقفا تربويا ناجعا! لأنه يقاوم عملية الدلال غير اللازم ويعلم الطفل، من خلال حالة عمليه، تحمل مسؤولية قراراته ومواقفه التي ينبغي أن تكون نابعة منه ويكون جادا فيها ولا يعتمد على رفق الآخرين به وعطفهم عليه.

ففي حالة هذا الصبي، وحالتي أنا أيضا، لو صدقت توقعاتنا فلن يقف دلالنا وغضبنا عند حد، وإنما سينشأ لدينا إحساس واعتقاد بأننا امتلكنا سلاحا فعالا تعجز أسرتانا عن مقاومته.

إلا أن أسرتينا قامتا بشل فاعلية هذا السلاح وتعلمنا، ولابد، أن نكون مسؤولين على قراراتنا ومواقفنا وجاهزين لتحمل ما ينجر عن ذلك من تبعات.

وهنا أريد أن أورد واقعة حدثت مع ابني حيان وهو في سن التاسعة أو العاشرة. كنا، أنا وهو، وحدنا في البيت وحدث بيننا خصام. فقال أنه سيترك البيت. فأجبته بأنه حر في ما يفعل. دخل إحدى الحجرات وجمع ملابسه في "ساكو" وجاء خارجا. وقف عند باب البيت والتفت إليَّ قائلا:
- وين بنمشي؟!
أجبته بأن هذه مشكلته. قال:
- ما عنديش وين نمشي!
وعاد. قلت له بأنه كان عليه قبل أن يقرر الرحيل التأكد من أن ثمة مكانا يذهب إليه.

 



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»