Atwasat

جنون النواعم وهبل (الكرناف)

محمد عقيلة العمامي الإثنين 05 سبتمبر 2022, 02:40 مساء
محمد عقيلة العمامي

لعله مطلع سبعينيات القرن الماضي، حينما جمعتنا (كافيتريا جروبي) الشهيرة آنذاك، وهي التي كانت، وما زالت قائمة في ميدان طلعت حرب، أحد أشهر ميادين القاهرة الحديثة، التي أسسها الخديوي إسماعيل، بعدما أعلن أنه يريد القاهرة تصبح كـ «قطعة من أوروبا». وأصبحت في ستينيات ومطلع السبعينيات ملتقى لمحبي أشعار عبد الوهاب البياتي، من ليبيين وعرب؛ وكان من بينهم خليفة الفاخري، وزياد علي، وصالح الحراتي، وغيرهم. في بهوها التقيت، رفقة الصديق ابن سوق الحشيش الخبير الملاحي الأستاذ سالم محمود النواع، وطالب الطب آنذاك في جامعة الإسكندرية المرحوم الدكتور علي الرويعي، ابن أحد أبرز عائلات السوق نفسه. كان النقاش حول التخصص في المجال الطبي، فأشار الأستاذ سالم، على الدكتور على، بالتخصص في علم النفس! وفسر له بمنطق وعقلانية أن بلادنا حينها كانت تخلو من أطباء متخصصين في هذا العلم، الذي بدأت أهميته تنتشر في العالم كله.

لم يكن حينها الطب، والتطبيب النفسي علمًا معروفا تمامًا. ولم يكن في بنغازي، سوى عنبر واحد بـ (السبيتار الكبير) الذي تسمى في ما بعد بمستشفى الجمهورية، وكان يطلق عليه عنبر (المهبلة)! يعني الهُبل، لأن مصطلح علم النفس، والذي أصبح يُدّرس من بعد معرفة تشريحية للإنسان لا تختلف أبدًا عن أي تخصص طبي آخر، قبل التخصص في علم النفس، وبالفعل هذا ما اختاره المرحوم الدكتور علي الرويعي، فكان أول طبيب ليبي في تخصصه، وإليه يعود الفضل في قيام مستشفى الأمراض النفسية، في بنغازي ونجاحه، وإليه يعود الفضل في العودة الطبيعية للعديد ممن تأذوا من هذا المرض، من قبل أن يتطور تمامًا.

والحقيقة أن التخصص لم يأخذ وضعه الطبيعي إلاّ مؤخرًا، ليس في ليبيا فقط، وإنما في العالم العربي كافة، ففي مصر لم نكن نعرف سوى مستشفى (بهمان) للأمراض النفسية، وأعتقد أنه كان الوحيد المتخصص في هذا المجال، غير أنه سريعا ما انتشرت العيادات والمصحات النفسية، ليس في مصر فقط، بل باتساع العالم، وكثرت العيادات وتنوعت تخصصاتها، ثم أصبحت الولايات المتحدة الأميركية الأكثر شهرة وتنوعًا في هذا المجال.

الدكتورة (باربرا دي أنغيليس - Barbara De Angelis)‏ وهي كاتبة وعالمة نفس أميركية، وكانت تدير مركز (النمو الشخصي) في (لوس أنجلس) وتقدم برنامجًا تلفزيونيًا شهيرًا في قنوات (CBS- CNN -PBS) الأكثر شهرة في تلك القارة. ثم صدرت لهذه الطبيبة الموهوبة العديد من الكتب، والعديد منها ترجم إلى اللغة العربية، وتعد أحد المُعلمين الأكثر تأثيرًا في عصرنا في مجال علم النفس. وهي فاعلة حقيقية في نظم مساعدة النفس الإنسانية. ولقد اتخذت من المواضيع والمشاكل، التي لا تخلو منها «مؤسسة الزواج» بصفة عامة كثيرة، تخصصًا لها. وهي في الغالب تهم الجنسين، وإن كانت تلك المواضيع تختلف على نحو ما من ثقافة إلى أخرى.

صادفني موضوع، كتبته هذه الدكتور العالمة، وأسهبت في توضيحه، فأبعدت منه ما لا يتوافق مع ثقافتنا العربيةـ ولخصته في خمس نقاط، رأيت أن أنقلها اليكم فلعلكم تجدون به ما يعينكم على مواصلة الحياة من دون فخاخ قد تؤذيكم، أو تؤذي نصفكم الآخر. تقول:

«يصعب على الرجال التعبير عن مخاوفهم وآلامهم، بالوسائل العاطفية، من دفء الحديث والحنّية، بل يرون أن جانب المعاشرة الزوجية هو المتنفس لما يزعجهم، وتنصح الزوجة عندما تشعر بذلك أن تتودد إلى زوجها، وتبين له عن حاجتها هي إليه، كأن يحتضنها، مثلا، وتشير إليه أن ذلك يمنحها الإحساس بأنه سند حقيقي لها، ثم تسأله، مبدية قلقها لإحساسها أن هناك ما يزعجه!. تقول الدكتورة: «ذلك يمنحه الإحساس بأنه كيان قوي يعطي أكثر مما يأخذ، فتعود إليه ثقته بنفسه، ويتغلب عما يزعجه..» وتستطرد: «أنه على الزوجة ألا تنسى أن الرجال ينجذبون نحو النساء الجريئات، خصوصا في إبداء عواطفهن ورغباتهن..».

أما أكثر النقاط أهمية هي أن تنتبه الزوجة إلى أن زوجها ليس بطفل، وعليها أن تنسى معه ما تعلمته من أمها وهي طفلة، من توجيهات تربوية، لأنه يفترض أنها، بفضل حسن تلك التربية، أصبحت زوجة قوية جريئة، فالزوجة عندما كانت طفلة تحت جناح أمها، تنتبه إلى كيف أن أمها مهتمة بها، بل بالبيت كله ولذلك تتقمص، لا شعوريًا، دور الأم مع زوجها، وهو ما لا يحبذه الرجل أبدًا، فذلك الإحساس يعود به طفلًا، وهو ما لا يقبله.

أما الجانب المهم الآخر فعلاقة الزوجين، هي منهج التفكير، فالأنثى بطبعها رومانسية، في حين أن الزوج يرى أن تفكيره يجب أن يكون «عمليًا» وهو بالتأكيد الفرق ما بين الجنسين، فهما مثلما قيل وكتب من قبل أنهما من كوكبين مختلفين في جانبي المشاعر. والنقطة الأخيرة، هو أن الرجل قد ينطلق في علاقاته كافة مع زوجته ولكنه بالضرورة يحتاج من بعد الانطلاق إلى العودة إلى رباطة جأشه، فلا ينبغي أن تنزعج من ذلك.

والخلاصة أن الطب النفسي لم يعد للمجانين فقط، ولكن للعقلاء، إلاّ إذا اعتبرنا الزواج واقتران المرء بنصفه الآخر جنونًا!



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»