(ياخانق الصرخات في أعماقنا دعني
أحرك في الدجى صمتي .. فيسمعني
شعبي الذي في صمته الأبدي روعني)
رشاد الهوني
ومع التطور المستمر أضحت الحقيقة جريدة غير عادية. ظلت ساحة للأفكار والنقاش والرأي الآخر بكل مسؤولية ونضج. لم تماش ظلماً ولم ترض بظلام يحاول أن يرخي سدوله بكل ثقل. تحركت بكل قوة عبر سطورها ماكينة الكلمات المباركة لحزمة من الكتاب الوطنيين ولم ينلها يأس أو إحباط رغم كل الظروف المعاشة. ضمت في مراحل عديدة.. الصادق النيهوم وخليفة الفاخري وحسين مخلوف وأبوبكر الهوني وأنيس السنفاز وحميدة البراني والهادي بولقمة ويوسف الدلنسي وعبدالمولى دغمان وعمرو النامي وعلي أبوزعكوك وعبدالمقصود الفاخري وعبدالوهاب الزنتاني وعبدالرازق بوخيط ومحمد علي الشويهدي ومحمد وريث وعبدالكريم الدناع وأحمد إبراهيم الفقيه وعلي مصطفى المصراتي وإبراهيم الطوير وعبدالفتاح المنصوري ومحمد الزواوي في الرسم الساخر وفتحي العريبي في العزف بالصورة.. ونشر أيضاً عبدالحميد البكوش رئيس الحكومة بعض مقالاته باسم (أبوالوليد) وكذا أحمد الصالحين الهوني وزير الإعلام باسم(أبويوسف) وغيرهما من الذين تناغم عطاؤهم مع ضبط إيقاع الحقيقة ولم يكن نشازا على الإطلاق.. ولم يكن رشاد بعيداً بكلماته مع هذه التشكيلة في بابه الأسبوعي كل سبت (من يوم ليوم).
وناقشت هذه الكوكبة كل المشاكل وعرضت لكل القضايا التي تهم الوطن والمواطن بكل أمانة ومصداقية.
ضمت في تشكيلة أخرى تنوعت ألوانها في الوقت نفسه من العرب أجيالاً ومدارس كان من أبرزها.. سمير عطا الله وعادل عثمان وعابدين محمد علي ويوسف حسين ونور الدين الزراري ومصطفى التركي وبكر عويضة وخالد محادين ومحمد سلمان وزينب جابر ومصطفى غنيم.
إضافة إلى أساتذة الجامعة.. عبدالقادر القط وحامد سلامة الجوهري وعبدالعزيز برهام ومحمد خيري واهتمت اهتماماً كبيراً في البدايات وأواسط المسيرة الطويلة بشعر علي الفزاني ومحمد الشلطامي ومحمد الشلماني ومحمد المهدي ويونس فنوش وقصص رجب الشلطامي ونقد ودراسات سالم قنيبر وعلي فهمي خشيم ثم السنوسي الهوني وإدريس الهوني ومنصور صبرة في صفحات الرياضة.
وفتحت المجال رحباً لتشجيع العديد الذين انطلقوا منها: سالم الكبتي وعوض أبريك ومحمد المسلاتي وزكري العزابي وعبدالرزاق الماعزي ورمضان الشحومي ومحمد مصطفى عبيد وأحمد بوبكر المسلاتي ومحمد قصيبات وسالمة الفاخري وعلي ناصر العرفي.
كانت الحقيقة طوال مسيرتها مدرسة محترفة في المهنة وأصولها ولم تكن (هاوية) مثل الصغار تعيش على هامش العطاء الحقيقي وظلت على الدوام صورة مشرقة للصحافة الليبية المعاصرة وأسهمت بقدر وافر في دفع خطواتها إلى الأمام.
وكان لا بُد للقذافي عقب وصوله للسلطة أن يضرب الصحافة الخاصة الشريفة ويتهمها بتضليل الرأي العام ويقدمها إلى المحكمة المعروفة لتغلق الكثير منها وتعاقبها بالغرامات وتلاحقها بالإدانة والتشويه.
كان رشاد الهوني الكاتب والصحفي العملاق ثاني المتهمين في مجموعة من الإعلاميين والمسؤولين عددهم تسعة وعشرون أمام تلك المحكمة التي حاكمت الرأي والكلمة.. وكانت ردوده مليئة بالشجاعة والسخرية مما يحدث. كان يعرف منذ اليوم الأول للتغيير أن الدور قادم للصحافة في ليبيا وسينالها الكثير.. ستبدأ مرحلة العسف والتكميم والتخويف والرقابة والمحاصرة.
في أواخر 1968 وذات ليلة في ديسمبر طرق باب مكتبه في الحقيقة ملازماً أول في الجيش اسمه معمر بومنيار.. وطلب منه أن يطبع ما أسماه كتاباً في السوق والتعبية ومبادئ الحرب. ورفض رشاد وسخر منه قائلاً: من أنت حتى تتطاول على رومل ومونتجمري ونابليون!؟ وأسدى له الكثير من النصائح والتوجيه لكن الملازم أسرها في صدره من ذلك الشتاء.. ثم انتقم. وطارد رشاد.
اعتقل تلك الأيام وتعرض للتحقيق لمدة طالت أكثر من ثلاثة أسابيع وكان قبلها أعد مذكرة بشأن الوضع في البلاد من عشرين صفحة لتقديمها للعقيد. تراوحت التهم بالكثير من الأمور المشوهة: أشير إليه مع الآخرين من الزملاء بأنه عمل على تضليل الشعب وإخفاء الحقائق عنه بهدف التمكين للفساد وإبعاد الشعب عن المشاركة في صنع مستقبله وسخر كتاباته وجريدته لخدمة نظام الحكم والسير في ركابه بتزييف الحقائق وتمجيد ما لا يستحق التمجيد والمبالغة الممقوتة في جميع الأمور وإطهارها على غير حقيقتها..
وغير ذلك وترتب على هذه المحكمة التي عقدت جلساتها في طرابلس لمدة أسبوع اعتباراً من 17 يناير 1972 صدور أحكامها التي قضت بعقوبة رشاد بالسجن لمدة سنتين وغرامة مالية قدرها ستة عشر ألف دينار، فيما عوقب شقيقه محمد بالسجن لمدة سنة واحدة وغرامة مالية قدرها عشرة آلاف دينار إضافة إلى إيقاف الجريدة عن الصدور ومعها جرائد الفجر والحرية والشعلة والريبورتاج والطليعة والزمان والديلي نيوز.
لتتوقف بعدها الصحافة الخاصة نهائياً في ليبيا في سبتمبر 1974 بإنشاء المؤسسة العامة للصحافة. (صحافة حكومية.. لاغير)!
في ديسمبر 1971 عقد اجتماع في طرابلس بطلب من بشير هوادي عضو القيادة ورئيس المحكمة التي ألغت الكلمة والحرية مع أصحاب الجرائد الوطنية. كان ذلك الاجتماع بداية المأساة لضرب الصحافة. وظل ذلك أمراً يغيب عن بال الباحثين والدارسين لتاريخ الصحافة لدينا. طلب هوادي منهم تغيير هوية جرائدهم من سياسية إلى فنية أو رياضية أو علمية أو أدبية أو إلى غير ذلك من التخصصات (خطوات الكتاب الأخضر ورأيه العجيب في الصحافة لاحقاً).
وعلى ضوء هذا الاجتماع أعد رشاد مذكرة مطولة مؤرخة في 9 ديسمبر وجهها إلى القيادة شرح فيها وضع الحقيقة والتزاماتها مع ذي ليبيان تايمز المختلفتين عن أوضاع بقية الجرائد في ليبيا. وجود العاملين والمراسلين والكتاب غير المتفرغين والأسر التي تعيش أساساً على دخلها من هاتين الجريدتين وارتباطهما بعقود مع وكالات الأنباء العالمية وعلاقاتهما مع المصارف والمصانع والمؤسسات المحلية والدولية.
وأوضح رشاد بشجاعته المعهودة في ثنايا المذكرة دروساً في المهنة لمن يهمه الأمر مبينا أن الجريدة اليومية لا تصدر (يومياً) إلا لغرض المتابعة الفورية لما يحدث في الوطن خاصة وفي العالم عامة من أحداث سياسية واجتماعية واقتصادية وعلمية في كل متناسق لا تطغى فيه ناحية على أخرى إلا بمدى أهميتها وتأثيرها.
أننا لا نربط الأحداث السياسية بغيرها إلا لأنها أصلاً ليست قائمة بذاتها بل جزء لا يتجزأ من نشاط الدنيا التي نحيا فيها وأن الصحافة اليومية لا تستطيع أن تتخصص في موضوع بعينه إلا إذا كان هذا الموضوع حدثاً يومياً ودائماً وفعالاً في حياة القارئ وبيئته وأهداف مستقبله ونحن لا نعرف موضوعاً من هذا المستوى سوى الأحداث الاجتماعية عامة والأحداث السياسية خاصة. إن الحدث السياسي على مستوى وطننا العربي وعلى مستوى العالم كله أيضاً حدث يؤثر في حياة الفرد والمجموعة تأثيراً مباشراً ودائماً ونحن لا نعتقد أن ثمة ما يحتاج إلى نشاطنا وانتباهنا المستمرين أكثر من هذا الحديث الشديد التأثير.
إن الجريدة اليومية تصدر يومياً لأنها تملك شيئاً جديداً تقوله وليست (تقول الأشياء) لأنها مضطرة للصدور.
بمعنى أننا لا نكتب لكي نصدر بل نصدر لأننا نملك ما نريد أن نكتبه ونناقشه أننا نتعامل مع حياة الناس اليومية ككل واحد والسياسة جزء لا تنكر أهميته في حياة الناس.
وأوضح أيضاً في خطابه الشجاع دروساً للهواة الذين لا يفهمون.. أن الجريدة اليومية جريدة سياسية في العالم بأسره والقارئ الذي نتعامل معه وكذلك المشترك والمعلن يعرف بدوره هذا القانون الصحفي الواضح وليس بوسعنا أن نخرق أمامه قوانين الصحافة دون أن نفقد احترامه وبالتالي الاتصال مما يجعل مواصلة الصدور بالنسبة لنا مجرد عمل لا طائل من ورائه.
ومواطننا في هذا البلد كما يبدو لنا لا يحتاج إلى أخبار الرياضة أو الفن حاجة ملحة جداً لكنه يحتاج إلى نقاش مشاكله الملحة والعاجلة والقريبة.
والصدور يومياً ليس غاية في حد ذاته بل وسيلة لمتابعة النقاش بصورة مستمرة ودائمة فإذا لم تجد الجريدة شيئاً تناقشه وتعرضه على الناس وتسمع آراءهم فيه فإنها بالتالي لا تحتاج إلى الصدور يومياً. إن الوسيلة لا يجوز أن تصبح غاية بالنسبة للصحافة. ثم خلص إلى فكرة تحوي إيجاد حل في نقاط ثلاث..
الأولى؛ أن تواصل الحقيقة الصدور وتؤدي دورها من واجب النقاش والتوعية تجاه المواطن وترحب بالنقد والتوجيهات من الجميع.. مواطنين ومسؤولين.
الثانية؛ إذا لم تكن هناك رغبة في (إدارتنا) لهذا العمل وكان لكم مأخذ على هذه الإدارة فإننا على استعداد للخروج منها والتنازل عنها لتديرها أية مجموعة أو إدارة أخرى تختارها السلطة لإدارة الجريدتين بالشكل الذي ترغبونه على أن تتحمل الإدارة الجديدة الالتزامات القائمة.
الثالثة؛ بقدر ما علينا من التزامات فإنه لدينا من الإمكانات ما يفوق ذلك بمراحل ونحن على استعداد كامل لأن نبقى أية فترة زمنية تحددونها لتدريب من تختارونه على إخراج كل هذه الأعمال أو جزء منها.
ولم يعجب النقاش أحداً. ولم يصغ إلى المذكرة وما ورد فيها أحد. كانت النية مبيتة للمذبحة. (ممنوع الصحافة الخاصة في ليبيا) فقط وليحدث ما يحدث.
صدرت الأحكام كما أسلفت وبعدها بعام في 1973 تعرض رشاد أيضاً للاعتقال في معسكر الحرس الجمهوري في بنغازي واعتُدي عليه بالضرب المبرح وأخبر بصريح العبارة أن (العقيد لا يريدك في ليبيا).
اضطُر للخروج. أقام في لندن. لم يتوقف عن مهنته ورسالته. أصدر جريدة العرب هناك في لندن العام 1977 ثم مجلة الغد. عاد العام 1988. أعد مذكرة أخرى في 24 يناير 1989 بشأن إصدار جريدة يومية.. وكالعادة لم يسمعه أحد في زحام الضجيج والهتافات.. وقبضات الأيدي والصراخ وأكاذيب الإعلام الفجه والصحف الخضراء المملة.
الحقيقة صفحة من صفحات الصحافة الحرة المستقلة في ليبيا ذات يوم. عطلت مع مثيلاتها وضربت ولوحقت. ومع ذلك تبقى صفحة مشرقة ومضيئة من التاريخ الصحفي الليبي الذي ينبغي أن تشد العزوم لدراسته وتقويمه والاهتمام بتفاصيله.. رغم الطمس والإقصاء من هذا التاريخ وأطيافه أمام الأبصار.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات