Atwasat

17 فبراير وجمال العصيان

سالم العوكلي الثلاثاء 15 فبراير 2022, 01:28 مساء
سالم العوكلي

يتربع المضربون على الإسفلت البارد
تكتظ المحطات بالمسافرين
وتحط العصافير فوق الحقائب
ينام القاطنون قرب سكة الحديد.. ينامون بهدوء
أتربع أنا تحت زيتونة في الجبل البعيد في انتظار صديقتي
يعود المضربون إلى أعمالهم..
تفر العصافير إلى الأشجار المتاخمة
العالم سيصبح قرية.. القرية ستصبح عالما
يتعانق العشاق على أرصفة المحطات
وتذوب أعمدة الدخان في السحب المسافرة
صديقتي لا تصل
الإسفلت هنا ساخن
وأنا وحدي لا أكفي

هذه قصيدة بعنوان «جمال العصيان» كتبتها العام 1997. وضمنت في ديواني الشعري «لالي» الذي صدر العام 2004 عن مجلس تنمية الإبداع الثقافي، وكانت من وحي إضراب عمال سكك الحديد وسائقي القطارات في عدة دول أوروبية، ورغم ما تسبب فيه ذاك الإضراب من فوضى؛ فإني رأيت فيه مشهداً ملهماً يعكس جمال العصيان، حين تتفق حشود من أناس لا يعرفون بعضهم البعض على مطالب موحدة تتعلق بنوعية الحياة وكرامتها، وهم يفترشون الإسفلت على الطرق وفي الشوارع، بينما حقائب المسافرين تتكدس فوق الأرصفة، وكنت أتمنى أن ينتقل هذا المشهد الجمالي إلى وطني المثخن بالأوامر والمسلوبة فيه كل الحقوق، لكن واحداً لا يكفي لرسم هذه اللوحة في مكان مضطهد تمنع فيه كل أنواع التجمع، ولكن الإسفلت ساخن هنا تحت شمس هذه الصحراء القائظة.

وبعد 14 سنة، انتقل هذا الجمال إلى ميادين بلدي ــ بعد أن تابعنا لوحاته المعبرة في تونس ومصر ــ واكتظت مياديننا وشوارعنا بأناس لا يعرفون بعضهم، لديهم مطلب موحد هو رحيل هذه النظام الذي جثم على الصدور أربعة عقود، وامتلأت الحيطان بجداريات حروفية تعبر عن مكابيت وأحلام، وبرسومات كاريكاتورية هازئة من هشاشة الطغيان حين تبدأ الحشود عصيانها. وبغض النظر عن تسمية ما حدث، ثورة أو انتفاضة أو حراكاً أو هبّة شعبية، وبغض النظر عما أفضت إليه حتى الآن، كنت دائماً أدافع عن فكرة الجمال في التمرد في حد ذاته، وحتى الثورات أو الانتفاضات أو المظاهرات التي فشلت، تركت في التاريخ أثراً جمالياً يزين كتب التاريخ، وتستعيده الأجيال مراراً لكي لا تفقد الثقة في جدارتها بالحياة. لكن ثورتنا لم تفشل وإن ما زالت تترنح ــ كناقة فُك عقالها ــ في طريقها نحو برق بعيد.

تابعت الثورة التونسية مذ انتشرت صورة البوعزيزي في مواقع الاتصال، وهو يركض في عباءة من لهب وقت غروب الشمس، وتابعت كيف نفخت هذه الصورة في تمرد صغير في مدينة سيدي بوزيد ليتحول إلى ثورة في كل المدن والقرى، بعد أن تحولت تلك الصورة المؤثرة إلى أيقونة معبرة عن مفهوم الكرامة الفردية، وليصدح أول هتاف نثري باللغة العربية يطالب، دون مجاز أو استعارة، بإسقاط النظام.

ثم انتقلت الثورة إلى مصر، واكتسبت هناك زخماً جمالياً مضافاً، بما أسبغ عليها المرح المصري من روح فكاهة، وما صاحبها من موسيقى وأغان وألوان وجداريات وهتافات موحدة، وأصبح ميدان التحرير المحمي بشبان وشابات الطبقة الوسطى مركز اهتمام ميديا العالم، وبؤرة الضوء لجمال التمرد وتلمظ طعم الحرية. أذكر أني مكثت طيلة أيام الثورة المصرية في مقر جمعية بيت درنة الثقافي، لا أبرحه رغم أن بيتي يبعد عن المقر أقل من كيلومتر، وحدثت لي حالة تقمص حقيقية لكل ما يحدث في ميدان التحرير، ورغبت بطريقتي في أن أكون جزءاً منه. كنت أسهر في صالة بها شاشة أتابع عبرها هذه الثورة حتى الفجر، أبكي تارة وأضحك تارة، وأنام في مكاني فيلقي عليّ حارس المبنى (فرج المرغني) بغطاء في ساعات الفجر الأولى. أردت أن أعيش ما يعيشه المعتكفون في ميدان التحرير بما فيه الإحساس بالبرد، وفي المجمل كنت حريصاً على أن لا تفوتني لحظة من هذا الجمال.

وبعد أيام قليلة اكتظت الميادين في مدن ليبية بنساء ورجال وأطفال، عيونهم مصوبة إلى أفق واحد، وأجمل ما في هذه الأوقات الكثيفة من الشعور بالحرية أنها تُخرج أفضل ما فينا، لأنها يقظة تعيد لنا إنسانيتنا التي فقدناها إبان حقبة تفتك بكل ما هو إنساني. وعلى مدى التاريخ شكل تمرد الجموع على حكم الفرد أو النظم الشمولية غريزة بشرية، ومهما صبرت الجموع لا بد لإنزيمات هذه الغريزة أن تنطلق في الأجساد التي يأتيها وقت لم تعد تفكر فيه في العواقب، فالثمن الذي يُدفع على طريق الحرية لا يقاس بالأثمان الباهظة التي تُدفع يومياً في محميات الاستبداد التي تسمى تعسفا أوطاناً، ويظل طريق الحرية طويلاً وشاقاً لكنه ممتع كطريق جلجامش نحو عشبة الخلود.

الربيع يظل يعود باستمرار، وحين يتحول مجازاً للتعبير عن التمرد أو الثورة سيظل يعود باستمرار إلى أن يحيل كل الفصول إلى هالة تحيط به. ربيع براغ لم ينجح، لكنه ظل جزءاً من وجدان شعب عنّ له مرة أن يخرج إلى الشوارع والميادين محتجاً، وظل ذاك الربيع القصير جداً يلهم الشعر والموسيقى والرسم والمسرح حتى الآن. ما بالك أن الربيع العربي نجح في الإطاحة بثلاثة نظم دكتاتورية في الشمال الأفريقي خلال شهرين، لم يكن أحد من الداخل والخارج يتوقع سقوطها، خصوصاً بعد أن أصبح نظام التوريث المتحالف مع الإسلام السياسي هو الوصفة الدولية للمنطقة، لكن مثلما للجمال صنّاعه، له أيضا أعداؤه وملوثوه، ومثلما حدث لكل الثورات فإن أعداء الجمال سيتربصون به، من الداخل والخارج، ولم تكن يوماً ثورة بمعزل عن محاولات التلويث هذه، ففي الداخل ثمة من ضاعت مصالحهم المرتبطة بالطغيان، أو من تحولوا مع الوقت إلى مسوخ يصعب عليهم العيش دون جلاد، وفي الخارج ثمة نظم إقطاعية ستفعل كل ما بوسعها لكي لا تنتقل لها عدوى التمرد، وثمة قوى دولية يعن لها أن تحتكر الربيع أو على الأقل تتحكم فيه وتمتص من رحيقه ما وسعها ذلك. لكن التغيير حدث، وما بعده لن يكون أبداً مثل ما قبله رغم كل المصاعب التي تصاحب عادة أي ولادة عسيرة، فحين خرجنا في مواجهة هذه النظم المتوحشة، كلٌ بطريقته، لم نكن نعرف إلى أين سيفضي هذا الربيع، ولكننا نعرف إلى أين لا يفضي. أي بمعنى لن يعود بنا إلى حيث بدأنا.

فقط علينا أن نعرف أن للثورات قاموسها الذي أفرزته، مثل سرقة الثورة أو انحرافها، أو الثورة تأكل أبناءها، أو الثورة الثانية والثالثة، أو ثورة التصحيح.. إلخ. وهو قاموس تفتق عن قدر هذه التغييرات الجذرية التي تشبه الزلازل بما يصحبها من هزات ارتدادية، «لا تقتصر الثورة على حشد احتجاجات عدة قوى مجتمعية في وجه سلطات الأمر الواقع وحسب. تطلق الثورة أيضاً عدة ثوراتٍ متباينة وأحياناً متناقضة في آن معاً» كما يرى فواز طرابلسي. لكن في الأحوال جميعها، هذه الثورة نقلتنا إلى ضفة أخرى، وإلى مكان أوسع نختلف فيه وننقسم فيه ونتعارك فيه وسنلتقي فيه، ونقلتنا إلى فضاء يعاد فيه فحص المفاهيم أو تركيبها أو تنقيجها، ونقلتنا إلى قاموس آخر ولغة أخرى غير اللغة الطقوسية التي كرستها الفاشية وأصبحت مثل الشعائر التي نكررها دون مشاعر.

الطريق طويل وشاق، لكن الأهم أننا بدأناه بعد حقب طويلة من السبات في كهف الرضا بما كُتب لنا، وتسليم أعناقنا لكل أفاق يصعد إلى أعلى هرم السلطة وكأنه قدر حتمي.
مهما كانت الحياة نكدة، لا نملك إلا أن نشعل الشموع ونحتفل كل عام بعيد الميلاد الذي بدأنا به هذه الحياة، ونفرح به لأنه مسألة وجودية، و17 فبراير يوم ميلاد أمة نهضت من غيوببتها الطويلة أو من موتها الزومبي، ومن يعيش طفولة قاسية لا يعني أنه لن يكون ناجحاً في مستقبل حياته، ومازلنا في فترة طفولة هذا الربيع بكل ما فيها من مشقة ولعب وشجار وبكاء وشقاوة ومرح، كل يوم يمر نتعرف فيه على أفكار جديدة وتجارب جديدة، وستظل كل تلك الصور الجميلة التي التُقطت في ميادين الثورة في ذاكرتنا وفي ألبوماتنا وفي أقراصنا الصلبة مثل صور الطفولة المشاغبة.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»