Atwasat

عشاق الكلمة

محمد عقيلة العمامي الإثنين 09 أغسطس 2021, 10:04 صباحا
محمد عقيلة العمامي

هذه السنة، ركبت الأوتوبيس الفخم من ميدان عبد المنعم رياض إلى معرض الكتاب، والطريق مزدحم وطويل وأخذتني ذكريات معارض السنوات السابقة، قبل أن ينقل المعرض إلى مقره الفخم الجديد بالتجمع الخامس، الذي زرته السنة الماضية، وكان بالفعل معرض 5 نجوم! بمقاه حديثه، ومطاعم فخيمة، وصالات حديثة وإضاءة، ولكنني لم أعثر على ركن سور الأوزبكية! ولم أجد المقهى الثقافي!

وخطرت على بالي السنوات السابقة، عندما كنا نتجمع ونتساءل، فيما بيننا، إن لم نر الدكتور الأديب صالح السنوسي، الذي قد لا تراه عاما كاملا في بنغازي مثلا، ولكنك بالتأكيد تراه في معرض الكتاب، وخطرت على بالي مشاريع وتخطيط الراحل العزيز إدريس المسماري لمشاريع النهار، والليل أيضا. والدكتور زياد على، وهو يُقدمك أو يُقدم لك الرموز والشخصيات الأدبية العربية، التي تحضر المعرض.

وقد تجد الرفاق يتحلقون حول الأستاذ الشيخ على مصطفى المصراتي، أو حول الدكتور على فهمي خشيم، وتذكرت فرحة حمد المسماري عندما ضمته جلسة معهما معا. أو تنضم إلى طاولة الأستاذ عبدالقادر غوقه، وبشير زعبيه، ومحمود البوسيفي، أو قد يصل بغتة الأديب الطفل الكبير يوسف الشريف، أو كامل عراب رفقة أمين مازن، أو محمد المسلاتي رفقة سالم العبار، وعبدالرسول العريبي، وقد يفاجئك أحد الإخوة المهاجرين أو المهجّرين من ليبيا، بل وأحيانا بعض المعارضين، مثلما حدث في ذلك المعرض، الذي لا أذكر تاريخه، عندما جاء إليه الصديق عيسى عبد القيوم، من بريطانيا، ونشر مواضيع إعلامية، تحتاج إلى كتيبة إعلامية كاملة لتنفيذها، وتذكرت فرحة الرفاق به.

السنة الماضية، ذهبت وأحسست بغربتي، وأيضا غربة عدد من الرفاق في هذا المعرض الكبير، و جلست مع بعض معارفي منهم صديق أو اثنين، انتبهت إلى أنهم يدخنون بشراهة، أبصارهم زائغة، وتكاد تحس بغربتهم، وضياعهم في الحشد، بموسيقاه، المتنوعة، التي تصدح من الاتجاهات كافة. رأيت كثيرين يتحلقون حول وزير ثقافة العهد الجديد، ويحرصون على التقاط صور تذكارية معه، لعله بسبب لباسه الليبي التقليدي اللافت للنظر، وانتبهت كيف قفز ثلاثة من المتحلقين بمنضدتنا وانطلقوا للتصوير معه.

ولم أر أحمد الفيتوري الذي لا يمكن ألاّ تراه في معرض أي كتاب، ولولا جلسة مع الصديق الناشر الخبير المثقف سالم سعدون في ركنه، وكرمه بقهوة رائعة وكتاب أنيق لظللت أتسكع أنا وعكازي، الذي لم يرافقني في المعارض السابقة، ولولا فرحتي وبهجتي بركن أنيق للكتب أشرف عليه الشاب المتبسم المرحب على الدوام فايز ساطي ابن الراحل عوض ساطي رفيق صادق النيهوم، الذي انتبه إلى شدة عطشي فجاءني بزجاجة ماء مثلجة.

وإن كنت قد سعدت برؤية الشاعرة رحاب شنيب والشاعر خالد درويش، ولكنني لم أر أخي وصديقي الأديب محمد على الشويهدي، ولا إبراهيم حميدان، ولا محمد العنيزي ، ولا إدريس الطيب، ولا محمد الأصفر، ولا صديقتي الشاعرة خديجة بسيكري، ولم أر السيدة الكريمة سالمة المدني، ولا الشاعرة حواء القمودي.. ولا الدكتور محمد المفتي، ولا أحمد بالو، ولا سالم العوكلي، ولا عمر الككلي، ولا عبد السلام العجيلي ولا الشاعرة تهاني دربي.. ولا نورالدين الماقني، ولا الرفيقين أحمد العريبي وعلى الفلاح، ولا نوري عبدالدائم، وحسين نصيب المالكي ولا الشاعري وكثيرين آخرين سوف أحزن لأنهم سوف يزعلون لأنني لم أتذكرهم.

وهاجني استعبار، وتسلطت علىّ كأبة، وحزن جليل، وكان (الباص) قد وصل محطته أمام المعرض بعد رحلة استمرت أكثر من ساعة، ونظر إلى السائق، فلم يبق أحد غيري، وقال لي: "المعرض يا أستاذ .." فأجبته في الحال: "سوف أعود معك!" واستطردت: "يبدو أن قدمي لا توافق على تجولي هذا اليوم." أجاب متبسما: "تنورنا، والتذكرة علينا.." شكرته، وقلت له: "لا أنت ولا أنا سنقنع المراقب بودك وكرمك لو طب علينا!" ضحك وأخذ قيمة التذكرة وعدت إلى بيتي مبتهجا بذكريات السنوات الماضية!

وعلى الرغم من مرارة ما أحسست به من خيبة بسبب غياب الرفاق، والروح التي افتقدناها من بعد فقدان ساحة الأزبكية والمقهى الثقافي، في معرض القاهرة الجديد، إلاّ أنني انتبهت إلى أنه لم يعد يغيب كتاب على أحد إلاّ على أولئك الذين لا يريدون أن يفهموا أن الكتاب كلمات والكلمات تولد وتحيا وتموت إلاّ إذا ضمها كتاب. غير أن واقعا جديدا ومتقدما، فرض نفسه الآن يقول: "تعيش الكلمة وتنتشر أكثر إن حمَلتها بشكل ما، في هذه الشبكة العالمية المرعبة التي حوت علوم الإنسانية كافة، فما عليك إلاَ أن تنقر كلمة من الموضوع الذي تريد وتجده أمام شاشتك.

وهذا ما حدث عندما انتبهت إلى أنني ذكرت الكثيرين من رفاقنا رموز الكلمة، فأردت البحث عن بيت قاله المتنبي، عن الفراق، فنقرت جهازي بما جادت به ذاكرتي فجاءني البيت كاملا، بشرحه ثم أضاف لي قصيدة تتناول الموضوع نفسه وتعد من روائع المتنبي، البيت يقول:

بَقائي شاءَ لَيسَ هُمُ اِرتِحالا *** وَحُسنَ الصَبرِ زَمّوا لا الجِمالا . ثم زادني، مولانا النت بأروع قصائده في الموضوع ذاته، وهي التي استهلها:

أَرَقٌ عَلى أَرَقٍ وَمِثلِيَ يَأرَقُ *** وَجَوىً يَزيدُ وَعَبرَةٌ تَتَرَقرَقُ، واختتمها:
وَعَذلتُ أَهلَ العِشقِ حَتّى ذُقتُهُ *** فعَجِبتُ كَيفَ يَموتُ مَن لا يَعشَقُ.
نعم كيف يموت من لا يعشق (الكلمة)؟



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»