(.. ولكن الإنسان لم يخلق للهزيمة)
همنجواي
منذ ستين عاما. في الثاني من يوليو 1961 وصل الرجل إلى نقطة النهاية في السباق الطويل من الأيام والأعوام. لم يحتمل الكاتب الأمريكي إرنست همنجواي الذي شغل الناس برواياته وقصصه وتجربته في الحياة وتعلقوا بأسلوبه وغطى الكثير من الحروب وغامر بالصيد في إفريقيا والكاريبي. لم يعد يحتمل معاناته النفسية مع دخوله في بداية يونيو الذي مضى قسم الطب النفسي بمستشفى سانت ماري الشهير في الولايات المتحدة. أطلق على نفسه النار من بندقيته الأثيرة وانتحر لتنتهي حكاية حياته نهاية مأساوية فجع بها الكثيرون عبر العالم وأكمل بواسطتها أعوامه التي تجاوزت الستين وإن كان من خلال صوره يبدو أكبر من ذلك كثيرا.
نعاه الرئيس جون كندي من مكتبه البيضاوي ونشرت الخبر أهم الصحف والمجلات وظل اليوم التالي للانتحار مجالا لم يتوقف في الكتابة عنه واستعادة مآثره الأدبية والإنسانية. وفي الأساس في المستشفى الشهير لم يحتمل همنجواي العلاج الشديد لأزمته النفسية التي يمر بها وظل طريح الفراش فيما شرع الأطباء تلك الأيام في علاجه بالصدمة الكهربائية التي كانت تعطى كما يقول صديقه المقرب إليه هوتشنر مؤلف سيرته المعروفة (بابا همنجواي) بشكل وحشي على حين كانت قطعة من الخشب توضع بين أسنانه وهو يتلوى من شدة الألم .
كان التيار الكهربائي الصاعق يختلف عن علاجات اليوم ويرسل إلى الدماغ دون مخدر.
السيرة المذكورة كانت شائقة وممتعة وكان في مقدمة من ترجمها إلى العربية الصادق النيهوم عبر صحيفة الحقيقة في أعدادها اليومية أواخر عام 1966 وبدايات 1967 وأرفقها بصور نادرة لهمنجواي في مناسبات مختلفة كان من بينها واحدة له وهو مستلق على فراشه عاريا يقرأ إحدى الصحف. ثم ترجمت في بيروت وصدرت في عدة طبعات لاحقة.
ترجمة النيهوم ظلت في صفحات الحقيقة حتى الآن ولم تصدر في كتاب مثل بقية ترجماته المهمة للعديد من الكتب من بينها موت رئيس ومذكرات ستيفلانا ابنة الزعيم الروسي ستالين ويوميات جيفارا وقلبي مع الفيت كونج ...... وغيرها.
عاش همنجواي حياته بالطول والعرض. وكانت تجربته في الكتابة مصدر إعجاب وإلهام للكثيرين خاصة من الشباب في العالم الذين قلدوه وحاولوا محاكاته واقتفوا أثر خطاه بأقل عدد ممكن من الكلمات كما كان يردد.
وقد بلغ تأثيره مدى واسعا بعد الحرب العالمية الثانية ووصل إلى منطقتنا العربية ولوحظ ذلك التأثير من خلال ترجمات منير البعلبكي لأعماله التي قرأتها الأجيال العربية باهتمام كبير عبر منشورات دارالعلم والآداب في بيروت حتى لقد كان الكثير من الشباب من الأدباء والكتاب يحفظون نصوصه عن ظهر قلب ويتحدثون عنه بإعجاب وكأنه أحد أصدقائهم الذين يعيشون معه ويحاولون تقليد معيشته رغم أنه كان في أمريكا على بعد آلاف الأميال. لقد قرأوا رواياته بشغف وشاهدوا جاري كوبر الممثل الأمريكي المعروف يلعب دور الملازم هنري في فيلم وداعا للسلاح ودور بطولة أخرى في لمن تقرع الأجراس.
الروايتان الشهيرتان لهمنجواي عن زمن الحرب العالمية الأولى (1914_1918) وفترة الحرب الأهلية في إسبانيا (1936). وقد تردد بأن همنجواي وصل إلى ليبيا تلك الفترة أيام الحرب الأولى وراسل بعض الصحف حول أحداث الحرب الليبية الإيطالية.
كانت الحروب تجربة مهمة له وأمدتها بالكثير من المشاهدات لكنه شعر حيالها بالكراهية والتقزز على الدوام . منذ 1948 أو قبلها بقليل عاش في كوبا مثل أي مواطن هناك وأنجز رائعته الشيخ والبحر التي أضحت فيلما فيما بعد ونال عنها جائزة نوبل في الآداب عام 1954. وهي التي تناولت قصة بحار عجوز مع سمك القرش الضخم في المحيط وصراعه مع المجهول وانتهى به ذلك التصوير الرائع في الرواية إلى أن الإنسان لم يخلق للهزيمة. قد يدمر ولكنه لايهزم على الإطلاق!!
في هافانا عاصمة الجزيرة التي ناصبت الجار الإمبريالي العداء المزمن منذ عام 1959 بعد دخول كاسترو ورفاقه إليها والإطاحة بباتيستا ظل بيت همنجواي هناك ومشربه وأماكن وقع خطاه متحفا إلى الآن يسر الناظرين ومزارا لا تتوه عنه الأقدام الزائرة والمقيمة.
لعل همنجواي أنهى حياته وبلغ نهاية المطاف بواسطة الطلقات الأخيرة من فوهة سلاحه لأنه في واقع الأمر وصل في اللحظة نفسها إلى حافة اليأس القاهر الذي غذاه شعور قوي بأنه لم يعد يستطع الكتابة كما كان يفعل من قبل أو يعيش التجارب الساخنة واللازمة لإبداعه من جديد.
رجل حلق كثيرا بمهمات في الحروب ورفض أسلوب الكتابة التقليدية الشائعة في أمريكا وأوروبا وطور وجدد فيها بطريقة فريدة لم يحسنها الآخرون. هذا الرجل الكاتب الذي واجه الموت كثيرا في مرات سابقة ونجا منه إثر سقوط طائرة أو صيد الحيوانات المفترسة في الأدغال أو عبر الحروب ومأسيها.. شعر في نهايات أيامه بالخوف واعتراه الكثير من الأوهام والرهاب.
لقد أحس بأن مكتب التحقيق الفيدرالي الأميركي ورجاله يتعقبونه ويتهمونه بالشيوعية منذ كان في كوبا وعلاقته بكاسترو. وتلك تهمة خطيرة في أمريكا ذلك الزمن من أيام دلاس وغيره. لم يكن همنجواي شيوعيا أو ملتزما بأي مذهب سياسي طوال حياته.
كان مع الإنسان ووجوده ونضاله في الحياة. أما السياسة فلم تعنه كثيرا أو يهتم بتفاصيلها وخيوطها اللعينة المتشابكة وبلغ به الخوف والرعب حدا لايطاق مثل الحرارة هذه الأيام وانقطاع الكهرباء عندما أحس أن ممرضته في المستشفى سوزان ترسل في حقه التقارير اليومية إلى إدغار هوفر المخيف مسؤول مكتب التحقيقات:
(إنهم يلاحقونني بسبب الضرائب المتأخرة. لقد حاولت أن أعيش بطريقة صحيحة لكنهم يريدون طريقتهم فقط. لهذا أعيد حياتي إليهم. بإمكانهم أخذ حياتي وليذهبوا إلى الجحيم. هنا حياتي وفيها رصاصة. محامي. طبيبي. صرافي كلهم يتعاملون مع هوفر.
لقد أفرغوا حسابي المصرفي وعلى الأرجح أني لم أتمكن من دفع فاتورة المستشفى!). هكذا تكلم همنجواي لصديقه هوتشنر في اللحظات الأخيرة. لم يعد يحتمل الرهاب والوساوس ومتابعات المباحث من بعيد والمضايقات والملاحقات الفجة.
الأديب والموت في اللحظة الأخيرة بعد واحد وستين عاما من الحروب والصيد والكتابة والعاشقات وبراميل النبيذ والأصدقاء والقطط والمراكب التي تعبر البحار والبهجة في العواصم والقرى والمقاهي وكل شئ. انتهت الأمور بطلقات بندقيته منذ ستين عاما. وظلت خفافيش القوى الخفية تعيش وتزداد قوة ومتانة وتغسل أكثر بياضا في كل مناطق العالم وتلهث وراء الأدباء.. وغير الأدباء من البشر!!
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات