Atwasat

الحنين مرة أخرى معجزة المؤتمر الوطني العام

سالم العوكلي الخميس 19 يونيو 2014, 11:13 صباحا
سالم العوكلي

ظاهرة غريبة بدأت تنتشر لدى الرأي العام، وهي الحنين، المكبوت أحيانًا والمعلن أحيانًا أخرى، إلى زمن النظام السابق، والذي قد يتعداه إلى مديح خافت لزمن القذافي، أو للقذافي نفسه، هناك من يكتبه، وهناك من يهمسه، وهناك من يعلنه جهارًا، وكل هذه المشاعر المتفاوتة مشوبة بخجل جارح مأتاه إحساس ممض بانكسار نفسي.

ألمس بشدة هذه المشاعر لدى كثيرين ممن أدخل معهم في نقاش، وأحاول الرد عليهم بحقيقتين؛ الأولى؛ أن القذافي نفسه هو السبب الرئيس في كل ما يحدث، وتجريفه المثابر، طيلة أربعة عقود، للوعي العام والانتماء للوطن، ينجح حتى الآن في أن يجعل ما بعده فوضى عارمة، والحقيقة الثانية هي كون هذا النظام الشمولي قدره أن ينتهي يومًا كما انتهت أعتى الديكتاتوريات عبر التاريخ، وأن هذه المرحلة التي تعقب سقوط نظام شمولي لا مناص من أن نمر بها، ولا مفر من أن ندفع ثمن تداعياتها الصعبة.

كرهتْ شعوبنا النظم الملكية، وهتفت لشباب الانقلابات العسكرية بكل فرح وحماس

الغريب أن هذا الحنين المقلق يحدث لأشخاص كان دعاؤهم اليومي بزوال هذا النظام، وفي مناطق اشتهرت بكرهها العميق للنظام وزمنه، مناطق عمتها فرحة لا توصف بنهاية القذافي، فماذا حدث؟ وكيف انقلبت مشاعر الحقد على ذاك النظام، وهذه الفرحة الكبرى بنهايته، إلى ندم جارح وحنين كسير؟

يبدو أن الكامن وراء هذه الظاهرة الغريبة هي النزعة الفطرية للأمان، وأولوية الأمن الإنساني على كل ما عداه، حين حدثت أحدهم مرة عن حرية التعبير، انفعل، وقال لي: اذهب أنت وحرية التعبير إلى الجحيم، أريد فقط حرية التنقل بين الجامع وبيتي.

إنه الوجع الخفي الذي يستشري في نسيج المجتمع، والذي يجعل الحديث عن الديمقراطية، أو الحريات، نوعًا من الترف النظري وسط مملكة الخوف، الخوف نفسه الذي قاد به القذافي المجتمع طيلة حقبته، وإن اختلفت طبيعته ومصادره.

كرهتْ شعوبنا النظم الملكية، وهتفت لشباب الانقلابات العسكرية بكل فرح وحماس، ولم يمض عقد على حكم العسكر حتى عاود هذه الشعوب الحنين إلى الملكيات. حقدت هذه الشعوب على النظم العسكرية المستبدة وعانقت بفرح ثورات الربيع العربي، ولم يمض عامان حتى عاودها الحنين إلى العسكر، للدرجة التي تحولت فيها الجيوش والأجسام الأمنية إلى مؤسسات رومانتيكية بامتياز، يكتب فيها الشعر الرقيق، وتغنى لها الأغاني، وتلتقط بجانبها الصور لحظة الغروب الساحر.

بعد سنة واحدة من نهاية نظام مبارك، وتحت حكم الإخوان، عادت صوره مبارك، في كل المحافظات، مبتسمًا على زجاج السيارات مكتوبًا عليها (آسفين يا ريس)، ولم تكن الهستيريا التي أصابت الجموع بشخصية السيسي سوى حنين مكبوت إلى شخصية العسكري الذي سيرتدي بدلة وربطة عنق ويقبع بأناقته خلف أسوار القصر(ناصر والسادات ومبارك).

فماذا يحدث؟ وما سر هذا الفرح بالتغيير ثم النكوص عليه؟ ولماذا دائمًا زمننا الجميل خلف ظهورنا؟

بعد سنة واحدة من نهاية نظام مبارك وتحت حكم الإخوان، عادت صورة مبارك، مبتسمًا على زجاج السيارات مكتوبًا عليها (آسفين يا ريس)

الإيمان بالمستقبل ونبذ الماضي هي المعادلة السحرية التي تقدمت بها الأمم، ويبدو أن وجداننا الذي تربى على البكاء على الأطلال عصي على الثقة في المستقبل، وهذا الحنين المَرَضي إلى الماضي مبعثه قسوة الحاضر البديل وغموض المستقبل، شعوبنا المنهكة ما عادت تحب المغامرة، ومجتمعاتنا التي استهلكتها الشعارات والوعود ما عادت قادرة على تسديد فواتير التغيير، (وإعادة انتخاب رئيس على مقعد متحرك انتهت صلاحيته الطبية خير دليل على الخوف من المغامرة ومن التغيير).

ومن جانب آخر فإن مثل هذه الانعطافات التاريخية جاءت نتيجة انفعال جماعي وهيجان شعبي، وليست تتويجًا لنضج اجتماعي، أو نتاجًا لثقافة مطلبية ترسخت وفق إلحاح قيم بديلة مرتبطة بفكرة التقدم، إنها سٌئلت عجوز فقدت ابنها وحفيدها في سجون القذافي: ما رأيك بالقذافي ونهايته؟ فأجابت بانكسار: عدا في حاله، كان واطي عالخير وعالشر.

مشكلة مؤتمرنا الوطني الموقر أنه وطأ على الخير وترك الشر يتبختر في شوارعنا بكل أبهة وبكل شرعية.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»