كان القذافي في الجبل الأخضر في أحد أيام العام 1970 عندما شعر بمغص شديد، وفي مستشفى البيضاء أجريت له عملية لاستئصال الزائدة الدودية، كان لا يزال يتمتع بشعبية كبيرة، لذلك وافق على أن يخدر تخديرًا كاملاً.
بعد سنوات طويلة عندما يقع بحمام قصر الملك إدريس بالبيضاء ويتسبب في كسر ساقه، يرفض التخدير الكامل، ويوافق على التخدير الموضعي؛ حيث خدر نصفه السفلي، بينما كان يتحدث لليبيين على الهواء مباشرة عن المصائب والكوارث التي لا ينجو منها أحد في هذه الدنيا، فيما يشاهد الليبيون الأطباء بملابسهم الخضر وهم يركبون لساقه دواعم معدنية.
عندما استيقظ من تأثير التخدير وجد ممرضة ترتدي ثيابًا بيض، وهي تمسح شفتيه الجافتين بقطعة قطن مبللة، وتحملق فيه بعينيها الواسعتين. لم تكن محجبة وتركت شعرها الأسود ينسدل على ظهرها. كانت تتصرف بثقة امرأة بدوية تعودت على وجود الرجال من حولها، وعندما أحضروا له شوربة سارعت باحتساء الشوربة قبله. تناولت ملعقتين وهو ينظر إليها مستغربًا، فقالت له قد تكون الشوربة مسمومة، وفي هذه اللحظة قرر الزواج منها.
بعد خروجه من المستشفى خطبها من والدها الجارح فركاش الحداد، وقبل ذلك فكر القذافي بعمق وقلب الحسابات الشخصية والسياسية من وراء هذا الزواج، وانتهى إلى أن هذا الزواج يحقق مصالح سياسية كثيرة، بالإضافة إلى إعجابه بصفية فركاش التي كانت مستعدة للموت قبله. "الموت قبله" كانت أكثر الجمل التي تأسره طوال حياته. تذكر محمد بن علي السنوسي عندما وصل إلى الجبل الأخضر فاستقبلته قبيلة البراعصة التي تنتمي لها صفية، عندما بنى حدوث البرعصي شيخ القبيلة أول زاوية سنوسية في البلاد، أطلق عليها الزاوية البيضاء بسبب لونها، وفيما بعد نشأت حولها مدينة سميت باسم البيضاء، كما كان لقبيلة البراعصة وزنًا كبيرًا خلال العهد الملكي، من خلال حسين مازق أهم ولاة برقة، وأيضًا تولي رئاسة الوزراء، وكان من أكثر المقربين من الملك إدريس.
كان العرس بسيطًا في معسكر باب العزيزية، وسكنت في نفس البيت الذي كانت تسكنه فتحية نوري خالد، إلا أن التقاليد الطرابلسية العريقة، والأكلات التي يغلب عليها الطابع التركي اختفت من البيت، وحلت محلها الأكلات البدوية، التي أعجبت القذافي أكثر من الأكلات السابقة. منذ البداية رضيت صفية بأن تكون مجرد زوجة القذافي، ولا علاقة لها بموقع السيدة الأولى في البلاد، وخلال زواجهما الذي امتد لأكثر من أربعين عامًا ظهرت في مناسبة عامة معدودة، معظمها بعد توجه القذافي إلى أفريقيا، عندما حضر إلى سرت رؤساء أفريقيا في قمة 9/9/99، باستثناء ذلك لم يكن لها ولع بالظهور الإعلامي.
فيما بعد اشترى لها القذافي بيتًا في رأس حسن بطرابلس، كانت تقيم فيه مع أبنائها وابنتها الوحيدة، قبل أن يتزوج بعضهم وينتقل إلى بيوتهم الجديدة، وظلت تقيم هناك لتستقبل أحفادها الذين تكاثروا بسرعة، ولم يكن خافيًا على أحد خلافاتها الكثيرة مع القذافي، خاصة عندما تصلها أخبار فضائحه الجنسية، ويشهد أحد الحراس بأنها تتحول إلى لبوة عندما يتشاجران في باب العزيزية، ولم تكن تهابه مثل أي بدوية تشعر بالإهانة، ويفضل القذافي الانسحاب من هذه المواجهات.
كانت تحقد على مبروكة الشريف مديرة مكتب الخدمات، كما حقدت بشدة على نوري المسماري، وكل النساء اللواتي عملن في مكتب الخدمات الخاصة، وخاصة بعد أن أحضر القذافي الممرضات الأوكرانيات، اللواتي كن يفحصن الضحايا العذراوت خوفًا من إصابتهن بأمراض معدية، وأخيرًا قررت عدم زيارته في باب العزيزية الذي تحول إلى ماخور كبير.
حاولت تحسين سمعة أبنائها بتقديم المساعدة للمحتاجين، وارتبطت بعلاقات وطيدة مع مجموعة من علماء الدين، وبنت على حسابها مسجدًا كبيرًا في نهاية شارع بن عاشور، لكنّه لم يكتمل حتى الآن، ووقفت بوضوح مع ابنها سيف ضد شقيقه المعتصم، كما ارتبطت بعلاقة وطيدة مع عبدالله السنوسي زوج شقيقتها الذي كانت تعتبره رجل البيت.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات