ما عرفته هو أن سارتر يمجد راسكولينكوف، ويمجد هيدغر، ويرى أن الإنسان الأوروبي الحديث نتاجٌ لـ: راسكولينكوف الروسي، فيما يبدو هيدغر نفسه مولعًا بأفكار نيتشه عن القوة، تلك الأفكار التي استخدمتها النازية لأجل بعث الرايخ الثالث جاعلة من هيدغر القوي على هرم مؤسساتها الفكرية، متجهة إلى بناء مجد الألمان والجنس الآري، الذي طالما أبهر دوستويفسكي، كما يرى من خلال راسكولينكوف وكثير من أبطاله، بأنهم – الألمان، أكثر تحضرًا من الروس، مع ذلك لا يرى نيتشه الألماني أستاذًا له إلا ثيودور دوستويفسكي ويؤكد أن الدم الآري فاسدٌ وأنه يشعر بالعار من دمه الآري، ويشعر بالفخر لأجل القطر البولونية التي تجري في عروقه، أكثر من بقية دمه، وإنه نادم.
لم يحدث أن كره شعب على الأرض دوستويفسكي كما كرهه الروس.
بدا كأنه إنجليزي، فرنسي، ألماني أكثر من كونه شخصية روسية، كما أن نيتشه، يضع الألمان أعلى بقليل من الحيوانات، لكن هيدغر وأعضاء الحكم النازي يرون أنهم أرقى البشر، وقد شيَّدوا تماثيل ضخمة، لجسد الآري لكي تراه وفود الشعوب التي ستأتي لتنحني أمام رمز الآرية، وفي سبيل تحقيق ذلك، كان هيدغر لا يمتنع عن استخدام القوة والعنف، في حين يرفض دوستويفسكي استخدام القوة والعنف، ويظهر للعالم كم كان نابليون سيئًا في قتله الملايين وحيازته المجد، في حين يؤكد نيتشه أن القوة أمر إلهي، وسارتر الذي يعتبر راسكولينكوف المثال للإنسان الأوروبي، يقر بأن استخدام الإرهاب والعنف أمران مشروعان في العمل السياسي، في حين هو يحارب مدرسه ومعلمه هيدغر، مع أفواج الجيوش الألمانية التي اجتاحت باريس، ويذهب إلى أبعد من ذلك ليقابل جيفارا الذي هو في نظر سياسيي العالم الغربي إرهابي، مدعوم من روسيا، التي نبذت أفكار ستالين في تلك الفترة وأعادت دوستويفسكي إلى الواجهة، دون أن تتضح الفكرة الحقيقية من وراء ذلك بدأت أفكار سارتر الأخيرة أقرب إلى الفكرة السلمية منها إلى استخدام العنف وقد برر في مقالاته فترة المقاومة، بأنهم:
"كانوا في وجه الموت مباشرة، وإن أي فعل يقدمون عليه هو صحيح لا محالة ".
هذا بضبط ما فعله راسكولينكوف في حياته، ثم اكتشف أنه أمر خالٍ من الحقيقة وهو ما حاول دوستويفسكي فعله أيضًا، في محاولته الانقلابية على القيصر، ونفيه إلى سيبيريا بعد أن نجا من الموت في سخرية هائلة، ليعود بعدها ويكتب ما يمثل تيارًا سلميًّا، وضد فكرة السياسة نفسها، فالسخرية من تلك الحياة هي سمة كتاباته الكبرى، مع ذلك وجدت توجهات الحزب أنه خطرٌ على الثورة البلشفية وإنه يمثل الليبرالية، التي تستدعي أقصى وهو ما يشعر به أي قارئ في كتاب الجريمة والعقاب، إنها نزعة فردية لم يستسغها الحزب، كما لم يستسغها أديب عالمي من طراز مكسيم غوركي، الذي شهد العنف الذي عصف في داخل الحزب نفسه وفي كل بقعة من أراضي الروسية، فوافق عليها، بل وصل به الأمر إلى محاربة كتابات دوستويفسكي التي تناهض العنف والإرهاب في العمل السياسي.
نتيجة تلك المغامرات وصل الأدب الحديث في تلك الفترة إلى أكثر مراحل الانقسام الذاتي، فالغرب الذي يعلي من قيمة سارتر المحرض على العنف، جعل من كاتب مناهض للعنف كألكسندر سولجستين في قمة الأدب، فيما لا يزال دوستويفسكي ملهم العالم مع نيتشه، بحيث يبدو وكأن العالم الأوروبي السياسي لا يستطيع العيش بغير العالم الذي رسمه دوستويفسكي، فالإرهاب يبدو أكثر فائدة للحكومات من الإرهابيين أنفسهم، فمن ينكر أن الحزب الأوحد في روسيا البلشفية لم يتمتع بمزايا إلهية بفضل الإرهاب، كما تمتع به القيصر وقتها وحصوله على مزايا السخرية من دوستويفسكي، إنها المزايا نفسها التي تتمتع بها أميركا الآن، والحكومات العربية تجاه شعوبها، بدرجة أقل طبعًا، العالم تحكمه منظومة تصل دومًا إلى روايات دوستويفسكي الكبرى، يمكن أن تجد اقتباسات، ويمكن لأي أديب أن يجد أسئلة حية لم يتم الإجابة عنها، في متن نصوص دوستويفسكي، كما يجد الخطابات الرهيبة التي أعلنها نيتشه مرة والتي ناهضها الأغلب، ثم عرفوا بعد سنوات أنها الطريق السليم إلى الحكم القوي، بمَن فيهم هيدغر الفيلسوف، المؤثر في عقليات ذلك العصر، بمَن فيهم سارتر مما دعا الألمان إلى أن يسمحوا حتى لمسرحيات جان بول سارتر أن تمثل بالرغم من كونه مناهضًا للاحتلال النازي، بسبب البذور الألمانية القوية فيها، سيقول الروائي الفرنسي المنفي سيلين كاتب السفر في آخر الليل إن سارتر سرق أفكار هيدغر، على الرغم من أن سارتر نفسه استعمل ما يمكن تسميته في الوقت الحالي بالعمليات الإرهابية والتحريض عليها ضد القوات المحتلة، بالرغم من أن حكومة بلاده -حكومة فوشي- كانت مع النازيين، كل ذلك وهو يكتب في ما بعد مقالاته: ما الأدب؟ يذكر بأن راسكولينكوف هو المثال الحقيقي لأوروبا ! إنما لا أحد عرف أي أوروبا، أي شخصية من شخصيتي راسكولينكوف: الإرهابية العنيفة أم الوديعة المقاربة لشخصية القديس؟
لا أحد يعرف حقيقة ما هي الوجهة الحقيقية للفكر الأوروبي عما يمكن تسميته بالإرهاب، هؤلاء مفكرو أوروبا الكبار تائهون في معضلات لا يمكن تحديد أبعادها عن مفهوم الإرهاب: فالذين بدوا في نظرنا إرهابيين في السابق هم أنفسهم أصدقاء أوروبا اليوم، كما أن أوروبا نفسها تستعمل العمليات الإرهابية في سبيل تحقيق الكثير من مطامحها السياسية، كيف يمكن مطلقًا فهم الأمر على نحو حقيقي؟ فحتى تعريف هيدغر للحقيقة لا يعطي المفهوم الكامل في حين أنه يقف بوضوح إلى جانب هتلر.
يقول نجم والي الأديب العراقي صاحب رواية تل اللحم، إنه حضر مؤتمرًا في ألمانيا تحت شعار: "النبوءة والأدب" نظَّمته الجمعية البروتستانتية الألمانية، يقول نجم والي: إن أعمال المتقدمين للمؤتمر البروتستانتي تضمنت حديثًا عن كون دوستويفسكي استطاع رسم شخصية عدمية، إرهابية مستعدة لوضع نفسه في سبيل أهدافه الكبرى.
دوستويفسكي لم يرسم فقط هذه الشخصية، بل رسمها في النهاية قديسًا مؤمنًا، أمامه فرصة للتكاثر بإيجاد التربة الجيدة والمناخ الجيد أو سونيا مثالية.
إنها تناقضات أوروبية بامتياز، قبل أن تكون إرهابًا خارجًا عن أوروبا الحديثة، التي تنتهي حلقاتها دومًا على نحو درامي للعودة إلى ماضيها الاستعماري الذي لا تريد التنازل عنه، لا بل تهدد بالعودة إليه في أية لحظة، كما نشهد بوادرها، في القرم ومالي والمنطقة برمتها.
[email protected]
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات