دعا مقال نشرته مؤسسة «كارنيغي» للسلام الدولي بعثة الدعم التابعة للأمم المتحدة إلى إعادة تقييم نهجها في ليبيا، ليكون تحقيق التوافق بين الفصائل المتنافسة الهدف النهائي، وليس مجرد «عملية إجرائية تعرقل العملية التفاوضية في كل منعطف».
وتطرق المقال، بقلم الباحثة في مركز الدراسات والتوثيق الاقتصادي والقانوني والاجتماعي، ثريا رحيم، إلى خريطة الطريق التي أعلنتها رئيسة بعثة الدعم الأممية، هانا تيتيه، أمام مجلس الأمن أغسطس الماضي، وتوقع أن تواجه مصير المبادرات السابقة نفسه، التي قدمت آليات لتقاسم السلطة، في محاولة لحل الصراعات التي لا تزال قائمة بين الفصائل الليبية.
تكرار المصير نفسه
وقالت الباحثة إنه على الرغم من أن خريطة الطريق المعلنة أخيرا تضمن تمثيلا لكل طرف سياسي أو أمني في هياكل السلطة الرئيسية، ليضع نهاية لحالة الانقسام، إلا أن هذا النموذج يمنح النخب السياسية سلطة الرفض «فيتو» على غالبية القرارات الرئيسية، وبالتالي يعزز الانقسامات ويعمق الفساد، ويعيق التحول صوب الديمقراطية.
- شاهد في «وسط الخبر»: البعثة الأممية فى ليبيا.. دور استشارى أم غياب حلول؟
- ماذا وراء دعم الدول العشر تمديد ولاية البعثة الأممية في ليبيا؟.. خبراء يتحدثون لـ«الوسط» (فيديو)
- «طريق بلا معالم».. خريطة تيتيه تحت مجهر الخبراء
ورأت أن «المبادرات المختلفة التي أعلنتها بعثة الدعم الأممية تسلط الضوء على حدود النهج الهادف إلى مشاركة السلطة، لتركيزه على النخب فقط»، لهذا أكدت أن «الوقت قد حان لإعادة النظر في إطار العمل الحالي، وبدلا من التركيز على جمع الأطراف الرئيسية حول نظام اتفاقات هش، تجرى إعادة التفاوض عليه بشكل مستمر، ينبغي على البعثة إعادة تقييم نهجها، ليكون التوافق هو الهدف النهائي».
ومن أجل تجنب مزيد من العراقيل أو الجمود، ومواجهة التحديات الهيكلية والسياقية، دعا المقال البعثة الأممية إلى إيجاد أطر للوساطة تتجاوز المساومة بين النخب. ويمكن ذلك عن طريق التعامل مع الوضع الموقت الراهن، مع الوضع في الاعتبار أهمية الجدول الزمني، وضمان عدم اقتراح أي تسوية نهائية قبل أن تكون جميع الأطراف مستعدة لها، واستغلال أي فرصة لحل الصراع.
الحدود الهيكلية للبعثة الأممية
إلى ذلك، تطرق المقال إلى المبادرات المختلفة التي قدمتها البعثات الأممية في ليبيا منذ العام 2015، وقال: «على الرغم من اعتبارها فشلا للوهلة الأولى، فإنها أسهمت في خلق المساحة المطلوبة للحوار، وأنشأت أطرا منهجية لتطور العملية السياسية».
ورأى أن الأزمة تكمن في حالة الغموض وانعدام اليقين المستمر بشأن استدامة خرائط الطريق تلك على المدى القصير والطويل، لهذا أوضح أن جهود الوساطة ينبغي أن تستغل ثلاث أدوات استراتيجية لتعزيز، وتقوية أي خريطة طريق مقترحة، وهي: الزمنية والنضج والفرص.
استغلال الأطر الزمنية
أكد المقال أهمية الأداة الأولى، وهي الزمنية، التي عدها محورية بالنسبة لنجاح جهود الوساطة السياسية التي تقودها بعثة الدعم الأممية في ليبيا، وقال: «في حين يمنع الجدول الزمني الضيق أي محاولات للعرقلة، إلا أنه يخاطر بتغذية أزمة إدارة على المدى القصير».
وأضاف: «خريطة الطريق الأخيرة تهدف إلى توحيد المؤسسات وإجراء انتخابات في غضون 18 شهرا. لكن التجربة الليبية تُظهر أن الإطر الزمنية الضيقة غالبا ما تكون وهمية، ويجرى تجاوزها في كثير من الأحيان بسبب الخلافات المستمرة، والغموض في نصوص الاتفاقات، وتضارب المصالح المتعلقة بطبيعة تقاسم السلطة».
وتابع: «في النهاية، الفشل في الالتزام بالأطر الزمنية يسبب تآكل شرعية المؤسسات الموقتة، ويغذي اتهامات بعدم الشرعية. وأمام هذا المأزق، يكون من الأفضل تغيير مسار العملية لمصلحة نهج تدريجي طويل الأمد للتوصل إلى اتفاقات».
وأكد أن تعديل الإطار الزمني للعملية السياسية يمكن أصحاب المصلحة من بناء ثقة أكبر في بعضهم البعض، وفي إطار تقاسم السلطة نفسه، وهذا يسمح بالرقابة والإصلاح، بما في ذلك تبني نظام الحكم غير المركزي.
استغلال نضج المبادرات السابقة
أما بالنسبة للأداة الثانية، وهي النضج، فقد دعا المقال إلى استغلال أسباب فشل عمليات الانتقال السابقة في ليبيا، ولا سيما فيما يتعلق باستدامة التسويات بين النخب، وهو ما يؤكد أن الاتفاقات الشاملة لم تنضج بعد.
ويقع العبء الأكبر على البعثة الأممية بإنشاء إطار صارم لأي خريطة طريق أو اتفاقية، من شأنها خلق المساحة المطلوبة للحوار بين الأطراف المتنافسة، والأهم توضيح الغموض بشكل كلي أو جزئي فيما يتعلق بأجزاء العملية السياسية.
وهنا أشارت الباحثة إلى استئناف المفاوضات بين لجنة «6 +6»، وعدتها خطوة في الاتجاه الصحيح. وتحظى اللجنة بدعم اللجنة الاستشارية، المكونة من عشرين خبيرا ليبيا، والمكونة بموجب قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 2755 لعام 2024.
وقالت: «لكي يصل أي إطار إلى درجة كافية من النضج، يجب أن يشجع على مشاركة شريحة واسعة من الشعب الليبي. هذا من شأنه ضمان مفاوضات أكثر شفافية وتمثيلاً، بالإضافة إلى انفتاح سياسي، والحد من إقصاء الأقليات».
استغلال الفرص
في استعراضها للأداة الثالثة، وهي الفرص، دعت الباحثة البعثة الأممية إلى استغلال الفرص الناجمة عن الطموح الاستراتيجي للدول الخارجية، وقالت: «هذا الطموح ربما يحفز تلك الأطراف على العمل معا لحل الصراع داخل ليبيا».
وضربت الباحثة مثالا بالاتفاق الموقع في سبتمبر الماضي بين حكومة «الوحدة الوطنية الموقتة» و«قوات الردع» في طرابلس، المسيطرة على مطار معيتيقة، وقالت: «الدعم التركي للاتفاق يُبرز كيف يمكن للمصالح الاقتصادية والأمنية دعم اتفاقات جديدة عبر الوساطة بالتوازي مع الجهود التقليدية».
كما أضافت: أن «رغبة الولايات المتحدة في لعب دور أكثر نشاطا لحل الصراع في ليبيا يمكن أن يثبت فعاليته على نحو مماثل، وبرز ذلك في اجتماع استضافته روما، في سبتمبر الماضي، جمع مستشار الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية، مسعد بولس، ورموز من الحكومتين المتنافستين في شرق وغرب ليبيا، ركز على توحيد الموازنة العامة».
ومن شأن مبادرة أميركية منفصلة لدمج المؤسسات العسكرية في الشرق والغرب، كجزء من مناورات «فلينتلوك» السنوية التي تُجريها القيادة الأميركية في أفريقيا، أن تُتيح فرصة لحل النزاع.
ويمكن تنفيذ هذه المبادرة بالتنسيق مع جهود بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، بدلا من التنافس معها، لإنشاء فريق تنسيق فني مشترك يجمع المجموعات الأمنية من الغرب والشرق في مناورات مشتركة.
__________________________________
مـزيـد من تـقـاريـر بـوابـة الوسـط ———————
■ قرعة كأس العالم 2026: نتائج المجموعات كاملة
■ جريدة «الوسط»: «أفريكوم» تعد لمناورة في سرت بمشاركة قوات موحدة للمرة الأولى
■ بين المنع والتوعية.. كيف نحافظ على أطفالنا في فضاء الإنترنت؟
■ «المصرف المركزي» يعلن عن قيمة عجز النقد الأجنبي خلال 11 أشهرا من 2025
■ البعثة الأممية توضح آلية الاختيار لعضوية «الحوار المهيكل» مع بدء توجيه الدعوات
■ مصادر من «المركزي» لـ«بوابة الوسط»: ضخ 18 مليار دينار لمعالجة نقص السيولة في المصارف
■ «الجنائية الدولية» تنشر معلومات حول الهيشري وقضيته ومكان احتجازه
■ بعد «اعتقال ليبي بالصدفة».. تفاصيل جديدة في قضية تفكيك شبكة دولية لغسل الأموال بتركيا
■ 10 سنوات على صدور جريدة «الوسط».. «رأي الصحافة.. وصحافة الرأي»
■ ليبيا: العنف ضد المرأة.. كيف نحاصر الظاهرة؟
تابع تقارير «بي بي سي» عبر بوابة الوسط ————
■ "مجموعات الموت": ما هي أصعب المجموعات في تاريخ كأس العالم لكرة القدم؟
■ خمسون عاماً على رحيل حنة آرنت: المفكرة التي أرادت إنقاذ التفكير
■ للمرة الأولى، نشر صور لجزيرة إبستين
■ دراسة علمية حديثة: المراهقة تستمر حتى الثلاثينات من العمر
__________________________________
تعليقات