في ظل التوسع السريع لاستخدام المنصات الرقمية، تتصاعد التحذيرات من خطورة المحتوى غير المنظّم الذي يغزو شاشات الأطفال والمراهقين، وسط تأكيدات من خبراء وتقارير محلية ودولية بأن البيئة الرقمية باتت «غير آمنة بالكامل»، بل تحولت في بعض الأحيان إلى عامل مباشر في تهديد القيم الاجتماعية والدينية، وإحداث اضطرابات نفسية لدى الجيل الصغير.
وخلال مداخلات مع برنامج «وسط الخبر» المُذاع على قناة الوسط «WTV»، سلط عدد من المختصين الضوء على حجم المشكلة، وضرورة التدخل العاجل لحماية النشء من موجة المحتوى الضار التي تجتاح المنصات، وعلى رأسها «تيك توك».
البيئة الرقمية في ليبيا غير آمنة بالكامل
أكد الخبير في الإعلام الرقمي محمد درجاعي أن البيئة الرقمية في ليبيا تُعد اليوم «غير آمنة بنسبة 100%»، استناداً إلى الإحصاءات والتقارير، إضافة إلى محاولات جهات أمنية ومؤسسات دولية للحد من انتشار بعض المنصات، وعلى رأسها «تيك توك»، بسبب تزايد المحتوى المسيء أو غير الأخلاقي أو غير المناسب للفئات العمرية الصغيرة.
وأوضح درجاعي أن المشكلة متعددة الأبعاد، ولا تتعلق فقط بسياسات المنصات، بل أيضاً بضعف الوعي المجتمعي تجاه الاستخدام الصحيح للتطبيقات ومنصات التواصل الاجتماعي، مبيّنا أن منصات مثل «تيك توك» و«إنستغرام» و«فيسبوك» تعتمد على خوارزميات تروّج للمحتوى الأكثر انتشاراً وتفاعلاً، «بغضّ النظر عن أخلاقيته أو ملاءمته العمرية أو الثقافية»، وهو ما يجعلها بطبيعتها تفضّل المحتوى الجاذب حتى لو كان ضاراً.
وبشأن مسألة «جاذبية المحتوى»، أشار درجاعي إلى أن الخوارزميات تُظهر للمستخدمين المحتوى الذي يفضله الجمهور بشكل عام، لا المحتوى المفيد بالضرورة، مؤكداً أن المشكلة في جوهرها ليست تقنية فقط، بل ترتبط أيضاً بالتربية والتوعية ومسؤولية الأسرة والمجتمع.
وأضاف أن الأطفال والمراهقين ليسوا سبب المشكلة، فهم ضحايا لطبيعة المحتوى الأكثر انتشاراً عالمياً، والذي غالباً ما يكون غير أخلاقي أو غير مناسب عمرياً. وشدد على أن الحل يبدأ عبر الاستخدام السليم للمنصات، إلى جانب تعزيز «التوعية الرقمية»، سواء داخل الأسرة أو عبر المدرسة.
وختم درجاعي بأن «غضّ الطرف عن الأعمار الحقيقية للأطفال» الذين يستخدمون هذه التطبيقات يسهم في تفاقم المشكلة، مؤكداً ضرورة وجود مراقبة أسرية مستمرة، وتوجيه تربوي مناسب، ومتابعة دقيقة لنوعية المحتوى الذي يستهلكه الأطفال داخل المنازل.
حماية الأطفال في الفضاء الإلكتروني مسؤولية الدولة والأسرة
أكدت الخبيرة الدولية والاستشارية في تكنولوجيا التعليم بالقاهرة، الدكتورة منى العلي، أن التعامل مع المحتوى الرقمي الضار يتطلب جهداً مزدوجاً يجمع بين دور الدولة في حجب المحتوى غير اللائق، ودور الأسرة والمدرسة في رفع مستوى الوعي لدى الأطفال والمراهقين.
وقالت العلي إن تصفية المحتوى وحجب المواد غير الأخلاقية أو غير المناسبة للأطفال «جزء بالغ الأهمية ولا يمكن تجاهله»، مؤكدة أن على الجهات الرسمية لعب دور مباشر في حماية البيئة الرقمية. وفي المقابل، شددت على أن التوعية الأسرية والمدرسية لا تقل أهمية، إذ يجب تعليم الأطفال كيفية منع ظهور المحتوى غير المناسب، وكيفية التصرف عند مواجهته.
ونبّهت إلى خطورة كثير من المحتويات المنتشرة في منصات مثل «تيك توك»، سواء من الناحية الأخلاقية أو الإنسانية، مشيرة إلى أن بعض الأطفال يشاهدون مشاهد عنف وقتل وضرب، ثم يحاولون تقليدها عملياً دون إدراك للعواقب، فقط لأنها ظهرت أمامهم في فيديو قصير.
كما أكدت أن حماية الأطفال تبدأ من «التربية والتوعية والرقابة»، ومن خلال تعليمهم كيفية حجب المنصات والمقاطع التي تروّج للعنف أو السلوكيات غير الأخلاقية، مشيرة إلى أن البيئة الرقمية اليوم تفرض على الأسرة دوراً مضاعفاً لمتابعة ما يشاهده الأبناء وما يتابعونه يومياً عبر هواتفهم الذكية.
حجب «تيك توك» عن الفئات الصغيرة أصبح واجباً وطنياً
وكشفت رئيسة منظمة مبادرة لتنمية المجتمع، صباح البرعصي، إجراء منظمتها دراسة استطلاعية واسعة حول مستخدمي تطبيق «تيك توك» في ليبيا، لافتة إلى أنّ التطبيق بات يستهدف المستخدم الليبي بدرجة كبيرة، نظراً لانخفاض تكلفة استخدامه وارتفاع معدلات المشاهدة فيه. وقالت: «لا يحتاج الأمر سوى إلى باقة بـ20 أو 25 دينار لتجد نفسك أمام مقاطع قد تكون خالية من الأخلاقيات وتخاطب الغرائز بشكل مباشر».
- «تأثير الحروب والأزمات».. ليبيا أمام موجة غير مسبوقة من المشكلات الاجتماعية
- ليبيا أمام تحد إنساني .. كيف نحمي أطفالنا من دوامة العنف؟
وأضافت البرعصي أنّ الدراسة كشفت أن «تيك توك» يقدّم محتوى مبهراً وغريباً عن المجتمع الليبي، ما يجعله أكثر جذباً للمراهقين والأطفال. وأشارت إلى أنّ الأشخاص الذين يظهرون على المنصة «غير مؤهلين في معظم الأحيان لمخاطبة هذه الفئات»، فهم - كما توضح - «نتاج خوارزميات تلتقط المحتوى الأكثر تفاعلاً، بصرف النظر عن قيمته أو فائدته».
وأوضحت أن نحو 10% فقط من صناع المحتوى يقدّمون مواد علمية أو أدبية راقية يمكن أن تُحدث أثراً إيجابياً، بينما «يلعب 90% الأخرى على غياب السلطة الأخلاقية»، سواء داخل الأسرة أو المؤسسة التعليمية أو حتى داخل المؤسسة الدينية «التي لم تمارس دورها كما يجب، وظل خطابها تقليدياً وقهرياً، بعيداً عن لغة الحوار التي تحتاجها فئة الشباب والمراهقين».
وأكدت البرعصي أنّ غياب أدوات التوعية الفعّالة يزيد من حجم المشكلة، مضيفة: «العالم كله يتحدث عن التوعية، لكن الأدوات التي نستطيع من خلالها توجيه مستخدمي هذه التطبيقات لحماية أنفسهم ما زالت غير كافية».
فرض القيود العمرية.. من خيار تنظيمي إلى ضرورة وطنية
وحول مسألة فرض قيود عمرية على مستخدمي المنصات الرقمية، قالت البرعصي إن نتائج الدراسة التي تُجرى على مراحل، وتحتاج وقتاً أطول لقياس دقيق، تشير إلى أن الفئات الأكثر تضرراً تقع بين سن 6 و15 عاماً. وأضافت: «الحجب عن هذه الفئة أصبح واجباً وطنياً، لأن هذه التطبيقات تزعزع الإيمان بالدين، وبالعادات والتقاليد التي تربينا عليها. قد تكون هذه العادات بحاجة إلى تجديد، لكن التطبيقات تدعو إلى خلعها بالكامل».
وأشارت إلى أن السلوكيات العنيفة والانتقامية وعدم تحكيم العقل «أصبحت أدوات يتبناها مروّجو المنصّات»، مركزّة على أن «تيك توك» تحديداً «تطبيق لا يحتوي أي معايير أخلاقية أو اجتماعية أو دينية»، إذ يستطيع أي شخص، ومن أي عمر، مخاطبة جمهور واسع دون ضوابط، «فقط هاتفك وباقتك والإنترنت… وقل ما تريد، بلا حكيم ولا رقيب».
ودعت البرعصي وزارة الإعلام والثقافة إلى وضع معايير واضحة لاختيار الأشخاص الذين يظهرون عبر هذه المنصات، وأضافت: «إذا لم نستطع اختيارهم، فعلى الأقل نضع ضوابط تلزمهم بحدّ أدنى من المسؤولية والجاذبية الإيجابية».
تشريعات جديدة لتنظيم الفضاء الرقمي
وفي ما يتعلق بالحاجة إلى تشريعات جديدة تنظّم الفضاء الرقمي، قالت البرعصي: «هذا أصبح واجباً وطنياً. نحن أمام خطر أكبر من خطر السلاح، لأننا نخلق مجرمين وأشخاصاً غير سويّين نفسياً داخل بيوتنا. ابني لن يكون سليماً نفسياً في ظل هذا الوضع».
وكشفت عن مصطلح بات يظهر في الأبحاث الحديثة، وهو «التعفّن العقلي»، موضحة أنه يصيب مستخدمي الإنترنت المدمنين على المقاطع القصيرة. وبيّنت أنّ «التوهّم أو التبلّد العقلي يجعل العقل البشري عاجزاً عن التركيز لأكثر من 10 دقائق، لأنه يعتاد على مقاطع سريعة تخاطب المشاعر بشكل حاد ومتتابع»، وتابعت: «خلال ساعة واحدة يمكن أن يمر المستخدم بمشاعر فرح وغضب واكتئاب، نتيجة هذا التدفق السريع للمؤثرات».
تعليقات