تصاعدت في الآونة الأخيرة مؤشرات العنف ضد الأطفال، في مشاهد صادمة كشفت عن أزمة اجتماعية تواجه المجتمع الليبي، حيث تحوّلت هذه الحوادث من وقائع فردية معزولة إلى ظاهرة مقلقة تستدعي تحركًا عاجلًا من الجهات الرسمية والمجتمعية، لوضع حدٍّ لانتهاكات باتت تهدد أبسط حقوق الطفولة في الحياة والأمان.
فمن جرائم العنف والتعذيب داخل الأسرة، إلى وقائع الإهمال والاستغلال في الشوارع والمدارس، تتعدد صور العنف التي تطال الأطفال في مناطق متفرقة من البلاد، وعلى الرغم من جهود كشف بعض الجرائم وملاحقة مرتكبيها، إلا أن تكرارها يسلّط الضوء على فجوات عميقة في منظومة الحماية القانونية والاجتماعية، وعلى حاجة المجتمع إلى مراجعة شاملة تعيد الاعتبار لدور الأسرة والمؤسسات التربوية في حماية جيل يواجه خطر الضياع المبكر.
جرائم أزعجت الشارع الليبي
وشهدت الفترة الماضية سلسلة من الجرائم التي هزّت الشارع الليبي، ووضعت ملف العنف ضد الأطفال في واجهة الاهتمام العام، آخرها مقطع الفيديو المتداول مطلع الأسبوع الجاري، ويظهر معلم ينهال بالضرب على طفل في مدرسة للتعليم الأساسي في مدينة العجيلات.
الأمر لا يتعلق بالتعنيف الجسدي فقط بل الأهمال أيضا الذي يشكل انتهاكا آخر بحق الأطفال، حيث ضبطت الأجهزة الرقابية في سوق الجمعة بالعاصمة طرابلس وافدًا يبيع مواد مخدّرة لطلبة بالمرحلة الإعدادية على أنها منتجات عادية.
وقبلها استفاق المجتمع على حادث مروع في بنغازي، حيث عُثر على أب وأطفاله السبعة قتلى بأعيرة نارية، ثم واقعة أخرى في أجدابيا، حين أقدم أب على قتل طفله البالغ أربع سنوات بطريقة وحشية بعد تعنيفه بخرطوم وضرب رأسه في الحائط، ما أدى إلى وفاته متأثرًا بإصاباته البليغة.
وفي الأبيار، كشف جهاز البحث الجنائي عن جريمة أخرى تمثلت في العثور على طفلة حديثة الولادة ملقاة في مكب نفايات، قبل أن تقود التحريات إلى تحديد هوية الأم التي اعترفت بأن الطفلة ثمرة علاقة غير شرعية.
لجنة المرأة بـ«النواب» تحذر من تصاعد الظاهرة
في خضم موجة الغضب الشعبي والرسمي إثر تكرار حوادث العنف ضد الأطفال، أصدرت لجنة شؤون المرأة والطفل بمجلس النواب بيانًا حذرت فيه من تنامي هذه الظاهرة داخل المجتمع الليبي، مطالبة بتحرك عاجل لمواجهتها عبر تفعيل القوانين والتشريعات ذات الصلة، وتنظيم حملات توعية تسلط الضوء على مخاطر العنف الأسري وتأثيره على النشء.
وأكدت اللجنة أهمية تعزيز دور الأخصائيين النفسيين والاجتماعيين داخل المؤسسات التعليمية والتربوية، وتفعيل التنسيق بين الأجهزة الأمنية والقضائية لضمان تطبيق العقوبات الرادعة بحق كل من يثبت تورطه في جرائم العنف ضد الأطفال. كما شددت على ضرورة تكاتف جهود المجتمع لبناء بيئة آمنة وصحية تحمي الأطفال من التهديدات التي تطالهم داخل محيطهم الأسري.
تفاصيل إعداد مشروع قانون مناهضة العنف ضد الأسرة
«بوابة الوسط» تواصلت مع رئيسة لجنة شؤون المرأة والطفل بمجلس النواب انتصار شنيب التي تعمل حاليا على إعداد مشروع قانون لمناهضة العنف ضد الأسرة، حيث التقت العديد من المسؤولين التنفيذيين والقانونيين لمناقشة المشروع، الذي يكفل ليس فقط حماية حقوق الأطفال، بل أيضا جميع أفراد الأسرة.
وأوضحت شنيب أن مشروع القانون الجديد سيُعد برعاية مختصين وخبراء، مؤكدة أنها عقدت مؤخرًا جلسة مع رئيس محكمة شمال بنغازي لبحث الظواهر الاجتماعية التي تشهدها المحاكم، وعلى رأسها ارتفاع نسب الطلاق والعنوسة وإهمال بعض الأزواج لمسؤولياتهم الأسرية، وأشارت إلى أن المشروع سيركز بالدرجة الأولى على حماية الطفل وتنشئته السليمة، بوصفه «الكنز الحقيقي الذي ستعتمد عليه ليبيا مستقبلًا».
وأضافت أن القانون المرتقب سيحفظ حقوق جميع أفراد الأسرة — أطفالًا ونساءً ورجالًا — وينظم العلاقة بينهم بما يكفل العدالة والاتزان في الحقوق والواجبات، مبيّنة أن الهدف ليس فقط الردع، بل إصلاح البنية الاجتماعية بما يتوافق مع الشريعة الإسلامية والعادات والتقاليد الليبية.
ولفتت شنيب إلى أن المشروع سيمنح دورًا محوريًا للأخصائيين الاجتماعيين والمرشدين النفسيين في المدارس، باعتبارهم خط الدفاع الأول لرصد أي سلوكيات سلبية أو حالات عنف، مؤكدة أن التعاون بين الأسرة والمؤسسة التعليمية هو الأساس لتنشئة جيل سليم فكريًا وسلوكيًا.
وختمت بالقول إن ليبيا اليوم بحاجة ملحّة إلى هذا القانون في ظل تنامي ظواهر العنف، ليس ضد الأطفال فقط، بل ضد النساء وكبار السن أيضًا، مشيرة إلى أن تماسك الأسرة الليبية لا يزال قائمًا، «لكن بعض الاختلالات الطارئة تستوجب التصحيح والتقويم بما يتناسب مع التغيرات الاجتماعية والتكنولوجية الراهنة».
ندرة شكاوى التعنيف
العنف ضد الأطفال يشمل كل أشكال سوء المعاملة أو الاعتداء أو التحرش كما تشرح المحامية والمختصة في قضايا الأسرة ناهد السنوسي، مشيرة إلى أن تلك الحالات تسجل في المنازل والمدارس والأماكن العامة، ولذا يجب تطبيق تشريعات حازمة وزيادة الوعي وتوفير الحماية للصغار.
وأضافت أنه لا توجد في ليبيا حالات يشكو فيها الطفل مما يتعرض له سواء لأحد المقربين منه أو عبر المدرسة مثلا، ولذا تبقى معظم حالات التعنيف الأسري طي السرية، ولا تخرج للعلن إلا فى حالة حصول طلاق.
وأكملت المحامية: «في حالات الطلاق قد يتهم الأب أو الأم الطرف الآخر بالإساءة للأطفال»، منبهة إلى أن المجتمع يفاجئ بعد ذلك بجرائم أسرية مثل ما حدث قبل عامين عندما أقدم أب على قتل أحد أبنائه وتسبب في تحويل آخر للعناية المركزة، وأيضا أب وأم تورطا في تعذيب بناتهما حتى الموت.
مطالبة بإجراءات رادعة لحماية الأطفال
وفي سياق متصل، اعتبرت المستشارة القانونية ورئيسة المنظمة الليبية لحقوق الإنسان حنان الشريف أن الجرائم الأخيرة ضد الأطفال تمثل «ظواهر غريبة على المجتمع الليبي وفاجعة إنسانية تجاوزت كونها وقائع فردية»، مؤكدة أنها «تدق ناقوس خطر اجتماعي وقانوني وأخلاقي يستدعي من كل الجهات التعامل معه بجدية ومسؤولية».
وقالت الشريف إن تكرار مثل هذه الحوادث يعكس تصاعدًا مقلقًا في العنف الأسري والاجتماعي داخل المجتمع الليبي، مضيفة: «شهدنا خلال الفترة الأخيرة جرائم مروعة ضد الأطفال، من الزاوية إلى مصراتة ثم أجدابيا وبنغازي، وهذا مؤشر خطير يكشف عن خلل عميق في البنية الأسرية والاجتماعية».
وأرجعت الشريف تفاقم هذه الظواهر إلى «تراجع دور المدرسة والأسرة والإعلام، وتزايد السلوكيات الدخيلة على المجتمع الليبي، وغياب الوعي بخطورة ما يجري داخل البيوت»، محذّرة من أن «تحوّل العنف ضد الأطفال إلى ظاهرة متكررة يعني أننا أمام أزمة تربوية وإنسانية عميقة تحتاج إلى معالجة عاجلة».
إنشاء مراكز متخصصة لتأهيل الأطفال المُعنفين
من جانبها، أوضحت أستاذة الصحة النفسية هناء شكري أن جرائم العنف ضد الأطفال لا تقتصر على الاعتداء الجسدي فقط، بل تشمل أشكالًا متعددة من العنف النفسي والمعنوي واللفظي والتحرش والحرمان، مشيرة إلى أن هذه الأفعال تترك آثارًا طويلة الأمد على نمو الطفل النفسي والاجتماعي.
وبيّنت شكري أن مرتكبي جرائم العنف ضد الأطفال غالبًا ما يعانون من اضطرابات نفسية وشعور بالغبن والاضطهاد، ويمارسون العنف كوسيلة للتنفيس أو لإثبات السيطرة والهيمنة، أو بدافع الاعتقاد الخاطئ بأن العنف أسلوب للتربية، مؤكدة أن هذه الممارسات «تزرع في نفسية الطفل الخوف وفقدان الثقة بالآخرين والمجتمع».
ودعت إلى ضرورة إنشاء مراكز متخصصة للدعم النفسي للأطفال المعنفين حتى لا ينضجوا «بجروح داخلية تتحول إلى نقاط سوداء في شخصياتهم»، إلى جانب برامج علاج وتأهيل نفسي وسلوكي للآباء والأمهات الذين يمارسون العنف، وتشديد الرقابة في المدارس عبر المرشدين والأخصائيين الاجتماعيين لرصد أي حالات إساءة أو إيذاء يتعرض لها الأطفال.
وختمت بالقول إن «المجتمع الليبي محافظ، لكنه أحيانًا يرفض التدخل في شؤون الأسرة الخاصة، وهو ما يشكّل حاجزًا أمام حماية الطفل»، مشددة على أن «الأطفال فئة ضعيفة تحتاج إلى حماية قانونية واجتماعية فعالة قبل أن تتفاقم المأساة».
- بعد «واقعتي بنغازي وأجدابيا».. لجنة المرأة بـ«النواب» تحذر من تنامي ظاهرة العنف الأسري
- رئيس «الأعلى لقبائل الزوية» عن «واقعة بنغازي»: الأب كانت حالته النفسية سيئة جدا.. ولجأ للعلاج بالسحر
- مقتل أب وأطفاله في ظروف غامضة بمدينة بنغازي
- أب يقتل طفله البالغ 4 سنوات في أجدابيا
ويتضح أن ظاهرة العنف ضد الأطفال لم تعد مجرد حوادث فردية، بل مؤشر خطير على اختلالات اجتماعية ونفسية تتطلب تحركًا وطنيًا عاجلًا. فالأطفال، الذين يمثلون نواة المستقبل، يواجهون اليوم تهديدات تمس أمنهم النفسي والجسدي داخل محيط الأسرة نفسها، التي يفترض أن تكون الملاذ الآمن لهم.
وبينما تتكاثف الجهود التشريعية لإعداد قانون يجرّم العنف الأسري ويكفل الحماية لجميع أفراد الأسرة، تبقى المسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع، من خلال نشر الوعي، وتفعيل الرقابة، وتوسيع دور المدرسة والمسجد والإعلام في الوقاية والدعم. إن حماية الطفل ليست خيارًا، بل واجب وطني وأخلاقي لضمان بناء جيل سليم قادر على النهوض بليبيا نحو مستقبل أكثر إنسانية وأمانًا.
تعليقات