لخص قائد القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا «أفريكوم» الجنرال داغفين أندرسون، زيارته إلى كل من طرابلس وبنغازي في عنوان «التأكيد على الوحدة والحوار والتعاون»، وهي زيارة تأتي ضمن التحولات اللافتة في مقاربة واشنطن القائمة على التفاوض المباشر بين «الفاعلين على الأرض»، بعيداً عن الدور الأممي، في حين تزامنت مع معلومات أميركية عن نوايا روسيا لبناء قاعدة عسكرية في ليبيا أو في بورتسودان.
ومنذ شهور تتبنى واشنطن نهجاً براغماتياً في التعاطي مع الملف الليبي، يقوم على التنسيق المباشر بين القوى المسلحة التابعة للسلطتين في غرب البلاد وشرقها، فيما يشبه الاعتراف المتبادل بينهما، متجاهلة التدابير التصعيدية لمتصدري المشهد السياسي، بعد دعوات فرض الحكم الذاتي وإنشاء هيئة الرئاسات الثلاث في طرابلس، والانتقادات الحادة لمهمة البعثة الأممية ورئيستها، هانا تيتيه التي من المقرر أن تقدم إحاطتها هذا الشهر.
قائد «أفريكوم» يناقش مع حفتر توحيد المؤسسة العسكرية
وخلال لقاء المشير خليفة حفتر بحضور نجليه، نائبه الفريق صدام، ورئيس أركان الجيش الفريق خالد حفتر، حرص قائد «أفريكوم»، على التأكيد على توحيد المؤسسات العسكرية، وتنظيم مناورات عسكرية مشتركة في سرت تجمع للمرة الأولى بين الطرفين العسكريين في غرب ليبيا وشرقها، في وقت دعت فيه قوات «القيادة العامة» بإمرة قائدها المشير خليفة حفتر، الولايات المتحدة عبر قيادتها العسكرية في أفريقيا إلى رفع حظر التسليح المفروض دولياً منذ 2011، وجاء الطلب خلال محادثات أجراها في بنغازي، الفريق صدام نجل ونائب حفتر، مع أندرسون.
وقال صدام إنه واستكمالاً لاجتماع عقده والده في وقت سابق، بحث مع المسؤول الأميركي ملف رفع الحظر المفروض على تسليح الجيش في ليبيا، بالإضافة إلى الجهود المشتركة في مواجهة التهديدات العابرة للحدود، وسبل تطوير التعاون العسكري، بما في ذلك برامج التدريب المشترك لتعزيز قدرات الجيش.
ولم يشر أندرسون إلى طلب صدام بخصوص التسليح، موضحا أنه جرى التباحث حول التعاون الأمني بين بلاده وليبيا، وأهمية الحفاظ على الاستقرار الإقليمي، ومواصلة بلاده الانخراط مع القادة العسكريين الليبيين في مختلف أنحاء البلاد دعماً للوحدة والسلام، وأضاف أن محادثاته ركّزت على التعاون الأمني المشترك، والجهود الرامية إلى توحيد المؤسسة العسكرية، وأهمية تحقيق سلام دائم في البلاد.
استضافة ليبيا جزء من مناورات «فلينتلوك 2026»
وأشار القائد الأميركي إلى أن ليبيا ستستضيف جزءاً من مناورات «فلينتلوك 2026» أبريل المقبل في سرت للمرة الأولى بمشاركة الطرفين العسكريين غرباً وشرقاً.
وسبق لمجلس الأمن الدولي أن فتح الباب جزئياً لتسليح وتدريب الجيش الليبي الموحد، دون رفع الحظر كلياً، في أهم اختراق إيجابي لجدار الحظر منذ 14 عاماً، بعدما قرر مطلع العام الجاري أن «حظر التسليح لا ينطبق على المساعدة التقنية والتدريب، التي تقدمها الدول الأعضاء للقوات الأمنية الليبية، إذا كان الهدف الوحيد هو توحيد المؤسسات العسكرية والأمنية الليبية».
ونقل مكتب المشير حفتر عن أندرسون تأكيده عمق العلاقات بين الجانبين، وما وصفه بالدور الرئيسي لقيادة الجيش في تعزيز الأمن والاستقرار في ليبيا، وتأثير ذلك إيجابياً على المنطقة بشكل عام.
أندرسون يناقش مع الدبيبة توحيد الجيش
وبحث أندرسون في طرابلس، مع رئيس «حكومة الوحدة الوطنية الموقتة» عبدالحميد الدبيبة «تعزيز التعاون الأمني الثنائي، والاستقرار الإقليمي، ودعم الولايات المتحدة للجهود الليبية لتوحيد الجيش»، وجرى التأكيد على أهمية دعم المؤسسة العسكرية عبر شراكات فعالة وبرامج تدريبية نوعية، على «تعزيز الأمن والاستقرار ومكافحة التهديدات في المنطقة»، وفق مصادر حكومة الدبيبة.
وأوضحت السفارة الأميركية من جهتها عبر حسابها على «إكس» أن أندرسون ناقش، رفقة القائم بأعمال السفارة الأميركية جيريمي برنت، مع رئيس أركان قوات «حكومة الوحدة الوطنية الموقتة»، محمد الحداد، ووكيل وزارة الدفاع، عبدالسلام الزوبي، في اجتماعين منفصلين، فرص توسيع التعاون العسكري المشترك، وتعزيز احترافية قوات الأمن الليبية، والجهود التي تقودها ليبيا لتوحيد المؤسسات العسكرية، كما تعهد مواصلة الولايات المتحدة دعم الجهود التي تقودها البلاد لتجاوز الانقسامات وتوحيد قوات الأمن الليبية.
- خبراء: زيارة قائد «أفريكوم» لليبيا تعكس رغبة واشنطن في الحفاظ على الاستقرار الحالي
- قائد «أفريكوم»: القيادات العسكرية من شرق وغرب ليبيا تتعاون للتحضير لتدريب «فلينتلوك 2026»
- حفتر يبحث مع قائد «أفريكوم» تعزيز التعاون الأمني والعسكري المشترك
- الدبيبة يبحث مع قائد «أفريكوم» التعاون في برامج تطوير القدرات العسكرية
- «وول ستريت جورنال»: الحكومة السودانية تعرض منح روسيا أول قاعدة بحرية لها في أفريقيا
ويعتبر متابعون للشأن الليبي زيارة الجنرال داغفين أندرسون استكمالا لجهود أميركية في دعم وجودها العسكري والأمني في أفريقيا، لاسيما بعد الأحداث الأخيرة التي تعصف بدول الساحل والتغيرات الجيوسياسية في غرب أفريقيا وفقدان مواقعها ومصالحها في هذه المنطقة الحساسة من العالم.
عرض سوداني لروسيا بإنشاء قاعدة
ولا يمكن فصل الانخراط العسكري الأميركي في ليبيا عن خطط روسية تجري في المنطقة، إذ تحدثت جريدة «وول ستريت جورنال» الأميركية عن عرض سوداني لموسكو بإنشاء قاعدة عسكرية في ميناء استراتيجي على البحر الأحمر، وعلق مسؤول أميركي بارز قائلا إن «وجود قاعدة روسية في ليبيا أو في بورتسودان يمكن أن يعزز قدرات روسيا على إبراز قوتها ويسمح لها بالعمل خارج العقوبات».
ويرى الجنرال المتقاعد في القوات الجوية مارك هيكس، الذي قاد وحدات العمليات الخاصة الأميركية في أفريقيا، أن وجود قاعدة روسية في أفريقيا «يزيد من نفوذ موسكو بمنحها المزيد من المكانة والنفوذ الدوليين».
ولفتت الجريدة إلى أن احتمال إقامة مثل هذه القاعدة على البحر الأحمر يثير قلق المسؤولين الأمنيين الأميركيين، الذين يتنافسون مع بكين وموسكو منذ سنوات على النفوذ العسكري في أفريقيا، مشيرة إلى أن وجود قاعدة في ليبيا، أو على البحر الأحمر، سيتيح للسفن الروسية الإبحار لفترات أطول في البحر المتوسط والمحيط الهندي.
واشنطن ترغب في صنع تفاهمات داخل ليبيا
يأتي ذلك في وقت بات التوجه الجديد للبيت الأبيض يعكس رغبة واشنطن في لعب دور أكثر تأثيراً في صنع التفاهمات السياسية والاقتصادية داخل ليبيا، عبر إدارة حوار مباشر يخضع لإشراف أميركي كامل. وبحسب موقع «أفريكا إنتليجنس» الفرنسي فإن هذا الأسلوب يستند إلى منهج تبناه الرئيس الأميركي دونالد ترامب في إدارة النزاعات عبر التواصل المباشر بين الأطراف المتخاصمة.
وأسهمت الوساطة الأميركية في التوصل إلى اتفاق 18 نوفمبر الماضي الذي جاء ليضع أساساً لبرنامج تنموي موحد بين الشرق والغرب، إلى جانب معالجة ملف توزيع إيرادات النفط الذي كان محور خلاف طويل بين الطرفين، في سياق استمرار المفاوضات التي لعب فيها مبعوث البيت الأبيض، مسعد بولس دور الوسيط الرئيسي، حيث جمع كلاً من صدام حفتر وإبراهيم الدبيبة في اجتماع بروما مطلع سبتمبر الماضي. وفي السياق ذاته، لعب وليد اللافي دوراً تنسيقياً مهماً مع الجانب الأميركي.
ويثير تعدد زيارات قيادة «أفريكوم» ليبيا وفي فترات متقاربة تساؤلات عديدة يطرحها كثير من الليبيين، والمختصين بالشأن الليبي، ويتعلق معظمها بماهية النوايا الأميركية وراء هذه الزيارات على المديين القصير والبعيد، وما إذا كانت تعكس صراعا خفيا بين واشنطن وموسكو على التمركز في ليبيا الضفة الجنوبية للبحر المتوسط المقابل تماما للساحل الأوروبي، بعد أن كانت تحليلات السياسيين تنحصر في خطط أميركا لمحاربة الإرهاب في هذا البلد المضطرب، وفي جنوب الصحراء عموماً.
تعليقات